تشهد صالات السينما السعودية حاليًا إقبالًا لافتًا، امتدَّت معه عروض ثلاثة أفلام تحديدًا، هي «الأوديسة» و«سبايدر مان» و«خلي بالك من نفسك»، على مدار الساعة، بما يتيح للجمهور مشاهدتها في أيّ وقت من اليوم. خبر سارّ لمحبّي السينما، ومؤشّر قوي على نشاط حركة الصالات، لكن هل هو إقبال على السينما فعلًا، أم على أفلام بعينها؟ وماذا يعني ذلك لمستقبل ثقافة ارتياد السينما؟
متى يذهب الجمهور السعودي إلى السينما؟
منذ إعادة افتتاح دُور السينما عام 2018، كان هناك جوع لا يمكن إنكاره إلى تجربة سينمائية غابت طويلًا عن نمط حياة المجتمع. ومنذ ذلك الحين، شهدت السوق نموًا هائلًا في عدد التذاكر المباعة، من نحو 633 ألف تذكرة في 2018 إلى 18.8 مليون تذكرة في 2025، وهو الرقم الأعلى حتى اليوم.
وحاليًا، تمتدّ بعض العروض في صالات «ڤوكس سينما» السعودية إلى ما بعد الرابعة فجرًا، ومع ذلك ثمة جمهور مستعد للخروج في هذا الوقت لمشاهدة فيلم. لكنّ أرقام النمو وحدها لا تخبرنا متى ولماذا يقرّر الجمهور السعودي الذهاب إلى السينما، ولا ما الأفلام القادرة فعلًا على إخراجه من المنزل.

هذه المرّة، حدث ذلك مع ثلاثة أفلام مختلفة تمامًا: «الأوديسة» و«سبايدر مان» والفيلم المصري «خلي بالك من نفسك». واختلافها يجعل اجتماعها في هذا الإقبال مثيرًا للاهتمام، لكنه يكشف أيضًا عن قاسم مشترك بينها: لكلّ منها سبب يدفع الجمهور إلى الثقة بالتجربة قبل شراء التذكرة.
وربما يكون «سبايدر مان» المثال الأسهل. فهو من أشهر الشخصيات السينمائية وأكثرها شعبية، وسلسلته تمتدّ عبر أفلام متتابعة، بعالم وشخصيات ونجوم اعتاد الجمهور رؤيتهم. المُشاهد هنا يعرف مسبقًا، إلى حد كبير، نوع المتعة التي تنتظره؛ فلا يخاطر بتذكرته على تجربة مجهولة، وإنما يعود إلى عالم يعرفه وينتظر ما سيحدث لشخصياته.

أما «الأوديسة»، فورقته الرابحة مختلفة. كريستوفر نولان أصبح علامة يمكن الوثوق بها. فعبر أفلام مثل «استهلال» و«بين النجوم»، بنى المخرج علاقة مع الجمهور تقوم على تقديم تجارب سينمائية بصرية وسمعية ضخمة. ومع التسويق المكثَّف لـ«الأوديسة» على أنه فيلم صُنِع للشاشة الكبيرة، والتركيز على «آيماكس» و«70 ملم»، أصبح دفع سعر أعلى للتذكرة جزءًا من الوعد نفسه: أنت لا تحجز لمشاهدة فيلم فحسب، وإنما لملحمة يُفترض أن تستحق أكبر شاشة ممكنة.
وقد أثبت نولان سابقًا قدرة هذا الوعد على جذب الجمهور السعودي مع «أوبنهايمر»، الذي تصدَّر شباك التذاكر السعودي في 2023 بإيرادات تجاوزت 44 مليون ريال، رغم أنه في أساسه فيلم درامي تاريخي طويل عن عالم فيزياء. وقد سُوِّق له أيضًا على أنه تجربة يجب أن تُرى بأفضل صيغة وعلى أكبر شاشة ممكنة. فإذا استطاع نولان تحويل قصة أوبنهايمر إلى حدث سينمائي بهذا الحجم، تبدو الثقة بملحمة ومغامرة مثل «الأوديسة» مخاطرة أسهل بكثير بالنسبة إلى الجمهور.

أما «خلي بالك من نفسك»، فيأتي بورقة رابحة ثالثة. الفيلم أكشن كوميدي مصري تقوده أسماء مألوفة ومحبوبة، مثل أحمد السقا وياسمين عبد العزيز، في سوق أثبتت فيه الأفلام المصرية مرارًا قدرتها على تحقيق نجاح جماهيري كبير متى اجتمعت الأسماء والتسويق المناسبان. ومن الصعب تخيُّل أنّ الفيلم وحده كان سيدفع الصالات إلى العمل على مدار الساعة، لكنه جاء في توقيت مثالي إلى جوار فيلمين ضخمين أعادا أعدادًا كبيرة من المشاهدين إليها. وربما كانت العلاقة متبادلة أيضًا؛ ثلاثة أفلام تستهدف جماهير مختلفة في الوقت نفسه، ويستفيد كلّ منها من حالة النشاط التي يصنعها الآخران.
ثلاثة أفلام مختلفة، وثلاثة أسباب مختلفة لشراء التذكرة: شخصية وعالم يعرفهما الجمهور، ومخرج أصبح اسمه ضمانًا لتجربة سينمائية ضخمة، ونجوم مألوفون في نوع أثبت شعبيته محلّيًا. وبطرق
مختلفة، تحوّلت الأفلام الثلاثة إلى ما يُشبه أفلام الحدث؛ أفلام لا تكتفي بأن تكون خيارًا ضمن جدول الصالة، وإنما تخلق شعورًا بأن مشاهدتها الآن، وبين الجمهور، جزء من التجربة نفسها.
والقاسم المشترك بينها أنّ المُشاهد، في الحالات الثلاث، يعرف إلى حد ما ما الذي يشتريه.
ماذا عن الفيلم الذي لا نعرفه؟
لكن ماذا يحدث حين نسحب هذه الضمانات؟ لا سلسلة سابقة، ولا شخصية شهيرة، ولا مخرج أصبح اسمه علامة تجارية، ولا نجوم يحملون معهم جمهورًا جاهزًا. هل يظل المُشاهد السعودي مستعدًا للمخاطرة بتذكرته على شيء جديد تمامًا؟

نجاح فيلم الرعب «هوس» هذا العام يوحي بأن الإجابة قد تكون نعم. الفيلم ليس مبنيًا على ملكية فكرية سابقة، ولا ينتمي إلى سلسلة، ولا يعتمد على أسماء ضخمة لبيعه. ومع ذلك، لم يكتفِ بافتتاح جيد، وإنما حافظ على الاهتمام به واستفاد بوضوح من تناقل الحديث عنه بين الجمهور. هنا تصبح توصيات المشاهدين عاملًا مهمًا؛ دخل بعضهم لأنهم سمعوا عن الفيلم من آخرين، واستمر الحديث عنه ليمنحه عمرًا يتجاوز ضجة أسبوعه الأول.
لكن حتى «هوس» لم يدخل المنافسة من دون ورقة رابحة تمامًا؛ فهو فيلم رعب.
والرعب تحديدًا من الأنواع التي تحمل وعدًا واضحًا للمُشاهد قبل أن يعرف أيّ شيء عن الفيلم. فلا يحتاج إلى معرفة المخرج أو الممثلين حتى يعرف، تقريبًا، نوع التجربة التي يشتريها: توتّر، وخوف، ومفاجآت، وتجربة جماعية لها خصوصيتها داخل صالة مظلمة. وحتى لو خرج الفيلم سيئًا في النهاية، يبقى النوع نفسه قادرًا على إثارة فضول الجمهور. بطريقة ما، يصبح نوع الفيلم مصدرًا للثقة.

وهذا يجعل حالة الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» مثيرة للمقارنة. فقد امتلك أسماء معروفة، وتسويقًا حاضرًا، واستقبالًا نقديًا جيدًا، كما ارتفعت مبيعاته بوضوح في أسبوعه الثاني، ممّا يعني أنّ الاهتمام به لم يختفِ بمجرّد الافتتاح. لكن هذا النمو لم يستمر، وتراجعت مبيعاته مجددًا في الأسبوع التالي.
وهنا يظهر الفارق بين أن يكتسب فيلم زخمًا بعد افتتاحه، وأن يستطيع تحويل هذا الزخم إلى ظاهرة جماهيرية.
فيلم «هوس» استطاع الحفاظ على حضوره في شباك التذاكر مع استمرار الحديث عنه بين الجمهور، بينما لم تتحوّل القفزة التي حقّقها «مسألة حياة أو موت» في أسبوعه الثاني إلى مسار جماهيري مماثل.
فهل لا تحمل الرومانسية والكوميديا السوداء الوعد السينمائي الواضح نفسه الذي يحمله الرعب، خصوصًا في الفيلم السعودي؟ وهل بعض الأنواع أسهل على الجمهور في المخاطرة بثمن تذكرتها من غيرها؟
هذا لا يعني بالضرورة أنّ الرومانسية أو الكوميديا السوداء لا تجذبان الجمهور السعودي، لكن ربما تكمن المفارقة في أن الجِدّة، رغم كونها عنصر جذب، تجعل قرار شراء التذكرة أكثر مخاطرة حين لا يمتلك الجمهور تجارب محلّية سابقة كثيرة من النوع نفسه.
إذًا، هل هذا إقبال على السينما فعلًا، أم على أفلام بعينها؟ ربما تكون الإجابة: الاثنان معًا.
هناك جمهور سينمائي يتوسَّع فعلًا، لكن قرار الذهاب لا يزال يحتاج إلى دافع. والمثير أنّ هذا الدافع ليس بالضرورة مَشاهد ضخمة أو تجربة بصرية استثنائية؛ فقد يكون نوع الفيلم، أو نجمًا، أو مخرجًا، أو سلسلة معروفة، أو ضجة نقدية، أو ترشيحات للجوائز، أو ببساطة تناقل الحديث عن الفيلم بين الجمهور.

ولهذا، قد لا ننتظر طويلًا قبل أن تتكرَّر تجربة العروض الممتدّة على مدار الساعة. ففي ديسمبر المقبل، يصل إلى صالات السينما، في التوقيت نفسه تقريبًا، فيلمان ضخمان، «Dune: Part Three» و«Avengers: Doomsday»، يحمل كلّ منهما جمهورًا جاهزًا وتجربة سينمائية يصعب فصلها عن الشاشة الكبيرة. وإذا انضم إليهما فيلم ثالث قادر بطريقة مفاجئة على جذب جمهور مختلف، فقد نشهد أسبوعًا يفوق حتى ما نراه الآن.
وربما هنا تكمن الإجابة الأهم: مستقبل الذهاب إلى السينما في السعودية لا يتوقّف على وجود جمهور يحبّها فحسب، وإنما على استمرار وجود أفلام تمنحه سببًا للذهاب. ومع اتساع هذه الثقافة، قد يصبح التحدّي الحقيقي أن يذهب المُشاهد أحيانًا، حتى حين لا يعرف تمامًا ما الذي ينتظره.
اقرأ أيضا: 2026… لماذا تعطَّل إنتاج الأفلام السعودية؟