«أول فيلم أتذكره في حياتي كان عام 1918… بعد خروجي من السينما، التفتُّ لأبحث عن الأبطال الذين رأيتهم على الشاشة، معتقدًا أنهم حقيقيون».
من حوار مع نجيب محفوظ بعنوان «أنا والسينما».
افتتن أديب مصر الكبير نجيب محفوظ بالسينما منذ طفولته الأولى، وطالما أسهب في وصف محبته لها في حواراته. كان على الأهل، في كلّ مرة يذهب فيها نجيب الطفل إلى السينما، أن يخرجوه منها بالقوة؛ لأنه كان يرغب في البقاء هناك. ظلّ حُكم الفتنة ساريًا، وعشق الصبي أفلام رعاة البقر. كانت أفلام الويسترن نوعه الفيلمي المفضّل، حتى إنه كان يُخيّل إليه أنه ربما وُلد في براري الغرب الأميركي الموحش، لكثرة ما شاهد من أفلام هذا النوع.
مع كلّ هذه المحبة لفنّ السينما، لم يفكر أبدًا في الكتابة لها. كانت السينما مَن سعت إليه. بدأت الحكاية في شهر سبتمبر 1939، حين اتصل به المخرج السينمائي صلاح أبو سيف، بعد قراءة روايته «عبث الأقدار»، ليُثني على حسّه السينمائي في الكتابة.
سيكتب طه حسين لاحقًا، مؤكدًا سينمائية الكتابة المحفوظية في روايته «زقاق المدق»: «إنها تصوّر الحياة تصويرًا يروّعك بدقّته، حتى لكأنك تعيش بين هؤلاء الناس».

في منتصف الأربعينات، يدعوه صلاح أبو سيف، المُكتشف الأول لإمكانات محفوظ السينمائية، إلى أن يشاركه كتابة سيناريو فيلمه «مغامرات عنتر وعبلة». ومنذ هذه اللحظة وحتى نهاية الخمسينات، سيعمل محفوظ مع ألمع مخرجي السينما المصرية، دافعًا الفنّ السينمائي خطوات إلى الأمام، ومحقّقًا سبقًا تلو الآخر.
كتب محفوظ خلال هذه المرحلة، أو شارك في كتابة، نحو عشرين سيناريو؛ عدد منها من بين أنجح ما كُتب في تاريخ السينما المصرية. لم يُخفِ جاذبية الكتابة للسينما وإمكان تحقيق واقعية أكثر اكتمالًا من خلال هذا الوسيط الذي أسر خياله منذ طفولته الأولى. حدث كلّ هذا قبل أن تلتفت السينما إلى اقتباس رواياته، وهو ما يتحقّق أيضًا مع صلاح أبو سيف في «بداية ونهاية» عام 1960. اتخذ محفوظ وقتها قرارًا حاسمًا بعدم مشاركته نهائيًا في أفلمة رواياته وقصصه للشاشة الكبيرة.

الأثر السينمائي لصاحب «نوبل»
يمكننا القول إنّ نجيب محفوظ، الكاتب السينمائي، غير مقدَّر حتى الآن بشكل كافٍ. في الحقيقة، ربما لا تقلّ أهمية وجوده في السينما عن وجوده في الأدب. هذه بعض الوقائع التي ترسم ملامح الأثر الهائل الذي تركه في السينما.
كان محفوظ أول أديب يكتب للسينما مباشرة. كتب القصة والسيناريو لفيلم «ريا وسكينة» لصلاح أبو سيف، وكانت هذه المحاولة الأولى في تاريخ السينما المصرية لأن يستمد فيلم حكايته من حادثة واقعية. ثم كرّرها لاحقًا في «الوحش» مع أبو سيف أيضًا، عن الخطّ الذي روَّع الصعيد بجرائمه وفرض إرادته على الناس وأنهك الشرطة. عُرض فيلم «الوحش» في المسابقة الرسمية لـ«مهرجان كانّ» عام 1954.

كانت تتمة هذه المحاولات في فيلم أبو سيف «الفتوة»، الذي كتب محفوظ السيناريو الخاص به. شارك الفيلم في المسابقة الرسمية لـ«مهرجان برلين السينمائي الدولي» في دورته السابعة عام 1957.
يصف هاشم النحاس في كتابه «نجيب محفوظ على الشاشة» تجربة فيلم «بين السما والأرض» بأنها فريدة من نوعها في تاريخ السينما المصرية: «وقد كتب محفوظ القصة السينمائية فقط للفيلم، فكان بذلك رائدًا في هذا المجال الذي لم يعترف فيه من قبل بوجود القصة السينمائية باعتبارها عملًا فنيًا مستقلًا».
هناك 21 فيلمًا تخصّ نجيب محفوظ في القائمة الشهيرة لأفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، والتي أُعدَّت عبر استفتاء واسع للنقاد عام 1996، بمناسبة مئوية السينما المصرية. نحن إذًا أمام ثلث أفلام قائمة الأفضل في تاريخ السينما، وقد حملت توقيع محفوظ، وهي أفلام يتنوّع إسهامه فيها بين الكتابة المباشرة للسينما أو اقتباسها من أعماله الأدبية.

أتاحت السينما لمحفوظ فرصة غير مسبوقة لتطوير نوع الواقعية الاجتماعية التي كان ينتهجها في كتاباته الأدبية. في أعقاب ثورة 1952، كرّس نفسه حصريًا لكتابة السيناريو، واستمر في ذلك نحو سبع سنوات.
كان لعمله السينمائي دور محوري في أدبه اللاحق شكلًا ومضمونًا. إحدى مناطق الظل في دراسات أدب نجيب محفوظ هي الأثر الذي تركته سنوات احترافه السينمائي على متنه الأدبي. أعتقد أنه جانب يستحق دراسات مستفيضة.
أخبر محفوظ المخرجة الإيطالية آنا ألبرتانو أنه انجذب إلى الطريقة التي تُغيّر بها الأفلام تمثيل الزمن وتتحكّم فيه. اعتقد أنّ أهم تأثير للكتابة للسينما في أعماله الأدبية هو أنها علّمته الإيجاز والتركيز أكثر في كتاباته.
كانت السينما مسارًا موازيًا للاكتشاف ومختبرًا لأفكاره وثيماته الأدبية الكبيرة. كان البؤس متأصّلًا في حكاياته السينمائية والأدبية، مع حاجة لا تُشبع إلى الخلاص.
سينما الغرب الأميركي وملاحم الفتوات عند محفوظ
هل ألهمت تلك السنوات روايته الأولى بعد الثورة «أولاد حارتنا»؟ هل كان لأفلام الغرب الأميركي التي افتتن بها محفوظ مبكرًا علاقة بحكايات الفتوات التي تنتشر في مجمل إبداعه الروائي والقصصي؟
رغم أنه استوحى حكاياته من واقع الحارة المصرية والتاريخ الشعبي، فإن طبيعة شخصياته وملامحها والبناء الدرامي الملحمي لقصصه تدين بالكثير لأفلام الويسترن. شكّلت تيمات «قانون القوة» و«غياب السلطة» قاسمًا مشتركًا بين عالم فتوات محفوظ وفيلم الغرب الأميركي. كتب نجيب محفوظ للسينما عن عالم الفتوات قبل أن يُفرد له مساحته الخاصة والمتنامية في متنه الأدبي.
لقد طوَّر ملامح «الفتوة» سينمائيًا على أنها نوع من «التجريب» أو البروفة المبكرة، وذلك قبل سنوات من إصدار روايته الملحمية الشهيرة «أولاد حارتنا» (1959)، التي تمحورت بالكامل حول هذا العالم، وحوّل خلالها واقع الفتوات إلى نوع من الميثولوجيا.

يُعدّ فيلم «فتوات الحسينية» (1954) الإرهاصة الأولى لعالم الفتوات في مسيرة محفوظ. كتب القصة والسيناريو له، بالاشتراك مع المخرج نيازي مصطفى، ودارت أحداثه في أجواء الحارة المصرية القديمة. يمتطي بيومي، الفتوة الصاعد الذي يؤدّي دوره فريد شوقي، حصانًا أبيض، في لفتة تُذكّر بأفلام الغرب الأميركي، قبل أن تبدأ المعركة بمواجهة حاسمة بينه وبين منافسه في وضح النهار.
يوحي المكان في فيلم «الوحش» بنوع من الوحشة والعزلة. يُرسّخ عبد الصبور/ محمود المليجي وعصابته وجودهم بالعنف. يشعر المُشاهد كأنه يشاهد فيلمًا غربيًا أميركيًا. يُخيّم شبح الغرب المتوحّش بثقله على قرية الصعيد التي تدور فيها الأحداث.
مثلما تبدأ أفلام الويسترن الحكاية دائمًا بوصول راعي بقر غريب، ممتطيًا حصانه، إلى بلدة حدودية نائية تسيطر عليها العصابات والفساد، يدخل البطل «هريدي» (فريد شوقي) في فيلم «الفتوة» غريبًا إلى «سوق الخضار»، ورغم أنه في قلب المدينة، فإنه يكاد يكون بمعزل عن القانون وتحت طغيان فتوة السوق «أبو زيد» (زكي رستم). يتحوّل «سوق روض الفرج» إلى ساحة غرب أميركي مصغَّرة. السلطة الرسمية غائبة، والتجار الصغار مضطهدون، والمتحكِّم في الأسعار والأرزاق والحياة والموت هو «أبو زيد» ورجاله.
تُستَبدل الحانات في فيلم «الفتوة» بالمقاهي الشعبية داخل السوق، وتتحوّل معارك المسدّسات إلى صراع جسدي شرس باستخدام العصي، وصناديق الخضار، والسكاكين.
ينتهي الصراع بموت «أبو زيد» ودخول «هريدي» السجن، ودخول غريب جديد إلى السوق بحثًا عن عمل، فيما يبدو كأنها دائرة لا نهائية من العنف، من الصعود والسقوط، ثم الصعود مجددًا.
كانت السينما هي المُختبر البصري الأول الذي صاغ فيه نجيب محفوظ ملامح الفتوة، قبل أن يمنح الشخصية أبعادًا فلسفية وملحمية وتاريخية أعمق في متون رواياته وقصصه.
أدب ما بعد سنوات السينما
حين كتب محفوظ روايته «اللصّ والكلاب» (1961)، كان مثل مَن يستكمل ما انقطع، مواصلًا خيط حكايات الجريمة الواقعية الذي بدأه في «ريا وسكينة» و«الوحش». طالما أظهر انشغالًا بعوالم الجريمة على أنها نوع من الاهتمام العميق بأثر المجتمعات في تحوّلات الأفراد ومصائرهم؛ وهو انشغال سيواصل تطويره على امتداد مسيرته الأدبية. كانت قتامة هذه العوالم السينمائية ويأسها المتجذّر في الظلم الاجتماعي والفساد الضارب في قلب المجتمع تفسح الطريق الآن لأفق جديد من الحيرة والأسئلة التي لا تنتهي. يُسقط محفوظ هنا كلّ قلقه وهواجسه في هذه المرحلة من سنوات الثورة على شخصية بطله «سعيد مهران». كانت مناشدات العالم السفلي هنا تتّخذ شكل تضرُّع فلسفي عن المعنى والعدالة الإلهية المفقودة.

جاءت «اللصّ والكلاب» أيضًا تمرّدًا على السرد الكلاسيكي. يتفكّك السرد إلى مونولوغ داخلي مشحون بالغضب واليأس. يتلاعب محفوظ بالإيقاع والزمن عبر ما يُشبه المونتاج السينمائي. يتحوّل الفلاشباك من حكايات أو مواقف قديمة مستعادة إلى ومضات بصرية خاطفة تقطع سياق سرد الحاضر. ساعدت مثل هذه التقنيات السينمائية، التي طوّعها محفوظ روائيًا، في براعة التعبير عن الأزمة الوجودية والنفسية لبطله بطريقة لم يكن أسلوبه القديم قادرًا على استيعاب تلاحقها وعنفها.
في هذا السياق، تأتي رواية «ثرثرة فوق النيل» (1966) ذروةً للسينما المكتوبة في أدب نجيب محفوظ، إذ يعتمد هنا على تجريب بصري ومونتاجي أكثر تعقيدًا.
أزمة السينما المقتبسة من أدب محفوظ
في مقدّمة كتابه «أدباء العالم والسينما»، يرى الناقد السينمائي الكبير سمير فريد أنّ هناك ثلاثة أنواع من العلاقات بين السينما والأدب: في النوع الأول، يخضع العمل الأدبي إلى نوع من الترجمة الحرفية السينمائية بدعوى احترام النصّ. يستغل نوع آخر نجاح عمل أدبي لصنع فيلم تجاري عنه، في حين يتعامل النوع الثالث مع الأصل الأدبي على أنه مصدر للوحي والإلهام، إذ يجد فيه السينمائي ما يُعبّر عن ذاته، خالقًا إبداعه الخاص.

هناك بالطبع أعمال سينمائية كبيرة اقتُبست من أدب محفوظ، منها على سبيل المثال لا الحصر: «بداية ونهاية»، و«القاهرة 30»، و«اللصّ والكلاب»، و«الجوع»، و«أهل القمة»، و«الحبّ فوق هضبة الهرم». ومع ذلك، ظلّ تعامل السينما مع الأدب المحفوظي منحصرًا إلى حد بعيد في نطاق النوعين الأولين. ظلَّت هناك فجوة واضحة بين نصوص رواياته وقصصه والأفلام المقتبسة عنها. هذه الفجوة ليست نابعة من اختلاف اللغة الفنية بين الوسيطين، الأدبي من ناحية والسينمائي من ناحية أخرى، بل في الغالب يمكن ردّها إلى الاهتمام بالبُعد الحكائي في نصوصه على حساب الأبعاد الأخرى. كانت نصوصه الرحبة تضيق على الشاشة، وكان براح أحلامه يضيق، وفيض رؤاه وأسئلته يؤول إلى الصمت، في مقابل صوت حكاياه الرنانة.
لم يسبق أن رفض محفوظ، أو غضب، أو دخل في نزاعات مع السينمائيين بسبب اقتباساتهم لأدبه. ظلّ دائمًا ممتنًا للسينما وجهود هؤلاء السينمائيين التي أسهمت في نقل أدبه إلى جمهور أوسع، لم يكن قادرًا أبدًا على الوصول إليه فقط عبر رواياته وقصصه.

في مقال له نُشر في مجلة «القاهرة» عام 1988 تحت عنوان «السينما والتعبير الفنّي»، يبدو محفوظ مدركًا للوجه الحقيقي لمأزق اقتباساته السينمائية. يرى في مقاله أنّ طبيعة الجمهور تدفع الاقتباسات إلى التزام البساطة والخفة، ومن هنا يفقد الفنّ الحرّ الطليق روحه وجوهره، ولا يبقى منه في الغالب إلا ما يسرّ ويلذّ ويسلّي. تأخذ السينما أسهل ما في الكتب وتهمل العمق والتحليل، فلا يبقى من القصة إلا الحكاية بما فيها من مفاجآت وتشويق ومواعظ. يواصل محفوظ بأنّ القصة جسد وروح؛ يتمثّل الجسد في تسلسل الحوادث وترتيبها، بينما الروح هي سيكولوجيا النصّ وفلسفته ومعناه. تأخذ السينما الجسد أولًا، ثم تحاول أن تعبّر بالإشارة والرمز والكلمة الموجزة عن روح القصة، لكن أدوات المخرج في الغالب لا تسعفه.
يمكننا أن نختتم الكلام بمقولة لمحفوظ واردة في المقال، تمثّل خلاصة فكره وأمانيه بشأن السينما والأدب: «جملة القول إنّ السينما أداة شعبية للتعبير عن الفنون السامية وعملها مهما خلصت النيات لا يخلو من جناية على الأدب الرفيع، ولعلّ الأمل لا ينقطع في تخفيف جنايتها على الفنّ الرفيع إذا أخلص المخرج لفنّه وقدَّر الدور الخطير الذي يلعبه في المجتمع حقّ قدره وأفرغ جهده في السمو بأداته إلى أعلى مراتب الإتقان».