فاصلة

مراجعات

«صديق صامت»… ثلاثة أزمنة وشجرة تنتظرك في متروبوليس

Reading Time: 4 minutes

زعم غودار أن السينما أقرب إلى الجيولوجيا منها إلى العلوم الإنسانية. وفي السياق نفسه، يطرح بيار ليون في كتابه «التاريخ الطبيعي للسينما» فكرةً مفادها أن للأفلام حياةً خاصة بها، فهي كائنات حية تعرف الفرح والمعاناة كما يعرفهما مشاهدوها، ويرى أن الأفلام هي التي تنظر إلينا، لا العكس. قد تبدو هذه بداية غريبة لمقال، لكنني لا أجد طريقة أخرى لوصف بنية «صديق صامت». فهذه البنية لا تقوم على حلقات سردية منفصلة، بل على دوائر تتسع حول مركز واحد، كما تتسع حلقات جذع الشجرة، وهو ما ينسجم مع موضوع الفيلم ومع هذه المقدمة. «صديق صامت» طويل ومتشعّب، عسير الهضم أحياناً. غير أن هذا الإفراط ذاته هو ما يميزه بموضوعه وقضاياه. تُعيد المخرجة المجرية إلديكو إنييدي وصل الخيوط مع بداياتها في السبعينيات، حيث تناولت العلم والكون ونحن والنباتات والحيوانات بمنظور ميتافيزيقي.

تتحدى إنييدي القوالب التصنيفية المعتادة، فهي تستكشف هذه المرة مشاعر النباتات وحياتها الجنسية وإدراكها، بل وحتى وعيها، وهي أمور تخضع لإطار زمني يختلف تماماً عن ذلك الذي يختبره البشر. وعليه، فإن ما نعدّه نحن لحظات عابرة، قد يمثل تجربة مختلفة تماماً في منظور الشجرة. قد تبدو الفكرة ضرباً من الجنون، لكنها آسرة بفضل موهبة المجرية. والجميل في الأمر أن ما بيننا وبين الفيلم ينشأ عبر النباتات، لا بوصفها استعارة سطحية تعبر عن «جمال الطبيعة»، بل كحضور حي وصامت وغامض، كيان يراقب البشر بصبر هائل بينما نواصل نحن محاولاتنا لفهم بعضنا بعضاً. يتحدث «صديق صامت» عن الزمن، والعزلة، والحساسية المرهفة، والحاجة البشرية لإيجاد معنى حتى في أصغر الأشياء، ويقدم كل ذلك برقة استثنائية.

Silent Friend (2025)
Silent Friend (2025)

للفيلم ثلاث قصص. في العصر الراهن، وداخل إحدى الجامعات الألمانية، يعكف البروفيسور توني (توني لوينغ تشي واي) على دراسة الروابط العصبية مقارناً بين استجابات خلايا الدماغ لدى شخص بالغ وتلك الخاصة بطفل رضيع. ومع تفشي جائحة كوفيد، يجد نفسه وحيداً تقريباً في الحرم الجامعي، فيبدأ في المختبر بدراسة استجابات النباتات والأشجار، مفتوناً بشجرة الجنكة العتيقة التي تتوسط حديقة الجامعة. وقبل ذلك بقرن من الزمان، كانت الشابة غريتي (لونا ويدلر) أول طالبة تلتحق بتلك الجامعة، وذلك بعد أن واجهت وصمدت أمام التحيز ضد المرأة من جانب لجنة القبول. وقد وقعت هي الأخرى في سحر الحديقة والنباتات وفنّ التصوير الفوتوغرافي حينما كانت تسعى لإيجاد عمل ومكان للإقامة. بين هاتين الحقبتين، وفي منتصف القرن العشرين، تحديداً في حقبة الثقافة المضادة، ينجذب هانس (إنزو بروم) إلى المكان ذاته بفضل طالبة تدعى مارلين، تدرس نبتة الغرنوقي المزروعة على شرفة بيتها. وفي قلب كلّ هذا يكمن حلم تحويل ردود أفعال النباتات إلى لغة خاصة بها، إذ تعلّق إحدى الشخصيات قائلة: «سيكون أمراً مذهلاً أن نعرف ما الذي تفكر فيه ورقة البرسيم قبل أن يلتهمها الحصان»، وهي ملاحظة تمزج بين الفكاهة الساخرة والانبهار.

Silent Friend (2025)
Silent Friend (2025)

وهكذا، تتشابك في الفيلم نظريات عالم النبات السويدي الشهير كارل لينيوس مع سلوك نبتة «الميموزا بوديكا»، تلك النبتة «الذكية» التي تتخذ قرارات دفاعية ضد الكائنات المفترسة، مع إشارات من كتاب غوته «تحوّل النباتات»، وقصائد ريلكه «مرثيات دوينو»، وحتى مقطوعة موسيقية من مقدمة الفصل الأول لأوبرا لوهنغرين لفاغنر. كل هذا يمتزج بتصميم صوتي فائق العظمة وأساليب تصوير متباينة لكل جزء: جزء يتميز بجماليات رقمية معاصرة، وآخر بالأبيض والأسود مصوّر بتقنية 35 ملم، وثالث يتميز بحبيبات فيلمية واضحة وألوان مشبعة تذكرنا بأفلام سوبر 8.

Silent Friend (2025)
Silent Friend (2025)

يتناول «صديق صامت» العلم بمقياس إنساني، وكأنه جزء من حياتنا اليومية. يمضي الفيلم في مساره بشكل متقطع وغير منتظم، معتمداً على حلول غير محتملة أو غريبة أو حتى عبثية. نشعر في لحظات كثيرة بأن ثمة تحول أو انعطاف، أو ببساطة مسار قد يفضي إلى لحظة تجلٍّ أو إشراق أو نوع من الحل السينمائي الأصيل، قد يلوح في الأفق وسط هذا التدفق السردي. ورغم أن ذلك لا يحدث فعلياً، إلا أن الأمر لا يهم، فهناك أفلام تتقن استثمار القرارات التي لم تتخذها قط، تلك القرارات التي تظل معلقة في ثنايا السرد، ملقيةً بظلالها على الصور وكأنها جلد ثانٍ. نحن لا نرى ما كان يمكن أن يكون، لكننا نستشعره، وجمال ذلك الحدس يفوق في قيمته تحقق الأمر فعلياً على الشاشة. إنه أحد تلك الأفلام التي تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز ما تبدو عليه للوهلة الأولى، إذ يبدو وكأنه يتمرد على صُنّاعه ليتحول إلى شيء آخر.

يهمس وينساب الفيلم عبر روابط خفية، وأصداء عاطفية، واكتشافات صغيرة حميمية. وللقصص الثلاث قاسم مشترك بسيط وعميق في آن واحد: أشخاص يحاولون التواصل مع العالم بينما يساورهم شعور بأنهم لا ينتمون إليه تماماً. «صديق صامت» رقيق وتأملي وإنساني بعمق. يتحدث عن الطبيعة، نعم، ولكنه يتحدث قبل كل شيء عنّا نحن، عن حاجتنا إلى الانتماء والشعور بالترابط، وإلى العثور على الجمال والمعنى في عالمٍ يزداد تسارعاً وانفصالاً.

– يُعرض الفيلم ضمن مهرجان السينما الأوروبية في بيروت، في «سينما متروبوليس»، يوم 16 تشرين الأول/أكتوبر، عند السادسة مساءً.

اقرأ أيضا: «صديق صامت»… ثلاثة أزمنة وشجرة تنتظرك في متروبوليس

شارك هذا المنشور

أضف تعليق