في جلسة مع إليا خرجانوفسكي، تجلس بينكما روسيا طرفًا ثالثًاً من دون استئذان. حتى حين يتحدّث عن العلم، العبقرية، العنف، الروح، أو ببساطة عن السينما، تعود روسيا «سطر أي سطر لأ» في خلفية كلّ هم وكلّ سؤال. هذا السليل لعائلة يهودية من فنّانين ومثقّفين، لديه جدّ هو الممثّل والرسّام يوري خرجانوفسكي، أب هو أندريه خرجانوفسكي، أحد أبرز مخرجي التحريك في السينما السوفياتية، وأم هي قارئة سيناريو. وفي حين أن كثرًا دخلوا السينما من باب الهواية أو المصادفة، نشأ إليا داخلها، كما نشأ تحت تأثير الثقافة السوفياتية، قبل أن يتخرج في معهد غيراسيموف للسينما في موسكو.
بعد عام واحد على تخرجه، أنجز فيلمه القصير «أوستانوفكا» مع أرتيوم ميخالكوف، الذي يتناول هاجسًا رافق الإنسان منذ قرون: مرور الزمن الذي لا يمكن الإفلات منه، وما يثيره من أسئلة حول معنى الوجود. ثم جاء فيلمه الطويل الأول «4» عام 2004، الذي فاز بجائزة «النمر الذهب» في روتردام، ولفت الانتباه إلى مخرج لا يقيم وزنًا للحدود التقليدية بين الأنواع في السينما. في ليل موسكو، يلتقي ثلاثة غرباء، ويتبادلون حكايات مختلقة عن حياتهم ومهنهم، قبل أن تتحوّل هذه الأكاذيب العبثية إلى واقع مقلق يطغى على حياتهم اليومية.

لكن المشروع الذي سيبتلع جزءًا يسيرًا من حياته بدأ قبل ذلك بقليل، وسيحوّله من موهبة شابة إلى حالة يصعب تصنيفها: «داو». كانت الفكرة في البداية أكثر تواضعًا. فيلم عن الفيزيائي السوفياتي ليف لانداو (1908 – 1968) الحائز «نوبل» في الفيزياء، وعن السنوات التي عاشها في الاتحاد السوفياتي. لكن الفكرة أخذت تتضخّم، إلى أن الفيلم لم يعد… فيلمًا. خرجانوفسكي بنى في خاركيف الأوكرانية مجمّعًا علميًا كاملًا يحاكي العالم السوفياتي بين عامي 1938 و1968. أثاث، ملابس، طعام، نقود، سجائر، قصّات شعر، أدوات، مؤسسات، مطاعم، مكاتب، مختبرات. عالم كامل له قوانينه الخاصة، دخل إليه مئات الأشخاص، بعضهم ممثّلون وبعضهم علماء وفنّانون وأشخاص عاديون.
استمر التصوير قرابة ثلاث سنوات، وتراكمت نحو سبعمئة ساعة من المواد البصرية. ومن هذا الكم الهائل، خرجت أفلام، ومسلسلات وأعمال فيديو وتجارب علمية وأداءات فنية وتجهيز. شارك في المشروع أشخاص من عوالم متباعدة مثل مارينا أبراموفيتش، بريان إينو، ويلم دافو، جيرار دوبارديو وغيرهم. وفي باريس عام 2019، لم يُعرض «داو» باعتباره مجموعة أفلام فحسب، وإنما كعالم أعيد بناؤه في قلب المدينة: تجربة جمعت السينما والفنّ والموسيقى والنقاشات والطعام والأداء. أما ما شاهدناه في مسابقة مهرجان البندقية الأخير، تحت عنوان «داو»، فهو الفيلم النهائي، الذي يلخّص كلّ المشروع، وقد نال جائزة الإخراج.

خرجانوفسكي حاول بمشروعه هذا، وبطريقة تقترب من الهوس، أن يعيد خلق شيء يعتقد أنه لا يزال يسكن الجسد الروسي والسوفياتي. يقول إنه يستطيع، في أي مطار، أن يتعرف إلى شخص من الجمهوريات السوفياتية السابقة، مهما كان لباسه. لا يتعلّق الأمر بالملامح السلافية، إذ يشمل الأرمن والجورجيين وغيرهم. ثمة شيء في طريقة الوقوف، في حركة الجسد، في النظرة، في العلاقة مع الآخر. شيء يسمّيه، مجازاًا «الحمض النووي السوفياتي».
لهذا، يصح اعتبار «داو» أكثر من استعادة تاريخية. إنه محاولة لفهم كيف يتشكّل الإنسان عندما يعيش داخل منظومة مغلقة، وكيف تدخل الدولة إلى الجسد واللغة والرغبات والعلاقات العاطفية. في عالم خرجانوفسكي، تبدأ الشمولية من التفاصيل اليومية، من اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن هناك حدودًا لما يستطيع قوله وفعله.
رغم الإرث الهائل الذي يقف عليه، لا يرى خرجانوفسكي نفسه مجرد وارث للسينما الروسية. هو يقول إنه ينتمي أولًا إلى السينما، لا إلى جنسية سينمائية محدّدة. لكنه يعرف أن روسيا في داخله. ومن أجل إنجاز «داو»، كان لا بد من العودة إلى أحد أكثر فصول الثقافة الروسية كثافةً: الطليعية الروسية. تتقاطع الصورة مع كازيمير ماليفيتش وفاسيلي كاندينسكي وليوبوف بوبوفا وبافيل فيلونوف، بينما تأتي عناصر أخرى من مصادر أوروبية مختلفة، وصولًا إلى ماغريت. ثلاثة مديرين للتصوير، أحدهم يورغن يورغس (أضاء أفلام فاسبيندر) وستّة مصمّمي أزياء وثلاثة مصممّي ديكور، شاركوا في صناعة الحاضنة البصرية لملحمته التي تتجاوز الساعات الثلاث.

تطوّر المشروع كثيرًا عبر السنوات، حتى ليف لانداو نفسه لم يعد، في الطريق، ليف لانداو التاريخي تمامًا. في البدء، استند خرجانوفسكي إلى سيرته، ثم اتّجه نحو شخصية أكثر تجريدًا. من «كيف نروي حياة عالم سوفياتي شهير؟»، انتقل إلى «ماذا يحدث للعبقرية عندما تقع في يد نظام شمولي؟». فـ«داو» تشريح لعلاقة العلم بالسلطة من بين أشياء أخرى. علماء الفيزياء في الاتحاد السوفياتي لم يكونوا مختلفين في طموحهم عن علماء العالم الحر: أرادوا فهم الكون، اكتشاف قوانينه، والوصول إلى معرفة جديدة. لكن القرن العشرين وضع هذه المعرفة في خدمة أكثر أدوات التدمير فتكًا التي عرفتها البشرية: القنبلة النووية. العلم الذي كان يعد بفهم العالم، أصبح قادرًا على تدميره.
المشروع الذي أراد أن يقدّم واقعًا سوفياتيًا قابلًا للتصديق، أفرز، في المقابل، واقعًا إنتاجيًا أثار أسئلة أخلاقية. ظهرت اتهامات بالتحرش، بنشر بيئة قاسية تجاه النساء، بافتعال عنف نفسي، وبإخضاع المشاركين لضغوط غير اعتيادية. نفى خرجانوفسكي الاتهامات التي طالته، وقال إن النزاعات التي وقعت كانت مرتبطة بظروف العمل وطبيعة المشروع، وإن مَن يدخل هذا العالم لا بد أن يعلم أنه يدخل تجربة عاطفية ونفسية شديدة الصعوبة.

لكن الجدال لم ينتهِ عند هذا الحد. فأحد أكثر مشاهد «داو. ناتاشا» الذي عُرض في برلين عام 2020، صدمة تتضمّن عنفًا جنسيًا مصوّرًا بطريقة صريحة، وقد أدّى إلى اتهامات بالميزوجينية والاستغلال. السلطات الروسية وصفت المشروع في إحدى مراحل النزاع بأنه «دعاية إباحية»، ما اعتبره خرجانوفسكي «توصيفاً عبثيًا» لكنه لم يلغِ السؤال المتجدّد مع كلّ مشروع طموح يخرج عن «الطاعة»: أين تنتهي التجريب الفني ليبدأ بعده الاستغلال باسم الفن؟
أراد خرجانوفسكي أن يخلق واقعًا كاملًا كي يختبر الإنسان داخله، لكنه بذلك وضع نفسه أيضًا داخل المنطقة الأخلاقية التي يحاول فحصها. من خلال دراسة العنف، نشأ حول مشروعه نقاش عن العنف. ومن خلال معاينة السلطة، استُجوِب عن سلطته هو على المشاركين. ومن خلال خلق نظام مغلق، واجه سؤالًا عن معنى أن يعيش الإنسان داخل نظام مغلق فعليًا أثناء التصوير.

بدأ المشروع في عهد فلاديمير بوتين الذي كان تولّى السلطة حديثًا. يومها، لم تكن طبيعة النظام قد وصلت إلى درجة العنف التي يراها خرجانوفسكي اليوم. لكن روسيا التي يتحدّث عنها الآن مختلفة تمامًا. بين اللحظتين، تخلّى عن جنسيتها، وأصبح من أبرز الشخصيات الثقافية الروسية المصنَّفة رسمياً «عميلاً أجنبيًا». كما صدر في حقّه حكم مالي في موسكو على خلفية الإجراءات المتعلّقة بوضع «العميل الأجنبي»، وهو ما اعتبره المخرج رسالة سياسية رمزية أكثر منه مسألة قانونية.
كالعديد من السينمائيين، من كيريل سيريبرينيكوف إلى أندريه زفياغينتسيف، انتقلت علاقته بروسيا من كونها علاقة ثقافية إلى علاقة مؤلمة وشخصية. هو المولود في موسكو حيث تشكّلت لغته وثقافته ووعيه، موسكو تلك لم يعد يستطيع العودة إليها. قصّته العائلية لا تختلف أيضًا عن تجربته الشخصية، إذ أنها تحمل آثار القرن العشرين وأسوأ ما حدث فيه. والدته، الناجية من المحرقة، ولدت ونشأت في أوكرانيا، وغادرت فينيتسا على آخر قطار قبل أن تُباد الجالية اليهودية هناك، ثم وصلت إلى أوزبكستان ومنها إلى موسكو. بين الأربعينات وبداية العقد الحالي، ثمة تشابه، اذ ان والديه غادرا روسيا أخيراً إلى برلين، بعدما اضطرا إلى ذلك. نُقلت معهما المكتبة العائلية، التي تضم أكثر من عشرين ألف كتاب. خارج البلاد، لم يبقَ لخرجانوفسكي، كما يقول، سوى قبور الأجداد، وذكريات وثقافة سوفياتية لا ينكرها.
فكرة المنفى عنده مزدوجة. إنها يهودية وروسية، وتجسّدت في عائلة تهرب باستمرار من الحرب أو الاضطهاد أو تغير الأنظمة. لكن خرجانوفسكي لا يزال يتحدّث عن وطن هو جزء من هويته، لكنه أصبح في الوقت نفسه مكاناً يصعب الانتماء إليه.

الحرب في أوكرانيا أتاحت أعلى مراحل التمزّق.
الجزء الأكبر من «داو» صُوِّر في خاركيف، المدينة التي أصبحت لاحقًا واحدة من ساحات الحرب الروسية الأوكرانية. يروى أنه لا يستطيع أن ينظر إلى المكان الذي صنع فيه مشروعه كما كان ينظر إليه قبل سنوات. وعندما أثار بعض الأوكرانيين اعتراضات على حضور «داو» ضمن اختيارات مهرجان البندقية، قال إنه يفهم غضبهم في سياق حرب رهيبة، لكنه يرى في الاعتراض سوء فهم لطبيعة المشروع.
في نظر خرجانوفسكي، لا يمكن حصر روسيا في بوتين، مثلما لا يجوز اعتبار «داو» فيلمًا عن ستالين. الهدف الفني والإيديولوجي هو الوصول إلى تناول آلية أعمق، انطلاقًا من سؤال الإنسان الذي يخضع تدريجًا لنظام عنيف، وكيف يتحوّل الخوف إلى سلوك. الشر، بالنسبة إليه، ينبت من داخل الإنسان، لكن وجوده لا يعني في الضرورة الاستسلام له. المشكلة تبدأ عندما تتضافر الرغبة الفردية مع قوة أكبر منها، قوة سياسية أو اجتماعية أو مؤسساتية، وتدفعنا إلى نقطة يصبح فيها هامش الاختيار ضيقًا جدًا. الدولة تستطيع أن تسجن الجسد، تعذّبه، تهينه، لكنها لا تضمن في الضرورة السيطرة على روح الإنسان. وهذه المسافة بين الجسد والروح، هي التي تمنح «داو» بُعده الشخصي.
لهذا، يصعب اختزال خرجانوفسكي في صفة «مخرج روسي»، أو حتى «مخرج روسي سابق». فهو ابن الثقافة الروسية والسوفياتية، وفي الوقت نفسه أحد أكثر أبنائها صدامًا معها. روسيا بالنسبة إليه مادة نفسية وتاريخية، وذاكرة عائلية، وخصم، وثقافة فنية، ولغة، وخوف، فضلًا عن كونها جملة من الأسئلة المفتوحة التي لم تبلغ خاتمتها بعد، والتي سيظل صداها يتردد في وجدانه.
اقرأ أيضا: «داو» لإليا خرجانوفسكي… هيبة لا تُحتمل

هذه المقالة مدعومة من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.