تحدّث خافيير بارديم وبينلوبي كروز، خلال المؤتمر الصحافي لفيلم «Bunker»، المشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من «مهرجان فينيسيا السينمائي»، إلى جانب المخرج فلوريان زيلر وزملائهما في البطولة ستيفن غراهام وبول دانو وباتريك شوارزنغر، عن فكرة الفيلم التي تدور حول العزلة والتواصل الإنساني، وانعكاس زواج بارديم وكروز الحقيقي على أدائهما لشخصيتي الزوجين في العمل.
تدور أحداث «Bunker» حول مهندس معماري شهير، يؤدّي دوره بارديم، يحصل على فرصة لتصميم ملجأ سرّي للنجاة من نهاية العالم، لمصلحة ملياردير مقتنع بأن النهاية باتت وشيكة. وبينما ينجذب المهندس إلى المشروع الملتبس أخلاقيًا، تبدأ زوجته، التي تؤدّي دورها كروز، في إعادة النظر في زواجهما.

وكشف زيلر أنّ فكرة الفيلم بدأت بعد قراءته مقالًا عن بناء الملياردير التقني مارك زوكربيرغ، مؤسِّس شركة «ميتا»، ملجأً تحت الأرض في هاواي.
وقال المخرج الفرنسي إنّ المشروع كان سرّيًا، وكان على جميع المشاركين فيه توقيع اتفاقيات لعدم الإفصاح، قبل أن تظهر المعلومات إلى العلن. وأضاف أنّ الأمر أثار اهتمامه بسبب المفارقة التي يمثّلها زوكربيرغ؛ إذ كوّن ثروته من فكرة ربط الناس بعضهم ببعض عبر «فيسبوك» و«إنستغرام»، بينما كان يعمل في الوقت نفسه على «خطة بديلة» لعزل نفسه عن بقية العالم.
وأوضح زيلر أنّ هذه المفارقة قادته إلى التفكير في أسئلة العزلة والتواصل والأخلاق، وهي القضايا التي تُشكّل جوهر «Bunker».
ومن هذه الفكرة، انطلق بارديم إلى الحديث عن «الحاجة إلى التواصل مع بعضنا بعضًا» بوصفها، في رأيه، ما يتناوله الفيلم قبل كلّ شيء. وأوضح أنّ التواصل الحقيقي لا يقتصر على تبادل الحديث، وإنما يتطلّب استقبال حاجات الآخر وأحلامه وآلامه باعتبارها جزءًا منا.
وقال: «عندما نتواصل، علينا أن نسمح لحاجات الشخص الآخر وأحلامه وآلامه بأن تصبح جزءًا منا، ونرحّب بها لنصبح واحدًا مع ذلك الشخص. وهذا أمر صعب».
وأشار بارديم إلى أنّ بلوغ هذه الدرجة من التواصل يتطلّب كثيرًا من التضحيات، وهو ما يدفع البشر إلى بناء أشكال من العزلة داخل علاقاتهم.
وأضاف: «لهذا السبب نصنع العزلة، ونصنع مخابئنا الخاصة داخل أي علاقة. لكنني أعتقد أنّ العالم الذي نعيش فيه هو عالم يحتاج إلى التواصل، ليس التواصل الرقمي، بل التواصل الشخصي».
وانتقد بارديم المفارقة في عالم يروّج للتواصل الرقمي، فيما يتزايد فيه الانفصال الإنساني على المستويين الجسدي والعاطفي. واعتبر أنّ تقليص التواصل الحقيقي يجعل البشر «أكثر عزلة وهشاشة»، وأن تشجيع الناس على التواصل رقميًا، مع خلق فجوة كبيرة في قدرتهم على التواصل جسديًا وعاطفيًا، يمثل في رأيه «نقصًا كبيرًا في الأخلاق».

وبارديم، المعروف بمواقفه الصريحة من عدد من القضايا السياسية، من بينها دعمه لفلسطين، سُئل خلال المؤتمر الصحافي عن أهمية أن يتحدّث الفنانون في قضايا تتجاوز حدود أدوارهم وأعمالهم، في ظلّ الدعوات إلى أن «يبقوا في ملجئهم» أو «ضمن حدود اختصاصهم».
وقال الممثل الفائز بـ«أوسكار»: «أعتقد أنه بوصفك فنانًا، لديك مسؤولية في أن تجعل القصة تحدث، وأن تروي القصة التي يريد المخرج والمؤلف روايتها. ثم أنت، بوصفك فردًا، لا يهم إن كنت فنانًا أو ممثلًا أو سبّاكًا أو سائق سيارة أجرة، لديك الحق في التعبير عن حقيقتك أو عما تراه مهمًا».
وأضاف: «من الواضح أن لديّ موارد أكثر لفعل ذلك من سائق سيارة أجرة، لأن لديّ هذا الميكروفون ولديكم أنتم مَن يستمع إليّ. لذلك، فإن المسؤولية مختلفة، وهذا ما أعتقد أنه مهم: أن تكون لديك مسؤولية تجاه العالم الذي نعيش فيه، وأنا لا أتعامل مع ذلك باعتباره أمرًا مفروغًا منه».

وربط بارديم هذه المسؤولية بموضوع الفيلم، موضحًا أن «Bunker» يطرح أسئلة حول مدى استعداد البشر «لرؤية بعضهم بعضًا والشعور بالآخر والترحيب به»، مقابل استعدادهم لعزل أنفسهم عن الآخرين و«تجريمهم وتجريدهم من إنسانيتهم».
وانتقل الحديث إلى تجربة بينلوبي كروز مع زوجها في الفيلم، واختيار زيلر أن تتحدث شخصياتهما باللغة التي يُفترض أن تتحدّث بها في حياتها اليومية.
وقالت كروز إنهما كانا سعيدين بأن يكون الفيلم قريبًا من الطريقة التي يمكن أن يعيش بها زوجان إسبانيان في بلد مختلف؛ إذ يتحدّثان الإسبانية في المنزل، بينما يستخدمان الإنجليزية مع الجيران وفي العمل.
وأشارت إلى أنّ التعامل مع تعدّد اللغات بهذه الطريقة أصبح أكثر شيوعًا في السينما خلال السنوات الأخيرة، بعدما كان إقناع المنتجين والمخرجين بضرورة الحفاظ على لغة الشخصيات يمثّل تحدّيًا كبيرًا.
وأوضحت كروز أنها وبارديم واجها سابقًا مواقف اضطرا فيها إلى التحدث بالإنجليزية رغم تجسيد شخصيات من دول أخرى، حتى عندما كانا قد أمضيا أشهرًا أو سنوات في دراسة اللهجة المطلوبة. وقالت إنهما كانا يحصلان أحيانًا على مشهد قصير فقط باللغة الأصلية للشخصية، بينما يُقدَّم باقي الفيلم بالإنجليزية.
وأضافت أنّ وصول السينما إلى مرحلة يصبح فيها تعدّد اللغات أكثر اعتيادًا يمثل «راحة»، لأن ما يريده الفنانون في النهاية هو أن يكون العمل «أقرب إلى الحقيقة».

وهذه العلاقة الحقيقية بين بارديم وكروز كانت أيضًا جزءًا من اختيار زيلر لهما. وقال المخرج إنه اختارهما لأن وجودهما معًا بوصفهما زوجين حقيقيين يمنح الفيلم طبقة إضافية من المصداقية، إلى جانب إعجابه بموهبتهما.
وقال: «أعتقد أنهما من بين أعظم الممثلين العاملين اليوم، ولذلك كان العمل معهما شرفًا لي. لكن يجب أن أقول إنني منذ البداية كنت مهتمًا أيضًا بوجودهما معًا على الشاشة، لأنني رأيت في ذلك طريقة فريدة لالتقاط شيء خاص بوصفهما زوجين حقيقيين».
وأوضح زيلر أن هذا الاختيار سمح له بإضافة طبقات إلى مشاهد الفيلم، و«طمس الخطّ الفاصل بين الواقع والخيال»، ومحاولة الوصول إلى ما وصفه بـ«الأصالة الصادقة للحقيقة».
وأضاف أن تقديم هذا النوع من الأداء يتطلّب من الممثلين الجرأة وعدم الخوف والطموح، وهي صفات يرى أنها تتوافر في بارديم وكروز.
وخلال الندوة، تطرّقت كروز أيضًا إلى مخاوفها بشأن وضع النساء اليوم، في ظلّ استمرار النقاش حول حضور المرأة وموقعها في صناعة السينما والمجتمع.
كما تحدّث بارديم وكروز عن مشاركتهما هذا العام في أفلام يُنظر إليها على أنها من الأعمال التي قد تنافس على جوائز «الأوسكار»؛ إذ يشارك بارديم في «The Beloved»، بينما تظهر كروز في فيلم «The Invite» للمخرجة أوليفيا وايلد، مؤكدين اعتزازهما بتمثيل إسبانيا من خلال أعمالهما على الساحة السينمائية الدولية.