فاصلة

مراجعات

«غزة 13»… فتاة تبلغ الحلم في أرضٍ تُحاصر الحياة

Reading Time: 5 minutes

لعلّ من المفارقات أن نُدعى، قبل دقائق من مشاهدة العرض الأول لفيلم «غزة 13» لحسام أبو دان في «مهرجان تورونتو السينمائي الدولي»، إلى الاعتراف بأنّ الأرض التي نقف عليها تعود أصلًا إلى سكانها الأصليين، الذين استولى السكان الحاليون على أراضيهم. ثم تُطفأ أنوار المسرح، لتأخذنا الصورة إلى أرض أخرى، وإلى إبادة جديدة، حيّة ومستمرة في غزة.

ولعلّ أكثر ما يؤلم في تجربة مشاهدة الفيلم أن ندرك، ونحن نتابع «رغد» (ميري زيارة) ووالدها (فراس المصري)، أننا نعيش، بصورة ما، داخل عالم رواية «ما تبقى لكم» لغسان كنفاني. كأنّ عجلة الزمن تعود بنا إلى الوراء، إلى التهجير الفلسطيني إثر نكبة عام 1948، وما تبعها من تعقيدات وكوارث أفرزتها الفاجعة السياسية، من قهر اقتصادي وتمزّق أسري وسلطة للتقاليد. وكأن الفلسطيني المهجّر، الذي يقطن غزة اليوم على وجه الخصوص، لم يُحرم من أرضه فحسب، وإنما كُتب عليه أن يتأقلم مع واقع يُنذره دومًا بأنه يخوض صراعًا من أجل البقاء.

ثلاثة عشر في غزة
غزة 13 (2026)

ومع ارتباط الرقم «ثلاثة عشر» بالشؤم، وربما كانت هذه دلالة تعمّدها حسام أبو دان، يتجاوز الرقم رمزيته ليمنح الشخصية الأساسية، «رغد»، بُعدها الإنساني. فما اعتدناه من اختزال الأشخاص إلى أرقام على شاشات الأخبار يصبح هنا عمرًا محددًا لفتاة. ثلاثة عشر عامًا؛ عمر يُفترض أن تنشغل فيه بالمدرسة والصديقات واكتشاف العالم، لا بالموت واللجوء والخوف والخصوصية المفقودة. وهكذا يصبح الرقم مقياسًا لما سرقته الحرب من طفولتها.

يبدأ الفيلم بـ«رغد» وأبيها وهما يترقّبان تقييم الطبيب، فيما تحيط بهما تأوّهات وصرخات تُنبئنا بأننا في عالم أكلته مأساة الإبادة. لم يبقَ لـ«رغد»، وهي في عمر يتأرجح بين الطفولة والمرأة الصغيرة، سوى أبيها، بعدما فقدت أمها وإخوتها بفعل آلة الحرب. يؤكد التشخيص أنها في حالة صحية جيدة، لكن رحلة اليوم تكشف ما هو أبعد من ذلك. تدرك «رغد» أن ما ألمّ بها ليس مرضًا، وإنما آلام الدورة الشهرية التي تختبرها للمرة الأولى في ظروف تفتقر إلى أبسط مقوّمات الخصوصية والمستلزمات الصحية، وحتى السلامة. يصبح الوصول إلى الحمّام انتظارًا مؤلمًا ومخيفًا، وتغدو العناية بالنظافة الشخصية أمرًا شديد التعقيد، إن لم يكن مستحيلًا.

ثلاثة عشر في غزة (2026)
غزة 13 (2026)

يحاول أبو دان أن يستكمل قصة «رغد» في إطار إنساني محض، لكن حدود هذا الإطار تأبى أن تتوقّف عند ذلك، فتمتد إلى أبعاد اجتماعية وسياسية أفرزتها آلة الحرب، وتكشف تفاصيل دقيقة عن حياة أب وحيد يحاول تدبير شؤونه وشؤون ابنته وسط نسيج اجتماعي مزّقته الكوارث. فنلتقي «خليل» (غسان سالم)، الذي حوّلته الحرب إلى تاجر يتكسّب منها. يهمس أحدهم في أذنه بأن «رغد» «بلّشت تزهّر»، فنلمس رغبته في امتلاكها، كما اعتاد امتلاك كلّ شيء في ظروف الحرب.

وفي مجتمع شديد التقارب، تحكمه الالتزامات ونظرة الآخرين، تتجاوز هموم والد «رغد» ويلات الحرب والإبادة. فما إن يدرك أنّ ابنته لم تعد طفلة، حتى تتزاحم الأولويات داخله وتتضارب: حمايتها من نظرة المجتمع، وتأمين حاجاتها، وحمايتها من الموت.

لكن ويلات الإبادة لا تسمح للقصة بأن تنغلق على نفسها. جثث ملقاة على عربات كانت يومًا لبائع متجوّل، تمرّ أحيانًا عبر المشهد، فيما تفترش جثث أخرى الأرض. أما السماء فلا تهدأ؛ إذ يرافق صوت «الزنّانة»، طائرة التنصّت الدائمة، سكان غزة كما يرافقنا نحن، فيما لا تتوقف الانفجارات عن تذكيرنا بأن ما نعيشه مع الشخصيات ليس مأساة فردية معزولة، وإنما حالة حرب مستمرّة.

ثلاثة عشر في غزة (2026)
غزة 13 (2026)

تدور أحداث «ثلاثة عشر في غزة» وسط واقع مخيمات اللجوء، في مدينة غدت من أكثر الأماكن خطورة بفعل الحرب والحصار وسقوط الضحايا المدنيين. وقد صُوّر الفيلم بالكامل داخل غزة، في ظلّ إبادة مستمرّة، وصُنّف أول فيلم روائي طويل يُنتَج ويُصوَّر داخلها منذ بدء هذه الإبادة. وهذا، بطبيعة الحال، يفرض قيودًا تجعل تنفيذ الرؤية الإبداعية، والتمثيل، وتوفير الإمكانات التقنية والكوادر البشرية، تحدّيات بالغة الصعوبة. ومن السريالي أن يطلب الكاتب من ممثلين يجسّدون شخصيات الفيلم أن يتركوا فواجع الحرب وحاجات عائلاتهم، لتمثيل مشهد أو التحضير له.

يمزج أبو دان بين التوثيق والسرد الروائي، فيضع الممثل داخل واقع قائم، ويستعين بأشخاص موجودين فيه بدلًا من ممثلين إضافيين، تاركًا لتفاصيل حياتهم اليومية حرّية سرد المشهد. ومن هنا، يمكن وصف «غزة 13» بالفيلم الخام؛ فهو عمل كان يمكن أن يستفيد من مزيد من الصقل لو أُنجز في ظروف مغايرة. لكنه، رغم محدودية أدواته، يتمسّك بتفاصيل سردية تمنحه خصوصيته، وتربطنا بشخصياته، وتدفعنا إلى فهم المكان ومعايشة واقعه من خلال أهله.

ثمة تفاصيل شديدة الحساسية والألم في آنٍ معًا: غطاء شعر «رغد» المعلَّق على حبل الغسيل، دلالةً على وجودها أو غيابها في خيمة اللجوء؛ والصورة العائلية التي تجمعها بأسرتها قبل الفقد؛ والأشياء التي نعدّها من المسلّمات، مثل الباب والمرحاض، ونستخدمها في حياتنا اليومية من دون أن نتوقّف عندها، فتتحوّل هنا إلى خطوط درامية تتفرّع من الخط الرئيس.

ثلاثة عشر في غزة (2026)
غزة 13 (2026)

فالباب، مثلًا، يكتسب أهميته مع كلّ مشهد يستدعي الخصوصية. وحين يحضّ الأب ابنته على الاغتسال، يثقل وقع المشهد حين نراها تُسدل غطاء سرير بسيطًا على زاوية من زوايا الخيمة لتغتسل. وحين يبتكر والد «رغد» مرحاضًا يثبّته داخل خيمته، رغبةً في حماية ابنته، تتحوّل هذه التفاصيل الصغيرة إلى أشكال من المقاومة اليومية.

ومن زاوية أخرى، يلتقي الفيلم مع «السلاحف تستطيع الطيران» لبهمن قبادي. فكلاهما ينظر إلى الحرب من خلال أعمار صغيرة تجد نفسها في مواجهة واقع أكبر منها، ويحوّل المكان المدمّر إلى فضاء للحياة اليومية. وإنما «غزة 13» يذهب إلى مساحة أشدّ حميمية؛ فالحرب لا تحاصر الطفولة فحسب، وإنما تتسلّل إلى الجسد والبلوغ والنظافة والعلاقة بين الأب وابنته، وصولًا إلى الحاجة إلى مساحة خاصة داخل خيمة.

ولعلّ هذا ما يُعيدنا إلى «ما تبقى لكم». فكما لا تبدو النكبة في رواية كنفاني حدثًا انتهى في الماضي، لا تبدو الحرب في فيلم أبو دان مأساة منفصلة عن تاريخ الاقتلاع. لا تعيش «رغد» ووالدها القصف وحده، وإنما يعيشان أيضًا آثار اقتلاع فلسطيني متراكم، يصبح معه الصراع من أجل البقاء حالة دائمة، وتتحوّل الأسرة إلى آخر ما تبقّى من الوطن.

ثلاثة عشر في غزة (2026)
غزة 13 (2026)

ينتمي «غزة 13» إلى فئة استثنائية من الأفلام الروائية الطويلة التي صُوّرت ميدانيًا تحت القصف والتهديد العسكري المباشر. وهي فئة أقل عددًا وأكثر خطورة، إذ يغامر صنّاع الأفلام بالكاميرا وسط المعارك الحقيقية، ليكتبوا التاريخ بالصورة من مكان يعيشون فيه ويختبرون مأساته.

فهل نشهد، منذ بدء حرب الإبادة، تشكّل سينما فلسطينية حديثة تجازف وتتحدّى، وتضع حكاياتها الدرامية وسط معارك حقيقية وتحت قصف فعلي؟ وهل سيأتي يوم، إذا ما استمرت آلة الإبادة في هتك غزة، يُقام فيه مهرجان على أرضها، ويُطلب من روّاده الاعتراف بأن شعبًا عاش هنا يومًا، وصوّر فيها، وقاوم محوه بالصورة؟

اقرأ أيضا: «المستعمرة»… تراجيديا الموت في المصنع

شارك هذا المنشور

أضف تعليق