في مكان ناءٍ معزول، تتواجد ثلاث شخصيات في بيت ريفي تضربه رياح عاصفة هوجاء بلا هوادة. أب وابنته يتقبلان الموت برزانة واستسلام يلفّهما السواد والفراغ، وحصان مريض يتمرّد على من أخضعه ويرفض المواصلة. تنطفئ شعلة الحياة، ولا يملك الإنسان أمام ذلك إلا التسليم بزوالها النهائي، تماماً كما يستسلم الحصان – نموذج الحيوية المروّضة والإرادة المقيّدة – للموت المحتوم، وذلك بعد فعل التمرّد الذي أكد حريته.
«أسطورة خلق سلبية»، هكذا وصف المخرج المجري بيلا تار (1955 – 2026) فيلمه «حصان تورينو» (2011، The Turin Horse)، المستند إلى نص نثري للاسلو كراسناهوركاي (نوبل للأدب سنة 2025)، حول الحكاية الملفقة لانهيار نيتشه بعد رؤيته حصاناً يُضرَب في تورينو. يبدأ الفيلم بالسواد، وسائق عربة وحصانه على الطريق، يجتازان مناظر طبيعية قاسية تلفّها رياح باردة وجافة، بينما يكافح الحيوان المنهك وسط الضباب والنباتات البرّية الجافة. من هؤلاء؟ يخبرنا الراوي بأنه في الثالث من يناير عام 1889، في تورينو، خرج فريدريش نيتشه من باب البيت رقم ستة، ربما ليتمشى قليلاً، وربما ليمرّ بمكتب البريد ويستلم رسائله. وعلى مقربة منه، أو بعيداً عنه جداً، لا فرق، يقف حوذيّ تعبٌ من حصانه العنيد. يحثّه ويصيح به، لكنّ الحصان لا يتحرك. ينفد صبر الرجل، فيرفع سوطه وينهال به على الحيوان. يقترب نيتشه من الجمع، فينقطع هذا المشهد القاسي، والحوذيّ يزبد غضباً. وفجأة، يقفز الرجل الضخم ذو الشاربين الكثّين إلى العربة، ويطوّق عنق الحصان بذراعيه… ويجهش بالبكاء. يحمله جاره إلى البيت، فيرقد صامتاً ساكناً على الأريكة يومين، ثم يتمتم بما يليق برجلٍ في موضعه من كلمات أخيرة: «أمّي… أنا غبيّ». ثم يعيش عشر سنوات أخرى، وديعاً ومخبولاً، في رعاية أمّه وأختيه. أما الحصان… فلا نعرف عنه شيئاً.

في «حصان تورينو»، كما هو الحال في عالم المخرجين بيلا تار وآنييش هرانيتسكي، لا يتوقف الزمن، يتماهى، ويمرّ عبر تلك الطقوس الروتينية التي تملأ حياتنا بلا هوادة يوماً بعد يوم، حتى يصل في النهاية إلى حالة من السكون التام. يمتد الفيلم لساعتين ونصف، في مكان فريد، قاحل وموحش بشكل استثنائي، ومصوّر بالأبيض والأسود الكئيبين، ومبنيّ هيكلياً على اثنتي عشرة لقطة طويلة فقط. يصارع مزارع وابنته قسوة الطبيعة: الرياح العاتية المدمرّة، وشحّ المؤن الغذائية، وحصانهم المنهك. ودّع بيلا تار السينما بفيلم ذي جمال نادر، يرتكز على الروتين اليومي في مكان يبدو وكأنه في نهاية العالم، ويتشبث بحيوات تقف على حافة العدم.

يزخر «حصان تورينو» بالاستعارات والرموز، سواء كانت توراتية أو غير ذلك. الريح التي تشبه عواء أرض منهكة، والحصان الذي يحافظ على كبريائه حتى يبلغ أقصى درجات الإنهاك، والغجر الذين يتنبّؤون بالويلات، وصورة الفتاة المروعة وهي تقف بلا حراك خلف النافذة ذات القضبان، وقرقعة العربة التي تعكس الرتابة الوجودية، وهيئة الرجل الشبيهة بالجثة في سكونه، ونهاية العالم الوشيكة. يصوغ تار رؤيته العدمية للحياة انطلاقاً من فرضية بسيطة، موظفاً إياها بصرياً إلى أقصى حدودها الممكنة، إذ تعكس ساعات الفيلم تفاصيل الحياة اليومية والروتين الحتمي. يتناول سائق العربة وابنته في الغرفة نفسها الطعام نفسه بطاقة تتضاءل تدريجياً. في البداية، نرى الأب يلتهم البطاطا الساخنة بنهم وغضب مستخدماً ذراعه السليمة الوحيدة. ثم، في مشهد تالٍ يحمل الطابع ذاته، ينتقل التركيز إلى الابنة وهي تمضغ الطعام بفتور. وأخيراً، نراهما معاً وهما يحاولان القيام بالمهمة نفسها وقد نال منهما الإنهاك، بينما لا تزال حبة البطاطا نيئة. إن العالم ينهار ويُستنزف ببطء، تماماً كما تتداعى مقاومتهما وتتلاشى حتى تنطفئ تماماً.

في الفيلم نجد أنفسنا مأخوذين بالتصوير السينمائي وبتنوع اللقطات، سواء كانت ثابتة أو متتابعة. تصبح الكاميرا بحد ذاتها هي بطلة العمل، إذ تتنقل داخل الأماكن وخارجها، وتضعنا بفضل طابعها المتسلل في قلب الحياة اليومية التي تنعكس عبر زوايا رؤية متعددة. ولا تخلو التجربة البصرية من اللقطات المميزة التي تركز على الأبواب والنوافذ. تنتقل الكاميرا من أعماق الكوخ الذي يفتقر إلى مقومات الراحة لكنه تحوّل إلى الملاذ الوحيد وصولاً إلى الحدود الخارجية التي يحددها الإسطبل، والبئر، وتلك الشجرة الوحيدة الذابلة. ومع تفاقم أحداث النهاية المأساوية، تتراجع الكاميرا تدريجياً، حاصرةً نفسها داخل المنزل، بل ومضيّقةً نطاق تركيزها حول المائدة التي وُضعت عليها الوجبة اليومية.

لا تهدأ الرياح في الفيلم، المتداخلة أحياناً مع لحن لا يقل عنها غرابة وإثارة للرهبة، يشبه نغمات الأكورديون. إنه لحن يتكرر بلا نهاية، نذيرُ شؤم لا يبشر بخير، من تأليف العظيم ميهاي فيغ. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الفيلم هو فيلم الصمت، إذ لا تُنطق الكلمة الأولى (باستثناء صوت الراوي) إلا عند الدقيقة العشرين. ويمتد غياب التواصل بين الأب وابنته ليشمل الإيماءات والكلمات، فهما لا ينظران إلى بعضهما البعض، ولا يستخدمان اللغة المنطوقة عملياً إلا للتحذير أو لإصدار أوامر بتنفيذ أمر ما أو بضرورة القيام به.
ترك لنا بيلا تار في فيلمه الأخير إرثاً سينمائياً مذهلاً يفيض بالظلمة والكآبة. شريط يتطلب منك الجلوس والتأمل، إذ عليك أن تسمح لظلمته وطابعه القائم على الحتمية القدرية بأن يأسرا وجدانك، وأن تترقب تلك النهاية الحالكة السواد. وعلى كل من يستطيع أن يخوض تجربة مشاهدة هذا الفيلم في قاعة السينما ألا يتردد، فهي تجربة ترقى إلى مستوى المعجزة.
– يُعرض الفيلم ضمن مهرجان السينما الأوروبية في بيروت، في «سينما متروبوليس»، يوم 13 تشرين الأول/أكتوبر، عند السادسة مساءً.
اقرأ أيضا: «صديق صامت»… ثلاثة أزمنة وشجرة تنتظرك في متروبوليس