احتضن مهرجان «كانّ» السينمائي المؤتمر الصحافي لفيلم «Fatherland ـ أرض الآباء» للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، الذي يعود إلى المسابقة الرسمية في الدورة الـ79 بعد غياب دام ثمانية أعوام منذ فيلمه «Cold War ـ الحرب الباردة»، الذي منحه جائزة أفضل إخراج آنذاك.
وخلال المؤتمر، تحدَّث بافليكوفسكي عن المنفى والعائلة والذاكرة الأوروبية وتحوّلات العالم المعاصر، إلى جانب كواليس صناعة الفيلم، الذي يستعيد لحظة عودة الكاتب الألماني توماس مان إلى ألمانيا عام 1949 بعد سنوات طويلة من الهجرة والمنفى.
حزن العائلات وضياع الأوطان
أوضح بافليكوفسكي أنّ غيابه الطويل منذ «الحرب الباردة» لم يكن فقط بسبب صعوبة العثور على موضوع يستحق سنوات من العمل، ولكن نتيجة تراكم ظروف عدّة، بدءًا من الجائحة التي أوقفت العالم، وصولًا إلى انهيار مشروع آخر قبل التصوير بأسبوعين بسبب إضراب الممثلين في الولايات المتحدة.

وأشار إلى أنّ مشروع توماس مان جاء عبر سيرة ذاتية كتبها كولم تيوبين، ورغم تردّده الأولي تجاه أفلام السير الذاتية، فإنه وجد في عودة مان إلى ألمانيا عام 1949 لحظة تاريخية شديدة الجاذبية. وقرَّر اختصار الرحلة الطويلة إلى فيلم مكثَّف يمتدّ خمسة أيام فقط، على غرار أسلوب فيلمه «Ida ـ إيدا»، ليصنع عملًا يحمل قوة داخلية بعيدًا عن السرد التاريخي التقليدي.
كما أوضح أنه استبدل شخصية الزوجة «كاتيا» بشخصية الابنة «إريكا» دراميًا، وأضاف شخصيات جديدة لصناعة مزيج إنساني وتاريخي أكثر ثراءً وسلاسة على مستوى السرد.
وفي ما يتعلَّق بالحزن داخل الفيلم، أكد بافليكوفسكي أنه يتفهّم حزن هذه العائلة، موضحًا أنّ توماس مان كان يكبت مشاعره ويصوغها بأسلوب شديد الدقة، وهو ما حاول نقله إلى الشاشة. ووصف علاقة إريكا بكلاوس بأنها «تراجيديا يونانية» وعلاقة تكافلية، مشيرًا إلى أنّ الفيلم يتناول مشاعر مكبوتة في عصر لم يكن الناس يملكون فيه تسميات واضحة لصدماتهم النفسية كما يحدث اليوم.
وعن توظيف الموسيقى، قال إنّ باخ هو «الحلّ لكلّ المشاكل»، لكنه استخدم موسيقاه هذه المرة بطريقة مختلفة، إذ عُزفت على آلة أورغن مخرّبة وبأسلوب رديء، ليعكس ذلك واقع اللحظة وانكسارها.
وعند سؤاله عن الحقبة التي نعيشها اليوم مقارنة بالماضي، أبدى المخرج البولندي شعوره بالضياع، معتبرًا أنّ العالم الرقمي الجديد والهمجية الحالية يخلقان وضعًا غير مسبوق، ولهذا يفضّل إخراج أفلام عن الماضي لأنه يستطيع فهمه. وختم حديثه بالتأكيد على أنّ «أرض الآباء» هو أكثر أفلامه شخصية، لأنه يجسّد الشعور بالعجز أمام تعقيد الواقع، محاولًا تقديم قصة عالمية تترك مساحة لخيال الجمهور، بعيدًا عن تفسيرات العصر الحديث.
بين الكتابة والرياضة والتمثيل
وتحدَّثت ساندرا هولر عن أسلوبها في تجسيد شخصية إريكا مان، مؤكدة أنها لم تكن تعرف أحدًا من المقرّبين إلى العائلة، لكنها اعتمدت بشكل كبير على هانز سيشر مصدرًا للمعلومات. وأوضحت أنّ مفتاح الشخصية بالنسبة إليها كان في كون إريكا كاتبة وممثلة ورياضية ومواطنة عالمية تتقن لغات عدّة.

وأشارت هولر إلى أنّ علاقة إريكا الوثيقة بأخيها، وقرارها التخلّي عن كلّ شيء للبقاء إلى جانب والدها ومساعدته في واجبه، كانا كافيين لبناء الشخصية. كما أثنت على تعاونها مع بافل ومدير التصوير
لوكاس زال، مؤكدة أنّ الإطار السينمائي القوي منحهم مساحة من الحرّية للتفاوض على تفاصيل الأداء داخل موقع التصوير، ووصفت تجربة العمل والأزياء بالرائعة.
مسؤولية التاريخ وحرّية التمثيل
ومن جانبه، أعرب أوغست ديل عن وعيه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه في أداء شخصية حقيقية، لكنه أوضح أنه ابتعد سريعًا عن القراءة والبحث الوثائقي المباشر، لأنّ الفيلم ليس وثائقيًا، بل مزيج من رؤية الممثلين والمخرج.

وأكد أنّ ما يهمه على صعيد التمثيل ليس تقليد الواقع، بل تمثيل شيء مختلف واكتشاف إيقاع المشهد من خلال الحوار مع بافل. وأضاف أن التجربة كانت غريبة ومدهشة، خصوصًا في متابعة شخصية عرفها سابقًا من الكتب، ومحاولة فهم الموقف الذي طوّره كلاوس مان طوال حياته، من محافظته الأولى إلى مواجهة كارثة العودة من المنفى.
ووصف الشخصية بأنها لرجل اضطر إلى ابتكار موقفه الخاص ليبقى مهذّبًا ومتزنًا رغم قسوة المهمة، التي لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار فيها.
وفي ختام المؤتمر، شدَّد صنّاع الفيلم على أنّ المشروع لا يقدّم رواية واحدة للحياة، وإنما يُجسّد مفارقات النفس البشرية عبر الصورة والصوت، ويحاول إيصال فكرة أنّ الواقع دائمًا أكثر تعقيدًا مما يرويه الناس.