فاصلة

مقالات

«المحبوبة»… دراما نفسية اجتماعية رقيقة عن الهجر والذكورة السامَّة

Reading Time: 10 minutes

افتتاحية: سبعة عشر دقيقة من التوتّر الخالص

بمشهد افتتاحي يمتدّ نحو سبعة عشر دقيقة حول طاولة غداء تجمع رجلًا وامرأة، ينجح المخرج الإسباني رودريجو سوروغوين في توريط المشاهد منذ اللحظة الأولى داخل عالم فيلمه الروائي الطويل الثاني «المحبوبة». يبدأ الحوار عاديًا ومألوفًا، لكن شيئًا فشيئًا تتصاعد التوتّرات الخفية بين الشخصيتين، لنكتشف أننا أمام أب وابنته تجمعهما مائدة واحدة، وتفصل بينهما سنوات طويلة من الغياب والخذلان.

الأب هو المخرج الإسباني الشهير إستيبان مارتينيز، الحائز جائزتَي أوسكار وسعفة كانّ الذهبية، والذي عاد إلى إسبانيا بعد سنوات من العمل في الولايات المتحدة لتصوير فيلم تاريخي جديد في صحراء إسبانيا الغريبة، ويعرض على ابنته إيميليا، الممثلة الناشئة التي تعمل نادلة في مطعم صغير لوالدتها، بطولة هذا الفيلم. ومنذ هذه اللحظة يبدأ سوروغوين في نسج دراما نفسية وإنسانية شديدة الحساسية حول الهجر، والإنكار، والاعتراف، واستحالة إصلاح بعض الجروح القديمة بسهولة.

صناعة الفيلم استعارة للأبوة

كان اختيار صناعة السينما إطارًا عامًا لحكاية الأب وابنته أحد أذكى القرارات التي اتخذها رودريجو سوروغوين في «المحبوبة». فصناعة الأفلام عملية صعبة ومعقَّدة تمتدّ أحيانًا سنوات، تبدأ بفكرة صغيرة وتنتهي بميلاد «الفيلم». ولعل أقرب تشبيه لها هو عملية الولادة، إذ يحمل صنّاع الفيلم الفكرة في مخيلتهم كما يُحمل الجنين، ثم يرافقونها عبر مراحل طويلة حتى تتحوَّل الفكرة البسيطة إلى عمل فنّي كامل جاهز لأن يرى النور في عرضه الأول، ومن هنا تبدو رحلة صناعة الفيلم فعل خَلْق متكامل، يتحوَّل خلاله صناع الفيلم الرئيسيون إلى آباء وأمهات لهذا الكائن الفنّي الذي يخرج إلى العالم ليحيا حياة مستقلّة عنهم.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

لهذا لم يكن اختيار سوروغوين شخصية مخرج سينمائي بوصفها بطل الحكاية تفصيلًا عابرًا أو مجرّد خلفية مهنية للشخصية الرئيسية. فالفيلم ليس فيلمًا عن صناعة السينما بالمعنى التقليدي، ولا ينتمي إلى أفلام «الفيلم داخل الفيلم»، لكنه يستثمر هذا العالم ببراعة ليعيد سرد حكاية إنسانية قديمة جديدة عن الأبوّة والفقد والهجر. فإستيبان، المخرج العالمي المشهور والمتحقّق، لا يعود إلى إسبانيا لتصوير فيلم جديد فحسب، بل يحاول، من خلال هذا الفيلم، ترميم علاقة تركها معلّقة لعقود مع ابنته إيميليا.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

يتوهّم إستيبان أن منح ابنته بطولة فيلمه الجديد كفيل بمحو سنوات الهجر والغياب، وأنّ هذه الفرصة الاستثنائية، التي ستنقلها من ممثلة تقوم بأداء أدوار ثانوية في مسلسلات تلفزيونية غير مشهورة إلى مصاف نجمات الصف الأول، ستدفعها تلقائيًا إلى النسيان، بل وربما الامتنان له على مَنْحها هذه الفرصة المهمّة. لكنه يفشل في إدراك حقيقة بسيطة ومؤلمة، أن النجاح المهني لا يمكن أن يعوض غياب أب، وأنّ الدور الذي لم يؤدّه في حياتها لا يمكن تعويضه بدور يمنحه لها على الشاشة.

وهكذا تتحوَّل رحلة صناعة الفيلم إلى رحلتين متوازيتين تسيران في اتجاهين متغايرين، فبينما تخوض إيميليا التجربة بوصفها رحلة تعافٍ ومواجهة مع جراح الماضي، يجد إستيبان نفسه في مواجهة رحلة أكثر قسوة؛ رحلة كشف ذاتي واعتراف متأخر بأنه ربما كان مخرجًا عظيمًا، لكنه لم يكن يومًا الأب الذي تحتاج إليه ابنته.

الذكورة السامَّة في أكثر صورها هدوءًا

أجمل ما في الفيلم أنه لا يقدّم الذكورة السامّة على أنها انفجار دائم من الغضب أو ممارسة مباشرة للعنف، بل يكشفها في أكثر صورها هدوءًا وخفاءً؛ تلك الصور التي تبدو للوهلة الأولى طبيعية ومألوفة، حتى إن أصحابها أنفسهم قد لا يدركونها. فالذكورة السامَّة هنا لا تتجسَّد في عنف أو صوت مرتفع، وإنما في صمت وتجاهل مستمر للمشاعر، وخوف مزمن من الاعتراف بالهشاشة، وفي حاجة لا تنتهي للسيطرة على الأشخاص والأحداث، وفي إيمان راسخ بأنّ الرجل يجب أن يبدو قويًا ومسيطرًا مهما كان الخراب الذي يعتمل داخله.

يقدم سوروغوين شخصية إستيبان نموذجًا لهذا النوع من الرجال الذين قضوا حياتهم بأكملها يهربون من مواجهة أنفسهم. رجل تعلَّم أن النجاح يمكن أن يخفي الجروح، والسلطة يمكن أن تؤجل الأسئلة الصعبة، وأنّ المكانة المهنية قد تمنحه شعورًا زائفًا بالأمان. لذلك لا يعجز عن التعبير عن مشاعره لأنه لا يملكها، بل لأنه يخشى الاعتراف بها. فكلّ اعتراف بالحزن أو الندم أو الشعور بالذنب يعني بالضرورة الاعتراف بالمسؤولية، والاعتراف بالمسؤولية هو الخطوة الأولى نحو مواجهة حقيقة ظلّ يهرب منها لسنوات طويلة.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

لكنّ السمة الأكثر حضورًا وإيلامًا في شخصيته ليست حاجته المستمرّة للسيطرة ولا خوفه من الضعف، بل ذلك الشعور العميق بالاستحقاق الذي يتسلّل إلى كلّ تفاصيل سلوكه وعلاقاته. فهو يتوقّع من ابنته أن تغفر له سنوات الهجر لمجرّد أنه منحها بطولة فيلمه الجديد، وكأنّ الفرصة المهنية يمكن أن تعوّض طفولة كاملة افتقدت فيها وجوده. ويتوقّع من أصدقائه والمقرّبين منه أن يتفهمّوا أخطاءه، وأن يتجاوزوا جراحهم بالسهولة نفسها التي يتجاوز بها هو أفعاله. بل إنه يتعامل مع الحبّ والصداقة والروابط الإنسانية على أنها أشياء ثابتة في مكانها، تنتظره حيث تركها، مهما طال غيابه ومهما كان حجم الأذى الذي تسبَّب فيه، مثلما حدث مع منتجة فيلمه وصديقة عمره مارينا، حين قرَّر فجأة تغيير ديناميكية علاقتهما الممتدّة لسنوات.

والمفارقة المؤلمة أن إستيبان يطالب الجميع بالتعاطف مع ظروفه، ومع طفولته القاسية، ومع علاقته المضطربة بوالده، ومع المخاوف التي دفعته إلى الهروب، لكنه يعجز، في المقابل، عن منح الآخرين التعاطف نفسه. يريد أن تُفهم دوافعه دائمًا، لكنه لا يتوقّف طويلًا أمام آثار أفعاله. يريد أن يُسامَح، لكنه لا يمتلك الشجاعة الكافية للاعتذار. يريد أن يُحَب رغم أخطائه، لكنه لا يجرؤ على النظر مباشرة إلى حجم تلك الأخطاء.

لهذا تبدو رحلة إستيبان، في جوهرها، رحلة تفكيك بطيئة لكلّ هذه الأقنعة. فالفيلم لا يحاكمه بقدر ما يجبره على النظر إلى نفسه دون وسائط أو أعذار أو روايات بديلة. ومع كل مواجهة جديدة، ومع كل محاولة فاشلة للإنكار أو التبرير، تتساقط طبقة أخرى من صورته التي بناها بعناية على مدار سنوات؛ صورة المخرج العبقري، والرجل الناجح، والشخص الذي يملك دائمًا تفسيرًا لكلّ شيء.

حتى لا يبقى، في النهاية، سوى الحقيقة الأكثر بساطة وقسوة: أنّ النجاح لا يعفي أحدًا من مسؤولية أفعاله، وأكثر أشكال الذكورة السامَّة خطورة ليست تلك التي تصرخ في وجوه الآخرين، بل تلك التي ترفض، بهدوء وعناد، الاعتراف بما فعلته بهم.

آليات الدفاع النفسي… الإنكار

أكثر ما يميّز كتابة الشخصية الرئيسية أنه لا يقدّم إستيبان وحشًا أو شريرًا مباشرًا، وإنما رجل قضى عمره كلّه يبرر أخطاءه. يُحاول إقناع ابنته بأن تخليه عنها كان نتيجة طفولة قاسية وعلاقة مضطربة مع والده المدمن على الكحول. ويحاول إقناعها بأنّ غضبها منه ناتج جزئيًا عن الرواية الأحادية لما حدث، والتي ظلّت تسمعها من أمها لسنوات طويلة. بل ويحاول، قبل كل شيء، إقناع نفسه بأن ما فعله لم يكن بهذا السوء، بل وأنه ربما يكون هو الآخر ضحية والده.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

لكن الفيلم يكشف تدريجيًا أنّ كل هذه التفسيرات ليست سوى آليات دفاع نفسية معقَّدة، تهدف إلى تجنب الاعتراف بالحقيقة الأكثر بساطة وقسوة: أنه اختار الرحيل بكامل وعيه وإرادته، غير عابئ بمسؤولياته أبًا لطفلة لم تكن تحتاج في العالم كله، في ذلك الوقت، سوى إلى وجوده، وأنها، حين بدأت تدرك، احتاجت إليه ولم تجده.

الاستحقاق… كيف نخسر مَن نحب؟!

في أحد أقصر مَشاهد الفيلم زمنًا وأكثرها أثرًا، يجلس إستيبان إلى مائدة العشاء مع منتجة فيلمه وصديقة عمره مارينا، في محاولة خافتة لاستعادة العلاقة التي تصدَّعت بينهما. لا يبدأ بالاعتذار، ولا يحاول فتح جرح الخلاف أو الحديث عما حدث بينهما، بل يتصرف كأنَّ شيئًا لم يكن. يسألها عن والدتها وصحّتها، وعن تفاصيل حياتها الشخصية بالألفة القديمة نفسها، وكأنّ السنوات التي جمعتهما تمنحه حق العودة إلى المكان نفسه متى شاء، وكأنّ ما كُسر بينهما يمكن تجاوزه بمجرّد تجاهله.

لكن ردها يأتي باردًا، مقتصدًا، ومهنيًا إلى أقصى حد. ترفض، بشكل ضمني، كلّ محاولاته للعودة إلى المساحة الحميمة التي كانت تجمعهما، وتحصر الحديث في العمل وتطوّرات الفيلم فقط، لا سيما بعد يوم التصوير العاصف الذي انتهى باعتذار مديرة تصوير الفيلم عن استكماله. في تلك اللحظة القصيرة يدرك المشاهد ما لا يريد إستيبان الاعتراف به، وهو أن بعض العلاقات لا تنكسر بسبب الخطأ نفسه، بل بسبب الإصرار على إنكار وقوعه أصلًا.

يكشف المشهد عن إحدى أكثر سمات الشخصية إيلامًا، وربما من أكثر تجليات الذكورة السامَّة خفاءً، شعور عميق بالاستحقاق يجعله يتوقَّع من الآخرين أن يتفهمَّوا أفعاله، ويغفروا أخطاءه، وأن يبقوا في أماكنهم منتظرين عودته، من دون أن يقدّم لهم، في المقابل، اعتذارًا حقيقيًا أو اعترافًا صريحًا بالأذى الذي تسبَّب فيه. فهو يريد استعادة العلاقة، لكن بشروطه. يريد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه من دون مواجهة، وأن يُطوى الماضي من دون مساءلة، وأن يحصل على الغفران من دون أن يدفع ثمنه الأخلاقي.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

واللافت أنّ إستيبان لا يمارس هذا السلوك مع صديقة عمره فقط، بل مع ابنته أيضًا. فمنذ المَشاهد الأولى يحاول إقناع نفسه، قبل أن يقنعها، بأن تخلّيه عنها بعد ولادتها لم يكن خيارًا شخصيًا بقدر ما كان نتيجة طفولة قاسية وعلاقة مضطربة مع والده المدمن على الكحول. يبحث باستمرار عن تفسير إنساني يُخفّف من وطأة ما فعله، وعن ذريعة تسمح له بالاحتفاظ بصورة الرجل الجيد أمام نفسه. بل يذهب أبعد من ذلك حين يُلمح إلى أن غضب ابنته منه ليس نابعًا بالكامل من تجربتها الخاصة، وإنما من الرواية التي قدَّمتها لها أمها عنه على مدار السنوات.

إنه تلاعب عاطفي هادئ لا يعتمد على الكذب المباشر بقدر اعتماده على إعادة صياغة الحقيقة بطريقة تجعل الضحية نفسها تشك في مشاعرها وذاكرتها. فإستيبان لا يريد مواجهة الماضي بقدر ما يريد إعادة تفسيره. لا يريد الاعتراف بما فعله، بل يريد إيجاد الرواية التي تسمح له بالنجاة من تبعاته.

ولهذا يبدو فقدانه للأشخاص المقرّبين منه الثمن الطبيعي لكلّ هذا الإنكار. فالعلاقات الإنسانية لا تموت بسبب الأخطاء وحدها، وإنما تموت حين يصر أحد أطرافها على العيش وكأن تلك الأخطاء لم تحدُث أصلًا. وفي النهاية لا يخسر إستيبان ابنته أو صديقة عمره لأنهما قاسيتان أو غير قادرتين على التسامح، بل لأنه ظلّ مدّةً طويلة عاجزًا عن أبسط ما تتطلّبه أي مصالحة حقيقية: النظر إلى المرآة والاعتراف بما يراه فيها.

الأبيض والأسود… حصار الخيارات المحدود

كان استخدام الأبيض والأسود في بعض مَشاهد الفيلم أحد أجمل اختيارات سوروغوين البصرية في الفيلم، بوصفه انعكاسًا لحالة إستيبان النفسية. فكلما اقترب من إدراك حقيقة نفسه وعلاقته بابنته، ينتقل الفيلم من عالم الألوان الزاهي الذي يناسب صورته عن ذاته مخرجًا ناجحًا ومحبوبًا، إلى عالم الأبيض والأسود الأكثر وضوحًا. في هذه اللحظات تختفي المناطق الرمادية التي احتمى بها طويلًا. لا تعود هناك تبريرات أو أعذار أو روايات بديلة، بل حقيقة بسيطة ومؤلمة: لقد أخطأ.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

ومع تقدُّم أحداث الفيلم لا يقتصر استخدام هذا التحوّل اللوني على علاقته بابنته فقط، بل يمتدّ إلى علاقاته المهنية والإنسانية كافة، وكأنّ الفيلم يقول إنّ الاعتراف بالحقيقة لا يكشف أخطاءنا في جانب واحد من حياتنا، بل يُعيد تعريف صورتنا بالكامل.

لم يقتصر استخدام الأبيض والأسود في الفيلم على التعبير عن التحولات التي طرأت على علاقة إستيبان بابنته، بل اتسعت دلالاته تدريجيًا مع تقدُّم الأحداث لتشمل جوانب أخرى من شخصيته وطبيعة علاقاته بالمحيطين به. فكلّما اقترب الرجل من مواجهة حقيقة نفسه، لم تعد الأقنعة تتساقط داخل علاقته بابنته فقط، وإنما داخل دوائره الإنسانية الأقرب أيضًا، وعلى رأسها علاقته بمنتجة فيلمه وصديقة عمره.

في أكثر من مناسبة تمنحه هذه الصديقة فرصة للبوح بما يشعر به تجاه ابنته، وبالارتباك الذي تسبَّبت فيه عودتها المفاجئة إلى حياته، لكنه يرفض الحديث، لا لأنه لا يملك الكلمات، بل لأنه يدرك في أعماقه أنّ الاعتراف بما يشعر به سيقوده حتمًا إلى الاعتراف بما اقترفه. كان يعلم أن مجرّد النطق بالحقيقة سيُجبره على رؤية ذلك الجانب المظلم من شخصيته، الذي ظلَّ يهرب منه طوال حياته، لذلك اختار الصمت والإنكار على حساب الصراحة والمواجهة.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

لكن ما عجز إستيبان عن إدراكه هو أنّ الصمت بدوره شكل من أشكال الاعتراف. فصديقة عمره، التي ربما تعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه، أدركت أنّ رفضه المستمرّ للمواجهة ليس سوى محاولة أخرى للهروب من الحقيقة. ومنذ تلك اللحظة بدأت العلاقة بينهما تتغيَّر بصورة لا رجعة فيها. لم يكن هناك خلاف صاخب أو قطيعة معلنة، بل مسافة باردة أخذت تتّسع بهدوء بين شخصين جمعتهما سنوات طويلة من الصداقة والثقة. تحوّلت العلاقة شيئًا فشيئًا إلى علاقة مهنية خالصة، وتراجع الجانب الشخصي إلى الخلف حتى بدا وكأنه يختفي تمامًا.

لم يرد إستيبان أن ينكشف حتى أمام أقرب الناس إليه، أمام امرأة رافقته لسنوات، وربما رأت من هشاشته وضعفه ما لم يره هو في نفسه يومًا. كان يخشى مواجهة حقيقته أكثر مّما يخشى خسارتها. ولهذا لم تكن خسارة تلك الصداقة سوى ثمن جديد يدفعه مقابل إنكاره المستمر؛ ثمن آخر لذكورة سامَّة تقوم على كبت المشاعر، والخوف من الاعتراف بالأخطاء، والعجز عن مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين. ففي النهاية، لا يخسر إستيبان الأشخاص المقرّبين منه لأنهم تخلوا عنه، بل لأنه ظلَّ طويلًا يُفضل حماية صورته عن نفسه على حماية علاقاته بهم.

المونتاج… لحظة الانكشاف الكبرى

ولم يكن مصادفةً أن يختار سوروغوين أن يضع لحظة الانكشاف الكبرى في غرفة المونتاج، تلك المرحلة التي يعدُّها كثير من السينمائيين المرحلة الحقيقية لصناعة الفيلم وبنائه. ففي المونتاج لا يُعاد ترتيب المشاهد فحسب، بل يُخلق الفيلم فعليًا ويُرى، وتُكتشف حقيقته للمرة الأولى: ما نجح منه وما لم ينجح، وما يستحق البقاء وما يجب التخلي عنه، وما يحتاج إلى إعادة نظر ومحاولة جديدة. إنها غرفة الاكتشافات والانكشافات معًا؛ المكان الذي تتعرّى فيه الأفلام من الأفكار المجرّدة والوعود والنوايا الحسنة، لتتحول إلى تجسيد حيّ على الشاشة.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

وبالطريقة نفسها التي ينكشف بها الفيلم أمام صانعه، ينكشف إستيبان أمام نفسه. فبينما يشاهد المشهد الأخير الذي تؤدّيه ابنته في فيلمه، تختنق عيناه بالدموع، ربما للمرة الأولى. يحاول، مثل عادته، أن يقاوم ويحبس مشاعره خلف القناع الذي ارتداه طوال حياته، لكن شيئًا ما يتصدَّع داخله أخيرًا. لم تكن تلك الدموع المختنقة مجرّد تأثّر بأداء ممثلة أو بمشهد مؤثّر في فيلمه، بل كانت، على الأرجح، لحظة إدراك متأخّرة لرجل أمضى عمره كله هاربًا من مواجهة نفسه.

وكما سقطت كلّ المَشاهد غير الضرورية خلال بناء الفيلم، سقطت أمامه أخيرًا كلّ النسخ الزائفة والأعذار والروايات التي تمسّك بها طويلًا، ولم تبقَ سوى حقيقة واحدة قاسية وبسيطة: أنه ربما كان أحد أهم مخرجي جيله، لكنه لم يكن الأب الذي احتاجت إليه ابنته يومًا.

وأخيرًا… تمكين دون ادعاء

على عكس عدد غير قليل من أفلام كان هذا العام، لا سيما في المسابقة الرسمية ومسابقة «نظرة ما»، التي بدت انحيازاتها النسوية، في بعض الأحيان، مدفوعة أو متصنّعة، وأحيانًا أخرى مباشرة وضعيفة فنيًا، فإنّ «المحبوبة» ينصف شخصياته النسائية وينتصر لها دون أي ادعاء أو خطابية.

The Beloved (2026)
The Beloved (2026)

ويتجلّى ذلك أولًا في شخصية إيميليا، التي لم ترضخ لإنكار والدها أو لذكورته السامَّة، وأصرَّت على أن يواجه حقيقة ما فعله بها، ويتخلّى عن كلّ حيله النفسية وآلياته الدفاعية، وأن يعترف، في النهاية، بأنه أخطأ في حقها، وأنْ لا شيء يمكن أن يبرر سنوات غيابه وهجره لها.

كما يتجلّى ذلك أيضًا في شخصية مديرة التصوير، التي ترفض استكمال العمل مع إستيبان بعد سلوكه السام والعنيف وغير الإنساني وغير المهني تجاه طاقم الفيلم وممثليه خلال تصوير أحد المَشاهد، والذي تحوَّل من يوم تصوير عادي إلى فوضى عارمة بسبب تصرّفاته وتعامله مع الموقف والممثلين بديكتاتورية واضحة.

وعلى عكس ما توقَّع، لم تخضع هي الأخرى لمحاولاته المستمرّة للإنكار أو لتقليله مما حدث باعتباره مجرّد «يوم تصوير سيئ». بل أصرّت على موقفها وقرّرت مغادرة الفيلم، غير عابئة بلومه لها وما قد يُسبّبه قرارها من خلل أو تشويه في صورته وسمعته مخرجًا أمام طاقم العمل الذي يضمّ نحو سبعين شخصًا، رافضة أن تتحمَّل تبعات أخطائه أو أن تشارك في التستُّر عليها.

اقرأ أيضا: «المحبوبة»… خافيير باردم يقترب من جائزة أفضل ممثل في «كانّ»

شارك هذا المنشور

أضف تعليق