بعد عرضه العالمي الأول في «مهرجان برلين السينمائي الدولي»، وصل فيلم «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حمّاد إلى الدورة التاسعة من «مهرجان الجونة السينمائي»، وهو الفيلم المصري الوحيد المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. وخلال ندوة صحافية على هامش المهرجان، تحدّث حمّاد عن رؤيته للإيقاع السينمائي وأهمية الأسئلة المفتوحة، والتحديات التي واجهت إنتاج الفيلم، وأزمة توزيع السينما المستقلّة في مصر، إضافة إلى دور الوقت والبروفات في بناء الشخصيات والعلاقات بين الممثلين.
تدور أحداث الفيلم حول «سمعان»، شاب قبطي يعمل حارس أمن في مبنى سكني بوسط القاهرة، ويمضي أوقات فراغه في كتابة القصص، آملًا نشر روايته الأولى. لكنّه يحمل أثر صدمة قديمة، بعدما شهد في طفولته مقتل والده على يد جماعة إرهابية، وهي تجربة تلازمه وتؤثّر في علاقته بالعالم المحيط به.
وتبدأ حياته بالتحوّل عندما يتعرّف إلى شابة تنشأ بينهما صداقة، تفتح أمامه باب مواجهة ماضيه ومحاولة الخروج من عزلته.

الفيلم من تأليف محمد حمّاد وإخراجه، وإنتاج خلود سعد، وبطولة مروان وليد ونورا أحمد، وهو تجربته الروائية الطويلة الثانية. وشهد عرضه العالمي الأول في «مهرجان برلين السينمائي الدولي» في فبراير الماضي، قبل مشاركته في «مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي»، ثم وصوله إلى مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في «مهرجان الجونة السينمائي».
في السينما… التساؤلات أهم من الإجابات
كشف حمّاد عن فلسفته في صناعة الأفلام، مؤكّدًا أنّ ما يهمّه بالدرجة الأولى هو الأسئلة التي يطرحها العمل، وضرورة ترك مساحة للمشاهد ليفكّر ويبحث عن إجابات بنفسه، بدلًا من تقديمها في قوالب محدّدة على هيئة معلومات. ويرى أنّ ذلك من صميم التجربة السينمائية، التي لا تقتصر على سرد الحكاية، وإنما تترك لدى المشاهد تساؤلات تستمرّ بعد انتهاء الفيلم.
وعن «خروج آمن»، أوضح أنه لا يرى إيقاعه بطيئًا، كما يصفه البعض، وإنما شعر عند مشاهدته بأنه يحتمل مزيدًا من التروّي. وأشار إلى أنّ لكلّ صانع أفلام إيقاعه الخاص الذي ينعكس على أعماله.
وأضاف أنه يتعامل مع الأفلام على أنها «صناعة يدوية لا خط إنتاج»، موضحًا أنّه يميل إلى التأنّي في الكتابة ومنح كلّ عمل الوقت الذي يحتاج إليه، في مراحل التحضير والكتابة والتصوير، انطلاقًا من اهتمامه بأدقّ التفاصيل.
وشدّد على أنّ هذا التشبيه لا ينطوي على مفاضلة بين أساليب الإنتاج المختلفة، ولا يعني أنّ طريقة بعينها تضمن جودة الفيلم، وإنما يعبّر عن العملية الإبداعية التي يفضّلها، والقائمة على تشكيل العمل تدريجيًا حتى يبلغ صورته النهائية.
فيلم عن التسامح
كشف حمّاد أنّ «خروج آمن» وُلد بعد تعثُّر مشروع سينمائي آخر كان قد حصل على تمويله، لكنه لم يتمكّن من نيل الموافقة اللازمة لبدء تصويره قبل الموعد المحدّد بشهر. وأوضح أنّ التجربة أصابته بالإحباط، ودفعته إلى التواصل مع المخرج الراحل داود عبد السيد، الذي نصحه بالبحث عن مشروع بديل، مشيرًا إلى أنّ الموافقات قد تتبدّل وفق التوازنات، فما يكون مقبولًا في وقت قد يُرفض في آخر.
وأضاف أنّ التجربة دفعته إلى كتابة فيلم جديد، وأنّ مشاعره تجاه المشروع انتقلت تدريجيًا من الإحباط إلى استعادة الشغف، حتى وجد نفسه أكثر تعلّقًا بالفيلم الجديد من العمل الذي تعذَّر تنفيذه.

وعن الفكرة الأساسية لـ«خروج آمن»، أوضح حمّاد أنّ الفيلم يدافع عن التسامح، وينطلق من الإيمان بإمكان تعايش البشر رغم اختلافاتهم. وأكّد رفضه العنف بجميع أشكاله، مشدّدًا على أنّ الإنسانية هي المظلّة المشتركة التي تجمع الناس على اختلاف خلفياتهم ومعتقداتهم.
عثرات «خروج آمن»
وكشف حمّاد أنّ تصوير «خروج آمن» تعثّر بدوره أكثر من مرّة، ممّا أدّى إلى توقّفه في مراحل مختلفة، قبل أن ينجح الفريق في استكماله وإخراجه إلى النور. وأوضح أنّ هذه الانقطاعات أثّرت في قدرة الممثلين على الحفاظ على ارتباطهم بالشخصيات؛ فالتوقّف لا يقتصر على تغيير مواعيد التصوير أو إعادة ترتيب الجدول الإنتاجي، وإنما قد يقطع الحالة النفسية والأدائية التي يبنيها الممثل، ويفرض عليه جهدًا إضافيًا لاستعادة اندماجه مع الشخصية والحفاظ على إيقاع العمل.
وعن أبطال الفيلم، أوضح أنّ «خروج آمن» يجمع ممثلين يخوضون تجاربهم الأولى وآخرين يمتلكون خبرة سابقة. فالممثلة التي تؤدّي شخصية «فاطمة» تخوض تجربتها التمثيلية الأولى، فيما سبق للممثل الذي يجسّد «سمعان» الظهور في مسلسل تلفزيوني واحد. لذلك خصّص الفريق وقتًا طويلًا للبروفات والتحضير، بهدف بناء فهم مشترك للشخصيات والعلاقات التي تجمعها.
وأشار إلى أنّ رحلة العمل على الفيلم امتدّت تسع سنوات، تخلّلتها بروفات متقطّعة أتاحت للممثلين التعرّف إلى بعضهم بعضًا بصورة أعمق. ولم تقتصر هذه اللقاءات على التدريب على المَشاهد، إذ أسهمت أيضًا في بناء الألفة، واستكشاف الشخصيات، وتطوير الروابط الإنسانية بينها، وهو ما انعكس على العلاقات التي تظهر على الشاشة.
وفي السياق نفسه، رفض حمّاد الاعتقاد بأنّ على المخرج الحفاظ على مسافة شخصية تفصله عن الممثلين لضمان سلطته في موقع التصوير. وأكّد أنّ الصداقة والثقة المتبادلة لا تنتقصان من دور المخرج، وإنما تساعدان على توفير بيئة تتيح للممثل التجريب والتفاعل مع شخصيته بحرية أكبر، بدلًا من الاكتفاء بتنفيذ التوجيهات.

التوزيع يعرقل السينما المستقلّة
وتطرّق حمّاد إلى الأزمات التي تواجه السينما المستقلّة، خصوصًا في مصر، معتبرًا أنّ التحدّي الأكبر لا يكمن في قلّة الإنتاج، وإنما في محدودية فرص التوزيع والوصول إلى الجمهور. وأشار إلى أنّ مصر تشهد سنويًا إنتاج ما بين 100 و200 فيلم قصير، إلى جانب نحو ثمانية أفلام روائية طويلة مستقلّة، وهي أرقام يعدّها معقولة بالنظر إلى طبيعة القطاع.
وأوضح أنّ المشكلة تبدأ بعد اكتمال الفيلم، مع البحث عن فرص عرضه وتوزيعه وإيصاله إلى المشاهدين. فاستمرار الإنتاج، في رأيه، لا يضمن وحده تطوّر السينما المستقلّة ما لم تتوافر مسارات واضحة تتيح للجمهور مشاهدة أعمالها.
وأيّدت المنتجة خلود سعد هذا الرأي، مؤكّدة أنّ صناعة السينما تواجه حاليًا صعوبات كثيرة في مختلف أنحاء العالم، لكنّ الأفلام المستقلّة تعاني أكثر من الأفلام التجارية. ودعت دُور السينما إلى فتح أبوابها أمام الأعمال المستقلة، وترك الحكم على مدى جماهيريتها للمشاهدين أنفسهم.
وفي السياق نفسه، ميّز حمّاد بين الفيلم التجاري، الذي يستهدف المنتج بالدرجة الأولى، وقد يرفض إنتاجه إذا لم يقتنع بالسيناريو، والفيلم الجماهيري الذي تتحدّد جماهيريته بمدى تفاعل المشاهدين معه.
وانطلاقًا من هذا التمييز، عدَّ «خروج آمن» فيلمًا جماهيريًا، مستشهدًا بتفاعل الجمهور معه في «مهرجان الجونة السينمائي» ومهرجانات دولية أخرى، أبرزها «مهرجان برلين السينمائي الدولي».
وأوضح أنّ الجمهور في هذه العروض تفاعل مع مشهد الانتقام في نهاية الفيلم وصفّق له، واصفًا اللحظة بأنها «تحبس الأنفاس» قبل أن تمنح المشاهدين شعورًا بالتحرّر.
وربط حمّاد هذا التفاعل بالفكرة المحورية للفيلم، وهي «السجن» بمعنييه المادي والنفسي، إذ يطرح العمل تساؤلًا حول القيود التي تحاصر الإنسان، سواء فرضها الواقع أم صنعتها مخاوفه وأفكاره.
اقرأ أيضا: «خروج آمن»… ضفدع مغلي في وسط القاهرة