بينما بدت الأنواع السينمائية الأخرى كأنها تغرق تحت ركام من الرداءة والتقليد، كانت سينما الرعب خلال السنوات الأخيرة تعيش طفرة خاصة، وكأنها تُبعث من جديد لتصير ربما المساحة الأخيرة التي يلتقي فيها المُشاهد بهذا المزيج من الابتكار والأصالة على نحو متواتر.
خلال عامَي 2025 و2026 فقط، نجحت أفلام مثل «خطاة» و«أسلحة» العام الماضي، و«هوس» و«الغرف الخلفية» هذا العام، في تحقيق المعادلة الصعبة بين النجاح الجماهيري الهائل والتقدير النقدي. وتُمثّل هذه الأفلام ذروة موجة من أفلام الرعب المغايرة ذات الطموح الفني الكبير، بدأت قبل عقد من الزمن على الأقل.
لطالما تمتّعت سينما الرعب بقدرة هائلة على الصمود؛ فكلّما بدا مستقبل هذا النوع السينمائي مهدّدًا، أعاد ابتكار نفسه من جديد.

منذ عقد أو يزيد قليلًا، وُلدت موجة جديدة من سينما الرعب، بدأ النقاد يطلقون عليها تسميات مختلفة، مثل «الرعب الراقي» أو «ما بعد الرعب»، لتأطير اختلافها عن سينما الرعب التقليدية. وتمزج هذه الموجة، التي بدأت بأفلام مثل «وراثي» لآري أستير، و«الساحرة» لروبرت إيجرز، و«اُخرج» لجوردان بيل، بين أسلوب سينما الفنّ وعناصر الرعب التقليدية. وبدت هذه الأفلام كأنها تتمتّع بطابع جمالي «أرقى» مقارنةً بأفلام الرعب التجارية التقليدية.
جماليات غير تقليدية لسينما الرعب الجديدة
يتجلّى اختلاف هذه الأفلام عبر لمسات تجديد واضحة على صعيدَي الشكل والمضمون. تتّسم سردياتها بغموض أكبر، وشخصيات أكثر تعقيدًا، وإيقاعات أهدأ، ونهايات مفتوحة. وتفقد العناصر التقليدية المألوفة للرعب مركزيتها هنا لمصلحة التعبيرية الشكلية والغموض السردي المميّزين لسينما الفنّ؛ ممّا يتيح للشخصيات والمشاهدين على السواء الانغماس في أجواء تأمّلية أو مشحونة عاطفيًا، بدلًا من الانتقال السريع من صدمة مفاجئة إلى أخرى.
نلاحظ في هذه الأفلام غياب الوحوش التقليدية أو تقليل التركيز عليها، في مقابل الانغماس في خلق أجواء من القلق الموحش. ويتحوّل الوحش إلى قوة غير مرئية أو مجرّدة، أو يُصوَّر على أنه نسيج من خيال إحدى الشخصيات المضطربة، أو عَرَضًا لمرض عقلي، كما في فيلمَي «إنه يأتي ليلًا» و«بابادوك».

في «قصة شبح» لديفيد لوري، نحن أمام فيلم يقلب منظور فيلم الرعب؛ فالحكاية تُروى هذه المرة من وجهة نظر الشبح، الذي يعجز عن تجاوز ما فقده. إنها معكوس الحكاية التقليدية؛ لسنا أمام بيت مسكون بالأشباح، وإنما شبح مسكون بالبيت الذي رحل عنه، وبالمرأة التي فقدها. إنه فيلم تأمّلي وشاعري.
يُصوّر فيلم «الساحرة» لروبرت إيجرز المَشاهد الداخلية كأنها لوحات نابضة بالضوء والظلال، والمَشاهد الخارجية مناظر طبيعية شاسعة وبعيدة، فيمكن حتى لغصن شجرة يتمايل أن يثير مخاوف من قوى خارقة للطبيعة لدى أفراد الأسرة المنفية على أطراف غابة مهدِّدة. إن هذا الميل نحو السكون المفعم بالقلق يعزّز شعور المُشاهد بالرهبة من احتمال وقوع حدث ما في أي لحظة، مما يُمدّد زمن الفيلم شعوريًا ويحوّله إلى تجربة زمنية ملموسة ومؤثّرة.

يتحاشى آري أستير في فيلمه «منتصف الصيف – ميدسومار»، وهو رعب فلكلوري، كلّ الكليشيهات الخاصة بسينما الرعب التقليدية. لدينا تكوين بصري مضاء كليًا بضوء الشمس، بلا ظلال. وتلائم هذه المشهديات الساطعة فكرة الكشف وتحرير المخاوف الداخلية. لدينا مساحات مفتوحة وألوان زاهية؛ الأمر أشبه بالدخول في حلم جميل، لكنه يُخبّئ الرعب تحت سطحه البرّاق.
يميل المخرج إلى اللقطات الطويلة زمنيًا، وكأنه يترك لمشاهديه فرصة التشرّب بمشاعر الهلع والغضب التي تتضمّنها هذه اللقطات. ويخلق هذا أيضًا إيقاعًا أكثر هدوءًا وتمهّلًا، يطهو الرعب على نار هادئة من دون أن يتعجّل أي شيء، ويترك مُشاهده تتنفّس بطبيعية.

أين ذهبت وحوش سينما الرعب القديمة؟
صادفتُ على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي ميمًا ساخرًا يقارن بأسلوب كوميدي بين أيقونات الرعب القديمة والحديثة، موضحًا كيف تغيّرت طبيعة التهديد ومصادر الخوف في السينما بين الماضي والحاضر. يضمّ الجزء العلوي من الميم رسمًا لإحدى أيقونات سينما الرعب القديمة، وهو «فريدي كروجر» من سلسلة أفلام «كابوس في شارع إلم»، كما نجد أيضًا رسمًا يمثّل شخصية المهرّج «بيني وايز»، وهو يحمل بالونًا أحمر، من فيلم «إت».

ويضمّ الجزء السفلي غرفة خالية، في إشارة مباشرة إلى ظاهرة «الغرف الخلفية»، التي تعتمد على المساحات الحدّية (المنسية والغريبة)، والتي استند إليها كين بارسونز في فيلمه الذي يحمل هذا الاسم. ونرى أيضًا صورة لفتاة حزينة ومستاءة، كُتب أسفلها «حبيبة شخص ما»، وهو ما يمكن أن نجد صداه في أفلام مثل «هوس» أو «ميدسومار».
رغم النبرة الساخرة للميم، فإنه لامس الحقيقة؛ لقد تغيّرت سينما الرعب مثلما تغيَّر العالم.
منذ فجر السينما، كان الرعب هو النوع السينمائي الأقدر على التعبير عن روح العصر؛ فهو يكشف لنا حقائق عن أنفسنا طالما تحاشينا مواجهتها بشكل مباشر. ومن خلال الوحوش التي توالت أمام أعيننا على الشاشة، يمكننا أن نتتبّع آثار مخاوفنا عبر الزمن.
لطالما كان الرعب هو الحقيقة التي علينا مواجهتها. ويثبت فيلم الرعب دائمًا أن صلته بالواقع أكثر عمقًا من صلة أيٍّ من الأنواع السينمائية الأخرى به. إنه أشبه بفضاء غائم يمتدّ مباشرة من لاوعينا الشخصي والجمعي. إنه المسرح الحقيقي لمخاوفنا؛ تحت أقنعته تتراقص ظلالنا وظلمتنا، ونمنح كوابيسنا اسمًا وجسدًا.
في كتابها «إطعام الوحش: لماذا يسيطر علينا الرعب؟»، ترى الكاتبة والناقدة السينمائية آنا بوجوتسكايا أن مخاوفنا في حالة تغيّر مستمر، ولا يوجد ما هو أقدر من فيلم الرعب على التقاط هذا التغيّر وتجسيده.

إذا كان الرعب، إذًا، يرسم لنا خريطة لمخاوفنا، فما الذي نخاف منه الآن؟
أخلى فيلم الرعب مسرحه من وحوشه التقليدية، وصار ممسوسًا بمخاوف يمكن لمسها في حياتنا اليومية. صار الرعب رعب الصدمات النفسية، وصارت الأفلام تدور حول الحزن والفقد والمرض العقلي.
استطاع فيلم «اُخرج» للمخرج جوردان بيل أن يُحدث نوعًا من الطفرة في سرديات الرعب، بتفكيكه الذكي للعنصرية المبطّنة والليبرالية الزائفة في تجربة رعب حابسة للأنفاس. وبينما يُنفى عقل بطله وروحه إلى فضاء يسمّيه السيناريو «المكان الغارق»، يُعرض جسده في مزاد علني يشارك فيه عجائز بيض أنيقون من سكان الضواحي.
جسّد فيلم «الغرف الخلفية» هذا التحوّل ببراعة، إذ يستكشف القلق المكاني من خلال مساحات لا نهاية لها من الغموض، مولّدًا شعورًا بالحصار داخل نظام بلا مخرج، حيث يُخيّم دائمًا شعور بالخطر المتربّص بنا.

في متاهة «الغرف الخلفية»، يتجسّد شبح مكاتب العمل، ويتردَّد صدى الخوارزميات والفضاءات الرقمية التي نفقد فيها أعمارنا. وتُلقي هذه الممرات الصفراء الموحشة على أرواحنا ظلالًا من الرهبة الوجودية، وإحساسًا مرعبًا بالعزلة. وتمثّل «الغرف الخلفية» استعارة للعقل اللاواعي نفسه، بمتاهاته وأنماطه النفسية الدائرية التي تستنفد طاقاتنا وتلتهم أجسادنا.
عن الزوايا المظلمة للحبّ والعلاقات
تنشب أفلام الرعب الحديثة مخالبها في ما أسماه عالم النفس سيلفان تومكينز «الانفعالات السلبية»؛ أي التجارب العاطفية السلبية مثل الحزن والغضب والخزي. تخرج السينما من إطار «الوحوش الخارقة» لتدخل الدهاليز المظلمة للعلاقات العاطفية والزوجية؛ حيث يتحوّل الشريك من مصدر للأمان إلى مصدر للتهديد الأكبر، أو تتحوّل العلاقة نفسها إلى سجن خانق. ويفكّك الرعب هنا مفاهيم مثل التعلّق المرضي، والهوس، والغيرة القاتلة، والسيطرة الذكورية.

في المعالجة الجديدة التي قدّمها المخرج لي وانيل لرواية «الرجل الخفي» الكلاسيكية للكاتب إتش. جي. ويلز، نحن أمام تفكيك لفكرة العلاقات السامّة والمحطِّمة. ويُعدّ فيلم «الرجل الخفي» تجسيدًا مرعبًا للتلاعب النفسي بالشريك. تهرب «سيسيليا»، بطلة الحكاية، وينتحر زوجها، ومع ذلك تظلّ مقتنعة بأنه يلاحقها ويترصّد خطواتها. وحتى بعد فرارها، يتبعها طيف زوجها المظلم من وراء موته المفترض، ليحطّم حياتها وحياة من حولها.
«أتمنّى أن تحبّني نيكي فريمان أكثر من أي شخص آخر في العالم». هكذا يردّد «بير»، بطل فيلم «هوس» من كتابة كاري باركر وإخراجه، أمنيته التي يكمن جزء من رعب الفيلم في تنفيذها حرفيًا. نحن أمام هوس «بير» وقد دُفع إلى حدوده القصوى. كأنّ كيانًا غامضًا قد استولى على جسد حبيبته «نيكي»، وهذا الكيان ليس سوى انعكاس لهوس «بير».

عندما تتحقّق الأمنية، تدور الكاميرا لنرى «نيكي» أمام بيتها مثل صورة ظليّة مخيفة ومقلقة. في هذه اللحظة، تُقمع «نيكي» الحقيقية، ولا نعود نراها إلا في لمحات خاطفة تحاول خلالها فهم ما يجري لها أو ما تفعله بعد أن استولى عليها هذا الكيان الغامض. وكلّما تمكّن هذا الكيان من جسدها، فقدت «نيكي» قدرتها على المقاومة، وسقطت أكثر نحو الظلمة والعذاب.
إذا كان هناك مشهد واحد يمكن أن يُظهر الطبيعة النفسية لهذا الكابوس، فهو المشهد الذي يحاول فيه «بير» التسلّل إلى الخارج من دون أن تشعر به «نيكي»، فيأتيه صوت «نيكي» الحقيقية واهنًا ومتوسّلًا أن يقتلها، فلا تكون إجابته إلا: «ألهذه الدرجة بقاؤك معي سيئ؟»، فتخبره: «بير، لم أكن معك أبدًا».
لا يكمن الرعب الحقيقي في ما تفعله النسخة الظليّة من «نيكي»، التي ليست إلا تجسيدًا حرفيًا لهوس «بير»، وإنما في ما يحدث لـ«نيكي» الحقيقية. إنها لا تزال هناك، تصرخ في الأعماق. في مشهد قاسٍ جدًا، يمارس «بير» الحبّ معها، وبينما يحاكي الصوت متعة الممارسة، لا يعكس الوجه أي شيء؛ إذ يبدو وجهها في الظلام مثل جثة بلا روح.

في فيلم «منتصف الصيف»، تجد البطلة «داني» (فلورنس بيو) نفسها وحيدة في هذا العالم بعد وفاة شقيقتها ووالديها. لا تُبعد الناس عنها، بل تتشبّث بشدّة بشريك لا يكترث لها تمامًا. وما تهرب منه البطلة في الواقع تواجهه بشكل صادم ومرعب داخل الكابوس المُعدّ لها؛ فكلّ الطقوس المرعبة والدموية التي يحتشد بها الفيلم ليست إلا انعكاسًا مضخّمًا لصدمة فقدانها عائلتها وتفسّخ علاقتها العاطفية بصديقها.
لا يمكن قراءة مشهد النهاية الصادم إلا على هيئة مجاز عن تخلّص «داني» من علاقتها السامّة بصديقها، وكلّ ما يربطها به؛ فالمشهد، بكلّ محتواه المخيف، يمثّل لحظة تحرُّر لها.
تبدو سينما الرعب اليوم أكثر حيوية وسعيًا إلى الابتكار من أي نوع سينمائي آخر. ويبدو الرعب أيضًا أكثر انغماسًا في ما هو يومي، وأكثر قربًا من تجاربنا الذاتية من أي وقت مضى.
اقرأ أيضا: «هوس»… العواقب الوخيمة لتحقيق الأمنيات