لو سألني أحد عن وصفة لصناعة فيلم سيئ، لقلتُ له من دون تردد: شاهد آخر إنتاجات نتفلكس فيلم «المهايطية» !
بدأ عرض الفيلم على منصة «نتفليكس» منذ أيام، وهو من بطولة النجم الكبير راشد الشمراني، وزياد العمري، وأضواء بدر، وفهد البتيري، وفايز بن جريس، ومن كتابة أيمن وتار وبدر العساف، وإخراج أحمد الجندي.
لم أنتظر حكاية عميقة، أو حبكة ذكية، أو طرحًا اجتماعيًا مختلفًا، أو عالمًا بصريًا وإنتاجيًا مبهرًا. ندخل الأفلام الكوميدية بمعادلة بسيطة: أضحِكني، وسأتجاوز الكثير والكثير من الهفوات، لكن اضمن لي الضحك. لكن وللأسف «المهايطية» أخفق، بالنسبة إليّ، حتى في الوفاء بهذا الوعد.
تتعدَّد مشكلات الفيلم، ويبدأ الخلل من اختيار الممثلين وتوزيع الأدوار. لا يبدو أنّ جمع هذه الأسماء انطلق من تصوّر واضح لكيفية توظيفها معًا؛ فالانسجام غائب، والشخصيات تتجاور أكثر مما تتفاعل. مَشاهد لا تُضحك، وإفيهات تُخطئ طريقها، ومحاولات متكرّرة لانتزاع ضحكة لا تأتي.

ومن الأمثلة على ذلك مشهد اجتماع العائلة حول طاولة الطعام بحضور خطيب ابنتهم، حين يتبادلون الرسائل عبر «واتساب»، ثم يتولّى الابن التصريح بالمقصود. لا يكتفي المشهد بما يمكن للمشاهد فهمه من الموقف، لكنه يشرح النكتة ويقدّمها لنا بالملعقة، فيُبدّد فرصتها في الإضحاك. وفي مشهد آخر، تتفق العائلة فيما بينها، بينما سكرتير الشركة موجود معهم في الصالة من دون أن ينتبهوا إليه؛ موقف يعتمد على غفلة مفتعلة، ويطلب من المشاهد قبولها كي تعمل النكتة، بدلًا من بناء مفارقة مقنعة تنبع من الشخصيات وسلوكها هذا غيض من فيض..
تستطيع حكاية بسيطة أن تحمل كوميديا ممتازة إذا امتلكت شخصيات مقنعة، وإيقاعًا دقيقًا، وقدرة على تطوير المواقف واستثمار تناقضاتها. لكن «المهايطية» لم يمنحني حتى متعة المواقف نفسها؛ إذ تبدو الرغبة في إطلاق النكتة أقوى من الاهتمام ببناء اللحظة التي تجعله مضحكًا، وكأن الشخصيات وُجدت لتقول النكات قبل أن تكون لها حياة وعلاقات تستحق المتابعة.

حتى تناول «الهياط» وشخصية الرجل الثري يبدو صادرًا عن معرفة سطحية بالمجتمع الذي يصوّره الفيلم. فالمبالغة وحدها لا تصنع كوميديا؛ إنها تحتاج إلى ملاحظة دقيقة للسلوك، وفهم ما يدفع الشخصيات إلى التفاخر والاستعراض، والتقاط التناقض بين ما تدّعيه وما تعيشه فعلًا. أما هنا، فيكتفي الفيلم بالمظاهر الصاخبة، من دون التقاط التفاصيل التي تمنحها صدقها وتجعلها قابلة للسخرية.
أذكر فيلم رائد السماري القصير «الدنيا حفلة» مثالًا على ما يمكن أن تصنعه هذه التفاصيل؛ إذ صوّر «الهياط» داخل عائلة سعودية بكوميديا تنطلق من معرفة المخرج بعالم شخصياته وسلوكها وعلاقاتها. لذلك بدت المبالغة امتدادًا لواقع نعرفه، وصدّقنا الشخصيات حتى في أكثر لحظاتها عبثًا. ومع انتشار مظاهر «الهياط» على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت أمام صنّاع «المهايطية» مادة غنية ومتاحة للملاحظة، تستحق معالجة أذكى مما شاهدناه.

قبل مشاهدة الفيلم، طرحت سؤالًا: هل يحتاج «المهايطية» إلى المخرج المصري أحمد الجندي كي يُضحك الجمهور؟ بعد المشاهدة، تغيَّر السؤال إلى: ماذا أضافت خبرته الكبيرة إلى هذا الفيلم؟
الجندي مخرج قدَّم أعمالًا أعدّها من روائع الكوميديا المصرية خلال العشرين عامًا الماضية، لكن هذا الرصيد لا يضمن نجاحه في صناعة كوميديا سعودية، مثلما لا تضمن جنسية المخرج السعودي جودة فيلمه. فقيمة الخبرة تظهر في القدرة على فهم اللغة والشخصيات والبيئة، وترجمة هذا الفهم إلى اختيارات نراها على الشاشة. وهذا تحديدًا ما افتقدته هنا.
ولعل «سطّار» مثال مناسب؛ فقد شارك أيمن وتّار في كتابته، وأخرجه الكويتي عبدالله العراك، ومع ذلك لم أشعر بأن الكوميديا مستعارة من بيئة أخرى. تبدو بصمة إبراهيم خيرالله المنتج واضحة في روح الفيلم، وفي بناء المواقف وطريقة الشخصيات في الكلام والتفاعل. تشاهد عالمًا تعرفه، فلا تشعر بالغربة عنه، حتى حين يذهب بعيدًا في المبالغة. وهذا ما يجعل السؤال عن مدى فهم صنّاع الفيلم لبيئته أكثر جدوى من السؤال عن جنسياتهم.
ولعلّ ما يضاعف خيبة أملي أنّ «نتفليكس»، بإنتاجها هذا العمل، قدّمت، في رأيي، أحد أسوأ الأفلام السعودية، بعدما كانت إحدى أبرز مزايا حضورها منذ إعادة فتح صالات السينما إتاحة مساحة لصنّاع سعوديين للتعبير عن أنفسهم. رأينا ذلك في تجارب مالك نجر وعبدالعزيز المزيني، صانعَي «مسامير»، وفي أعمال «تلفاز»، وحتى في تعاوناتها السابقة مع «إيديشن»، التي تولّى إخراجها مخرجون سعوديون. يمكن الاختلاف حول تلك الأعمال ونتائجها، لكنها حملت ملامح أصحابها: علاقتهم باللغة والمكان، ونظرتهم إلى الشخصيات، وحسّهم الكوميدي الخاص. أما «المهايطية»، فيبدو لي تراجعًا عن هذه المساحة لصالح خلطة جاهزة تفتقد الصلة بالبيئة التي تحاول إضحاك جمهورها.

لا أُحمِّل الممثلين وحدهم مسؤولية هذه النتيجة. فغياب الانسجام بينهم أكبر من مشكلة أداء ، إذ يحتاج الممثل إلى شخصية مكتوبة جيدًا، وموقف يتطوَّر، ومخرج يعرف متى يمنحه المساحة ومتى يضبط أداءه. لذلك، يتجاوز الإخفاق أداء أيّ فرد بعينه، ليطال تصوّر الفيلم للكوميديا والطريقة التي بُني بها المشروع من أساسه.
نعتمد في «فاصلة» التقييم بالنجوم إلى جانب المراجعة النقدية. منحت «المهايطية» نجمة واحدة، وهي أدنى تقييم يتيحه الموقع، لكن نصف نجمة أقرب إلى تجربتي معه؛ وهو التقييم الذي اخترت إظهاره في منشور المراجعة. فحتى النجمة الواحدة، التي منحها زملائي النقاد لفيلمَي «ثقوب» و«المجهولة»، بدت لي سخية مع فيلم تجعل إمكاناته الإنتاجية وأسماؤه وخبراته النتيجة أشد إحباطًا.
اقرأ أيضا: راشد الشمراني: نحتاج إلى مزيد من الأفلام السعودية… والكيف سيأتي لاحقًا