بعض الأعمال الأرشيفية ممتع لأنه يروي لنا مالا نعرفه: حكايات مجهولة وفصول منسية من التاريخ الإنساني، وبعض الأعمال الأرشيفية مدهش لأنه على النقيض تمامًا، يكشف لنا كيف يمكن للأزمات أن تتكرر، وأن يكون الحاضر انعكاسًا مباشرًا للحاضر، وربما تعبيرًا مُبكرًا عن المستقبل. إلى النوع الثاني ينتمي «الثوار لا يموتون»، الوثائقي الطويل للمخرج الفلسطيني مهند اليعقوبي، والذي عُرض ضمن مسابقة «صناع سينما الحاضر» في مهرجان لوكارنو السينمائي التاسع والسبعين.
يصيغ اليعقوبي فيلمه في صورة رسالة موجهة إلى المخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب (1948-2019)، والتي كانت قد أرسلت إليه – وهو المتخصص في الأرشيف – تعرض عليه التعاون، لكنها توفيت سريعًا قبل أن يتمكن من الرد على رسالتها، ليأتي قراره بأن يخوض رحلة تنطلق من الاعتذار ولا تقتصر عليه، يزور فيها الأرشيف الثري للمخرجة الرائدة التي صنعت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي العديد من الأفلام الوثائقية، سجلت خلالها أهم الأحداث السياسية والاجتماعية التي شغلت منطقة الشرق الأوسط.

من الحرب الأهلية وأثرها المدمر على نسيج المجتمع اللبناني والتي رصدتها صعب في عدة أفلام منها «بيروت لم تعد كما كانت» (1976) و«رسالة إلى بيروت» (1979)، متنقلة بين أحاديث القادة وانطباعات المواطنين، إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر، وما ترتب عليها من اتساع للفجوات الطبقية بين قلة ترفل في رغد وأغلبية تعيش تحت خط الفقر في «مصر، مدينة الأموات» (1978)، من الثورة الإسلامية وتبعاتها في «إيران: يوتوبيا قيد التنفيذ» (1980)، وحرب الصحراء بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو في «الصحراء ليست للبيع» (1977)، إلى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تونس في «سفينة المنفى» (1982).
كل فيلم مما سبق كان عملًا مستقلًا بذاته، صوّرته جوسلين صعب استجابة لمتغيرات الحياة السياسية والاجتماعية حولها، وأنهته ليُعرض آنذاك في سياقه، قبل أن تمر العقود ويأتي مخرج فلسطيني يشعر ببعض الذنب لعدم ردّه على رسالة في الوقت المناسب، ليرتب الأفلام جوار بعضها، ويمنحها سياقًا يجعلنا ندرك كم تمكنت تلك الأفلام الصغيرة الصادقة من الإمساك بلحظات تاريخية لا يزال أثرها ممتدًا حتى يومنا الحالي.

في الفصول التي شكلها اليعقوبي من الشرائط القديمة نلمس تقديرًا كبيرًا لمسيرة مخرجة لم تتوقف عن النشاط، وتأكيدًا على الموهبة الواضحة التي امتلكتها في التواصل مع البشر من مختلف الخلفيات الثقافية والاجتماعية واستخراج الحكاية وراء ما يرتدونه من أقنعة. الشعور الدائم في كل فصل أن ما شاهدناه لا يكفي، وإننا نرغب فورًا في مشاهدة الفيلم كاملًا لنرى كيف روت جوسلين صعب الحكاية على طريقتها.
لكن أهم ما يرسخه «الثوار لا يموتون» هو قدرة السينما السحرية أن تكون أداة للتأريخ والتحليل والتنبؤ، فالوثائقي الصادق مادة قيّمة لدراسة الماضي والحاضر والمستقبل معًا. المثير للدهشة هو أن عرض الفيلم الذي انجزه المخرج خلال أعوام وأصدر كتابًا حول موضوعه قبل عام، يتزامن مع لحظة تكاد كل شرائط جوسلين صعب القديمة تتكرر فيها بحذافيرها.

لاحظ المفارقة: في الفصل الإيراني تتحدث عن أهمية موقع إيران الاستراتيجي، وأثر تحكمّها في مضيق هرمز على موقف القوى العالمية منها، في الوقت الذي صارت إيران مركز اهتمام العالم بأكمله خلال الشهور الماضية انطلاقًا من النقطة ذاتها. في الفصل المصري تتابع الفروق الطبقية وتباين سبل المعيشة بينما ينشغل الإنترنت بالحديث عن انقسام المجتمع المصري بين «مصر» و«إيجبت»، مجتمعان متوازيان للفقر والثراء يعيشان جنبًا إلى جنب. بل إن فصل الصحراء المغربية يأتي بأصداء في الواقع من محاولات آلاف المغاربة اجتياح الحدود الإسبانية والتحليلات التي تشير لاحتمالية كون الأمر رد فعل على موقف إسبانيا من قضية الصحراء.

وإذا كانت موضوعات مثل الشتات الفلسطيني والانقسام الأهلي في لبنان قضايا أزلية، لم يكد يمر يوم منذ تصوير أفلام صعب إلا وكانت حاضرة في النقاش العام، فإن تزامن الأمور سابقة الذكر مع انشغال الرأي العام المعاصر بها يضفي المزيد من القيمة على أفلام جوسلين صعب، باعتبارها وثائق لم تفقد يومًا قيمتها، رغم إنه من اليسير الاعتقاد في أن من شاهد تلك الأفلام وقت عرضها لم يتخيل أن تمتد قيمتها لنصف قرن لاحق.
ربما لم تكن جوسلين صعب صانعة أفلام استثنائية الموهبة جددت لغة السينما، لكنها كانت بالتأكيد فنانة بالغة النشاط، لعبت دورًا ضروريًا في توثيق مرحلة كاملة عبر الكاميرا. وربما لا يكون «الثوار لا يموتون» فيلمًا يحمل وجهة نظر واضحة تجاه مادته بخلاف الإعجاب بإنجاز صاحبتها والتحسر على استمرار ما ظنته أوضاعًا مؤقتة، لكنه بالقطع تحية عذبة يقدمها مهند اليعقوبي، ليس فقط للمخرجة التي أرسلت له رسالة قبل أسابيع من موتها، ولكن لكل فنان مخلص صار بفضل الكاميرا جزءًا من تاريخ البشرية وذاكرتها.