يبدو أحدث أفلام المخرج أليخاندرو إيناريتو خاتمةً لثلاثية غير مباشرة عن دور الفنّ في حياتنا. كانت البداية مع «بيردمان» عام 2014، الذي تناول أهمية الفنّ في إعادة اكتشاف الذات، وذهب أبعد من ذلك في محاولة سبر ماهية الفنّ في جوهره، وكيف يمكن للفنان، بعد مرور السنوات، أن يضع نفسه تحت المجهر ويسأل إن كان فنانًا أم مُحتالًا. ثم جاء «باردو» عام 2022، في عمل شخصي جدًا يناقش دور الفنّ في مواجهة الماضي والتعافي من صدماته، وما نصبح عليه في أعين ذواتنا الطفولية والمراهقة بعد مسيرة حافلة. والآن تُختتم هذه الثلاثية مع «ديغر»، وهو فيلم ضخم ومترامي الأطراف يناقش، بصوت جهوري في كثير من الأحيان، دور الفنّ في رواية التاريخ وصياغة المستقبل، والتوازن الصعب بين الوقوف مع الحقّ وتجنُّب الظهور بمظهر وعظي أو السقوط في كليشيهات مكرّرة.
يُرفع الستار حرفيًا في افتتاحية الفيلم، ليكشف عن منظر طبيعي ويحدّد منذ اللحظة الأولى النبرة البصرية التي ستُروى بها الحكاية: كادرات مسرحية بديعة، وصورة مذهلة تشهد على التكامل بين تصميم الديكور والتصوير السينمائي. وهذه سمة رسّختها أفلام إيناريتو خلال السنوات العشر الأخيرة؛ فهي مُحكَمة الصنع من الناحية التقنية، وحتى إن لم ترتبط عاطفيًا بأفلامه، يصعب إنكار الجهد الضخم المبذول في إنتاجها. فهو يسعى إلى صناعة قطع سينمائية مركَّبة ومعقَّدة، أشبه بأحجية تزداد أجزاؤها ترابطًا كلّما حاولت تفكيكها.

يتحدث الفيلم عن «ديغر روكويل» (توم كروز)، رجل أعمال نفطي يتمتّع بنفوذ واسع وثروة طائلة، تتسبَّب أعمال التنقيب التي تُجريها شركته في غرينلاند بكارثة بيئية غير مسبوقة تهدّد قارة أوروبا بأكملها. وبسبب ضخامة الاستثمارات في المشروع، والطريقة غير القانونية التي أُرسي بها، يتجاهل «ديغر» التحذيرات البيئية المسبقة، إلى أن تصبح الكارثة على مرأى من الجميع ويُبلَّغ بها الرئيس الأميركي (جون غودمان). وعندما يُضطر «روكويل» إلى شرح حجم الكارثة للرئيس، يرافقه «غانيش» (ريز أحمد)، مسؤول الأمن البيئي في الشركة.
الافتتاحية البديعة بصريًا، التي تعتمد بصورة أساسية على ديكور الفيلم وتموضع الممثلين داخل المشهد، أشبه بمسرحية تتمحور حول «ديغر» وانسيابية حركته في غرفة نومه الشاسعة، مع تكرار دخول الممثلين إلى المشهد وخروجهم منه. يبدأ «ديغر» عمله ومكالماته حتى قبل أن يرتدي ملابسه. ويبدو توم كروز مستمتعًا بأداء هذا الدور؛ إذ نلمح فيه أصداء أدوار سابقة نال عنها ترشيحات لجوائز «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»، في فيلمي «ماغنوليا» عام 1999 و«تروبيك ثاندر» عام 2008. لذلك، لا يبدو مستغربًا اعتماد الفيلم على الكوميديا الجسدية التي يقدّمها كروز باقتدار لافت.

لكن الفيلم، بعد هذه الافتتاحية، ينساق خلف كوميديا تهكمية مباشرة، في محاولة فاشلة لمحاكاة أفلام مثل «دكتور سترينجلوف» عام 1964، لينتهي إلى ما يشبه محاكاة «دونت لوك أب» عام 2021. وأعني بذلك أن الكوميديا التهكمية التي يبدأ الفيلم بتقديمها تفشل ما إن تظهر على الشاشة، ليس لأنها مباشرة فحسب، وإنما لأنها مبتذلة أيضًا. وما إن يبدأ الشعور بأن الفيلم بلغ حدًا لا يُطاق من الانغماس في ذاته، وأن أي نكهة من الصدق قد انسحبت منه، حتى يقدّم أهم منعطف في القصة، ويكشف أنّ ما كنا نشاهده طوال نحو أربعين دقيقة لم يكن سوى البروفات النهائية لمسرحية هزلية تتناول أحداثًا حقيقية تسبَّبت في كارثة بيئية لا يزال الجميع يعانون تبعاتها.
يضع هذا الانعطاف الأمور في سياقها، فتتحول الكوميديا المُنفّرة التي ظلّ الفيلم يُلقي بها في وجوه المتابعين إلى تعليق ذاتي على أعمال من هذا النوع: أعمال مباشرة وتلقينية ووعظية، لا تترك مجالًا للتفسير أو التحليل، ولا نجد بين سطورها سوى مساحات خالية. وتصبح جودة المسرحية والكوميديا التي تقدّمها موضع نقاش بين الشخصيات؛ فالممثل الذي يؤدّي دور «ديغر» غير راضٍ عن عدد من القرارات الإبداعية للمخرجة «هانا» (صوفي وايلد)، فيما يزيد خبر فقدان طائرة ابنته القادمة من جامايكا الضغوط التي يعيشها قبيل العرض الأول للمسرحية.

وعندما ننظر إلى العمل من منظور أوسع، تصبح الأداءات المسرحية لجون غودمان ومايكل ستولبارغ منطقية جدًا، إذ تبدو أقرب إلى الأداء الكاريكاتوري. ويمكن كذلك فهم أداء ساندرا هولر السيئ والفوضوي، والمختلف عن أدائها المعتاد الذي يتّسم بالهدوء والرزانة؛ فهي هنا تقدّم بدورها شخصية كاريكاتورية مسرحية هزلية، لا أداءً دراميًا طبيعيًا يتحرّى الدقة. بعد هذا الانعطاف، يواجه الفيلم تحديًا صعبًا في إبقاء فحواه مثيرًا للاهتمام؛ فقد كُشفت أهم أوراقه، ولم يعد هناك عنصر غموض أو رهان حقيقي للقصة. الكارثة وقعت بالفعل، ولم تعد هناك ضرورة مُلحّة لإنقاذ الكوكب، ومع زوال هذه الضرورة، نصبح أمام مشكلة حقيقية في نسق فيلم قرّر بناء إيقاعه على كارثة حدثت مسبقًا.

يتخبَّط الفيلم لبعض الوقت محاولًا استعادة إيقاعه، ويفعل ذلك من خلال الواقعية التي تفرضها مشاهد كواليس البروفات المسرحية. ويؤدّي ظهور جيسي بليمونز تحديدًا إلى كبح هزلية الفيلم ومنحه هدوءًا لم نعهده من قبل. أما الدراما الناتجة عن اختفاء ابنة الممثل الرئيسي، وما يفرضه ذلك من ضغوط إضافية، فتجعل خطّ السرد الجديد مستقلًا بذاته، ومنفصلًا لجهتَي القصة والنبرة. كذلك يمنح تطوّر حبكة التلوّث البيئي، رغم تفريغها من عنصر الضرورة، مساحة واسعة للممثلين لإظهار ما في جعبتهم من أداءات شكسبيرية جهورية. ويحظى توم كروز تحديدًا بفرصة إلقاء مونولوج مطوّل يستحيل الحديث عن هذا العمل من دونه؛ إذ يستعرض طاقته الهائلة في الاستحواذ على انتباه من حوله، بلغة جسد واعظ يبشّر بالخراب ويَعِد بتحقيقه.
يبقى السؤال الجوهري متعلقًا بقدرة الفيلم على خوض نقاش يتجاوز الأفكار التي يطرحها بصورة سطحية، مثل أن التغيّر المناخي يُدمّر الكوكب، أو أن شركات الطاقة والتقنية والذكاء الاصطناعي تُقدّم أرباحها على حياة البشر، أو أن السياسيين في أميركا واقعون بالكامل تحت سطوة الشركات الكبرى. لا أعني أنّ هذه الأفكار سطحية لجهة أهميتها، وإنما أنّ طريقة طرحها في الفيلم لا تتجاوز الإشارة إليها ومحاكاتها بسخرية. وتستمر هذه السطحية، التي قد تكون مقصودة بالنظر إلى سياق الفيلم وطابعه القائم على التعليق الذاتي، حتى أواخره، قبل أن ينجو منها في الرمق الأخير.

تدور داخل الفيلم نقاشات حول جودة كوميديا المسرحية ومدى صدقيتها، وأخرى غير مباشرة حول دور الفنّ في الإضاءة على الكوارث البيئية والبشرية، وتحميل الأفراد مسؤوليتها من دون الخوف من السلطة. لكن هذه النقاشات كلّها تبدو، بعد مشهد خروج الجمهور إلى عالم متهالك ومضمحل ومتآكل، وإلى واقع بائس يلوح في الأفق، بلا طائل، ولا تؤدّي غرضًا سوى إرضاء ذواتنا الأنانية بالتصديق بأننا قادرون على إحداث فرق. ومع ذلك، يستخرج الفيلم من مشهده الأخير شعورًا بالطمأنينة؛ طمأنينة يعزّزها الاعتقاد بأن الأسوأ قد مضى، وأنّ بإمكاننا النظر، ولو لمدّة وجيزة، إلى مستقبل خالٍ من القلق والتفكّر، في الوقت نفسه، في تاريخنا الحديث ومحاولة الضحك على مأساتنا.
ويجب التوقّف عند حقيقة أنّ وجود فيلم بهذه الميزانية الضخمة، البالغة 125 مليون دولار، ويُثير كلّ هذا الانقسام حوله، يُعدّ أمرًا إيجابيًا للسينما بكلّ تأكيد. ففي وقت باتت فيه السينما تركّز على الربحية أكثر من أي عنصر آخر، وتوالت الأفلام التي تتّجه مباشرة إلى منصات البث من دون المرور بصالات السينما، يأتي إيناريتو، برفقة توم كروز، بهذا العمل الذي لن يحظى بإعجاب الجميع، لكنه يفرض نفسه على أي نقاش، حتى وإن كان حافلًا بالانتقادات. فالسينما، مثل غيرها من الفنون، لا ينبغي أن تكون مُنتَجًا معلّبًا مصمَّمًا لنيل إعجاب الجميع؛ ولو أصبحت كذلك، لتوقفنا عن تذوّق الفنّ وتحوّلنا إلى استهلاك البضائع.
مع نهاية «ديغر»، يختتم إيناريتو ثلاثيته؛ ثلاثية تتّسم بوعي ذاتي وانغماس مفرط في الذات. كان ذلك صادمًا ومنعشًا في «بيردمان»، وبدأ يفقد بريقه في «باردو»، قبل أن ينجو من نفسه بأعجوبة في «ديغر». إنه وعي ذاتي يبتعد عن الواقعية، وكأن الفيلم يصرخ في وجهك: «أنت تشاهد فيلمًا الآن». أسلوب لن يعجب الجميع، لكنه استطاع، في هذا الفيلم تحديدًا، أن يخلق متاهة من ردود الفعل ويشعل فتيل نقاش سيستمر طويلًا.
اقرأ ايضا: لوكا غوادانينو… يمكنك تعلّم إنجاز فيلم في أسبوع واحد