يمكننا القول إن فيلم «Hope» للمخرج الكوري الجنوبي نا هونغ جين هو أسعد مفاجآت مسابقة مهرجان «كانّ» في دورته التاسعة والسبعين. والمفاجأة لا تتعلق بجودته، بل بنوعه، فهو ينتمي إلى أفلام الكوميديا والخيال العلمي، وهي فئة نادرًا ما نجدها في المسابقة الرسمية، إذ غالبًا ما يكون مكانها قسم عروض منتصف الليل أو العروض الخاصة خارج المسابقة.
هذا الفيلم الطويل، الذي يمتدّ لساعتين وأربعين دقيقة، لا يشبه أي عمل آخر ضمن أفلام المسابقة، لا هذا العام ولا في دورات سابقة. تدور أحداثه داخل قرية صغيرة تُدعى «Hope»، حيث يُواجه سكانها كيانًا غريبًا يدمّر كلّ ما يقف في طريقه، بينما يحاول ضابط الشرطة سيوك (هوانغ جونغ مين) كشف سرّ هذا الكيان.

في المشهد الافتتاحي، نتابع ضابط الشرطة وهو يستكشف مع أهل القرية آثار مخالب على جثّة بقرة نافقة، بينما يُدلي كلّ شخص باستنتاجه أو بما سمعه عن طبيعة الكائن الذي عذَّب البقرة بهذا الشكل. هذه البداية مألوفة لمحبّي أفلام الخيال العلمي التي تتمحور حول الوحوش، وعلى رأسها بالطبع «غودزيلا». لكن الفيلم، مثلما يبدأ وفق القواعد التقليدية لهذا النوع، لا يلبث أن يكسرها عبر تتابعات مطاردة طويلة تمتد نحو ساعة كاملة، ولا تمنح المُشاهد فرصة لإبعاد نظره عن الشاشة: مطاردات سيارات، انفجارات، أسلحة، وخطوط درامية متوازية تُصعِّد التشويق باستمرار.
ينتقل الفيلم عبر مونتاج متوازٍ بين عدد من الشخصيات التي تلتقي وتتفرق مرارًا خلال الأحداث، بما يرفع مستوى الترقُّب لمصائرها.

وبجانب هذه الحالة المشوّقة، يفسح الفيلم مساحة لكوميديا عبثية تجعلنا نتساءل عن مدى جدّية ما يحدث. والمقصود هنا ليس واقعية الحدث نفسه، بل الطريقة التي يتعامل بها المخرج مع مادته، وهي نقطة تفوّق أخرى تُحسب للفيلم.
فمَن أراد الاستمتاع بهذا الفيلم بكونه فيلم خيال علمي وأكشن، سيجد ضالته بكلّ تأكيد. ذكرنا المطاردات في النصف الأول منه، بينما لا يقل النصف الثاني متعة وإثارة. ومَن أراد التعامل معه على أنه فيلم كوميدي يحمل جانبًا من الباروديا، أيّ السخرية من أنواع سينمائية أخرى، فسيجد أيضًا ما يبحث عنه.

في أحد المَشاهد الكوميدية التي لا يمكن تجاهلها، تصل الشرطية الشابة سونغ أي (هويون، إحدى بطلات «لعبة الحبار») إلى موقع المعركة، بينما تملأ ترسانة من الأسلحة المقعد الخلفي لسيارتها، ليتساءل زميلها عن كيفية حصولها على كلّ هذا العتاد، فتجيبه: «وهل هذا وقته؟». يضم هذا المشهد الصغير سخرية مبطّنة من الأفلام الأميركية المُشابهة، التي يمتلك أبطالها دائمًا أسلحة معقّدة وذخيرة لا تنتهي، من دون أن نعرف أبدًا كيف حصلوا عليها.
وتمتدّ نغمة السخرية في الفصل الأخير من الفيلم مع ظهور كائنات تتحدَّث بلغة خاصة بها، على غرار سلسلة «أفاتار»، لكنّ الطريف أنّ المخرج لا يشغل نفسه في البداية بترجمة الحوار الدائر بينها. إنها لغة مختلقة، ويمكن استنتاج ما يُقال من خلال الأحداث.

ومع نهاية الفيلم، قد يتساءل البعض عن احتمال وجود أجزاء لاحقة، خصوصًا أن العمل يترك كثيرًا من الأسئلة من دون إجابات. لكني أشعر أن هذا أيضًا جزء من السخرية الذكية التي يقدّمها المخرج
وكاتب السيناريو نا هونغ جين، إذ إنّ أفلام هذا النوع عادة ما تكون مليئة بالإشارات الممهدّة لأجزاء جديدة أو لعالم سينمائي ممتدّ، وهي إحدى أحدث صرعات السينما، بينما يستخدم نا هونغ جين هذه الإشارات لاستكمال الحالة العبثية التي يبنيها داخل فيلمه.
ينتصر فيلم «Hope» لقيمة التسلية الخالصة، ولإخلاصه لنوعه السينمائي، من دون أن ينشغل صنّاعه بأي شيء آخر، ولهذا بدا لامعًا ومختلفًا بين الأعمال المُنافسة هذا العام. وقد يكون اختياره ضمن المسابقة الرسمية مغامرة، بسبب هزليته الشديدة وسط أفلام تتناول قضايا سياسية وتاريخية وإسقاطات مختلفة، لكنه يتعامل مع هذه الهزلية بجدّية كاملة.
اقرأ أيضا: «المحبوبة»… خافيير باردم يقترب من جائزة أفضل ممثل في «كانّ»