بعد سنوات من العمل على مشروعه الروائي الطويل الأول، وصل المخرج اللبناني رامي قديح بفيلمه «غضب» (Furies) من بيروت إلى أبرز المحطات السينمائية العالمية. فقد شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في الدورة الـ83 من «مهرجان فينيسيا السينمائي»، ضمن برنامج «أضواء فينيسيا»، قبل أن ينتقل إلى «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي»، حيث شارك في قسم «البرنامج الرئيسي» ضمن دورته الحادية والخمسين، التي اختُتمت مؤخرًا. ويستعد للمشاركة في الدورة الـ70 من «مهرجان لندن السينمائي»، الذي ينظّمه «معهد الفيلم البريطاني»، من 7 إلى 18 أكتوبر المقبل، ضمن قسم «الإثارة».
كتب قديح الفيلم بالشراكة مع زوجته نورا ماريانا، ويتشاركان أيضًا في إنتاجه عبر شركة «ناوسيكا فيلمز». ويأتي العمل امتدادًا لمسيرة بدأها قديح بعدد من الأفلام القصيرة التي عُرضت في محافل سينمائية عالمية، من بينها «أسبوعا المخرجين» في «مهرجان كانّ»، و«مهرجان لندن السينمائي» التابع لـ«معهد الفيلم البريطاني»، و«مهرجان كليرمون فيران الدولي للفيلم القصير». كما طوَّر عددًا من المشاريع مع شركة «فابولا» التابعة لبابلو لارين، وشركة «بارتيسيبانت ميديا»، وهو من خرّيجي مختبر «معهد صاندانس السينمائي» وبرنامج «مواهب» في «مهرجان برلين السينمائي».

لكن رحلة «غضب» بدأت قبل نحو سبع سنوات، عام 2019، حين وجد قديح وماريانا نفسيهما، شأنهما شأن ملايين اللبنانيين، أمام أموال مجمّدة في المصارف، فيما كانت نورا بحاجة إلى إجراء عملية جراحية. ومن هذه التجربة الشخصية، خرجت رسالة ساخرة أرسلتها نورا إلى أحد أصدقائهما في لبنان، لتصبح البذرة الأولى للفيلم: «هل يا ترى سأكتب فيلمًا مع رامي عن سطو على مصرف، وأموالنا تُسرق من البنك؟ هذه أموالنا، ليس لهم الحق فيها».
يقول رامي قديح في حواره مع «فاصلة»: «مع تصاعد أزمة المصارف في أكتوبر 2019، ورغم أننا نعيش حاليًا في كاليفورنيا، كنّا نعتمد على مدّخراتنا في حسابنا المصرفي بلبنان لتمويل العملية الجراحية التي كانت نورا بحاجة إليها. لكننا استيقظنا ذات يوم على أخبار منع سحب الأموال من المصارف اللبنانية. وفي لحظة، تغيّر مجرى حياتنا، وتوقّفت خططنا بين ليلة وضحاها».
بدأت الفكرة بمزحة، أو كما يسمّيها رامي «فشّة خلق»، ويضيف: «كانت مجرّد رسالة نتبادلها مع أصدقائنا، ولم نكن جادّين بشأنها. كانت تعبيرًا عن غضب في لحظة معيّنة». لكن المزحة ظلّت عالقة في الذهن، إلى أن جاءت الجائحة، وأتاح لهما الحجر المنزلي الوقت والمساحة للتفرّغ للكتابة. يقول: «جلسنا في المنزل وبدأنا نكتب عن هذه الحالة التي تحوّلت إلى صدمة نفسية لا نستطيع تجاوزها. كانت ردّة فعل، وكنّا بحاجة نفسيًا إلى ذلك».

وإنما تحويل التجربة الشخصية إلى فيلم لم يكن مجرّد وسيلة لتفريغ الغضب؛ فقد التقت هذه التجربة بشغف قديم بهذا النوع السينمائي. يقول رامي: «نحن، المحبّين للسينما والأفلام، كان لدينا دائمًا شغف بهذا النوع من الأعمال؛ أفلام الجريمة والسطو وسرقات المصارف. لذا كان هذا الشغف جزءًا من الموضوع، ودفعنا إلى تحقيق حلمنا بتقديم فيلم من هذا النوع».
وهكذا بدأ يتشكّل «غضب»، ليس على هيئة فيلم اجتماعي تقليدي عن الأزمة اللبنانية، وإنما فيلم سطو يوظّف أدوات هذا النوع السينمائي لحكاية بلد بلغ به الحال أن عجز الناس فيه عن الوصول إلى مدّخراتهم. لذلك، لا تبدو الأزمة الاقتصادية مجرّد خلفية للأحداث. وبالنسبة إلى رامي، لا يمكن فصل ما حدث في لبنان عن تاريخ طويل من الأزمات والتراكمات. يقول: «بما أننا نصنع فيلمًا عن لبنان، فلا يمكن أن ننفصل عن تاريخه. للبنان، شخصية وطابع خاص، وهو مكان بالغ التعقيد. وأوافق نورا على أننا أدخلنا فكرة الحرب الأهلية عمدًا في الفيلم، على أنها جزء من التاريخ لا يمكن نسيانه أبدًا».

وُلد رامي قديح خلال الحرب الأهلية، ويرى أن استحضارها في الفيلم ليس خيارًا تاريخيًا منفصلًا عن الحاضر، موضحًا: «لم يكن من الممكن أن تقع أزمة المصارف، ولا الأزمة الاقتصادية الرهيبة التي شهدها لبنان، لولا أحداث وتراكمات كثيرة أدّت إلى ذلك».
ويؤكد أنّ الذاكرة اللبنانية لا تنفصل عن الحياة اليومية: «لا نستطيع تجاهل التاريخ أو نسيانه، فهو الذي يصنع الحاضر، ولا حاضر بلا تاريخ». ويستند في ذلك أيضًا إلى تجربته الطويلة في صناعة الأفلام الوثائقية، التي التقى خلالها أشخاصًا شاركوا في الحرب الأهلية، لكنهم يعيشون اليوم حياة عادية ويشكّلون جزءًا من نسيج المجتمع: «أجريت مقابلات كثيرة خلال عملي على أفلامي الوثائقية مع أشخاص شاركوا في الحرب، وهذا أمر طبيعي جدًا في لبنان. قد تسير في الطريق وتلتقي شخصًا يبدو عاديًا، لكن تاريخه يقول إنه ارتكب مجزرة أو جريمة في السابق، وهو اليوم يعيش حياة عادية ولديه أسرة وأبناء».
يجسّد الفيلم هذه الذاكرة عبر شخصيات مركّبة، مثل «صبح». ويوضح قديح أنه وزوجته اعتمدا في الكتابة على المزج بين عناصر تعكس تعقيدات المجتمع اللبناني، قائلًا: «كلّها أشياء عشناها ولا نستطيع نسيانها. أشياء حدثت وتحدث في البلاد، وقصص نعرفها جيدًا، وأشياء مخزّنة في ذاكرتنا، تظهر تلقائيًا ونضعها لا شعوريًا في أعمالنا السينمائية».
وإذا كان لبنان وتاريخه حاضرَيْن في الفيلم، فإنّ الحضور النسائي يطغى على «غضب»، في خيار مقصود آخر إلى جانب اختيار نوعه السينمائي. فعملية السطو هنا تقودها امرأتان عاديتان، لا امرأتان محترفتان في الجريمة.

وبالنسبة إلى نورا ماريانا، كان هذا النوع السينمائي نفسه يثير سؤالًا: لماذا تكاد النساء تغيب عن أفلام السطو التي نشأت على مشاهدتها؟ تقول: «أحب أفلام السطو منذ الصغر، فقد نشأت وأنا أشاهدها مع والدي. وكان يشغلني أنّ النساء لا يظهرن عادة في هذه النوعية من الأفلام، أو لا يحظين بتمثيل حقيقي فيها. مع أننا، إذا فكّرنا في الأمر، نجد أنهنّ دقيقات جدًا، ولديهن قدرة عظيمة على التخطيط، ونعرف ذلك من خلال أمهاتنا. وهذا الفيلم بالتحديد يحمل كثيرًا من ملامح أمهاتنا وخالاتنا».
وهنا يقلب الفيلم النموذج التقليدي لأعمال السطو. وتوضح نورا أنه بدلًا من الشخصيات المعتادة في هذا النوع، الذي يهيمن عليه الرجال وتدور أحداثه غالبًا حول مجرمين محترفين ينفّذون عملية سطو أخيرة، نشاهد امرأتين من الطبقة العاملة، يمكن أن تكونا أختَينا أو صديقتَينا أو زميلتَينا في العمل، تُقدِمان على عملية سطو قد تكون الأولى والأخيرة في حياتهما، وهو ما تجده مثيرًا للاهتمام.
ومن خلال بطلتَي الفيلم، يتحدّى رامي ونورا أيضًا الصور النمطية التي تقلّل من قدرات النساء. تقول نورا: «في أي بيئة عمل، ولا أتحدّث هنا عن عالمنا العربي فقط، وإنما عن العالم الغربي والولايات المتحدة أيضًا، نجد هذا النموذج من الرجال الذين يشكّكون في قدرات المرأة وذكائها، وحتى قوتها الجسدية، ويقولون إنها، من الناحية البيولوجية، لا تستطيع القيام بأشياء معيّنة. وهذا ما أرفضه تمامًا، وبطلاتنا يثبتن عكس هذه الفكرة».
ويرى رامي أنّ إدخال هذه التوتّرات الواقعية في قالب سينمائي مألوف هو أحد عناصر فرادة الفيلم، قائلًا: «أن نضع ذلك داخل نوع سينمائي مألوف، فهذا ما يجعل العمل مغايرًا ومختلفًا عمّا اعتدناه».

لكن اختلاف «غضب» لا يكمن في كون بطلاته نساء فحسب، وإنما أيضًا في رفض صنّاعه تقديمهن شخصيات مثالية. يشرح: «أولًا، هنّ لسنَ معصومات من الخطأ. وثانيًا، نحن في السينما نفضّل الشخصيات الأكثر تعقيدًا، التي لا تكون طيبة أو شريرة بالمطلق، ولا سوداء أو بيضاء أخلاقيًا، وإنما تقع في المنطقة الرمادية».
بالنسبة إلى نورا، لا يقتصر هذا التعقيد على كونه خيارًا سينمائيًا، فهو أقرب إلى طبيعة البشر كما تختبرها في الحياة: «الأمر يتوافق مع تجربتنا في الحياة وطريقتنا في رؤية الناس. فالبشر لديهم مساحات دقيقة وتفاصيل متباينة، وأنا شخصيًا لا أعرف إنسانًا مثاليًا بنسبة مائة في المائة طوال الوقت. هذا ببساطة غير واقعي».
ويؤكد رامي: «نحن صنّاع أفلام صادقون جدًا، نحب أن نستمدّ من الحقيقة وتجارب الحياة، ومن الأشياء الشخصية التي تحدث معنا والأشخاص الذين نقابلهم، ثم ننقلها إلى عالم الخيال».
لكن المفارقة الأكثر إثارة ربما تكمن في أن الفيلم، رغم استناده إلى واقع اقتصادي واجتماعي شديد الارتباط بلبنان، لم يُبنَ على عمليات اقتحام المصارف التي شهدتها البلاد فعلًا. يقول رامي: «الفيلم كلّه منذ البداية كان من نسج الخيال، لأننا بدأنا العمل عليه قبل وقوع أيّ من تلك الأحداث. وحتى مَن يشاهده، سيلاحظ أن عملية السطو مختلفة تمامًا عن أي أحداث حقيقية وقعت خلال تلك المرحلة، ولا علاقة لها بها نهائيًا».
ويضيف: «كانت صدمة بالنسبة إلينا بعد سنتين من العمل على كتابة السيناريو، وفي الوقت نفسه كانت نوعًا من التوقُّع؛ فإذا دفعت الناس إلى الزاوية وحاصرتهم، فمن المؤكد أنّ بعضهم سيفقد صوابه، وسيأتي وقت يُقدمون فيه على انتزاع حقوقهم بأيديهم».
ومع ذلك، يميّز رامي بوضوح بين الأشخاص الذين اقتحموا المصارف في لبنان وشخصيات فيلمه: «هؤلاء الأشخاص نراهم أبطالًا، لكن شخصياتنا ليست بطولية». ويوضح أنّ الفارق يكمن في طبيعة الفعل نفسه: «قاموا بعمل جبّار ومباشر في العلن، لا في السرّ كما تفعل بطلات فيلمنا. فكلّ شيء يجري سرًا، وفي الخفاء، ليلًا، ووفق تخطيط مسبق لعملية سطو مُحكَمة».
وبالنسبة إليه، اتّخذ ما حدث في الواقع طابع الاحتجاج العلني: «كانوا يقتحمون المصارف في وضح النهار، ويحرصون على تصوير ما يجري، لتكون ردّة فعلهم واضحة وقوية. كانوا مصرّين على أنّ هذا حقهم، وما يفعلونه هو ما يجب أن يحدث. إنها حالة تظاهر وثورة حقيقية على وضع خاطئ».

إذا كان خيال الفيلم يستوحي من الواقع، فإن الواقع عاد ليقتحم عملية صناعته نفسها. وكان ذلك أحد أبرز التحدّيات التي واجهها فريق العمل؛ فبعد شهر من بدء التحضيرات للتصوير في لبنان عام 2024، اندلعت الحرب. تقول نورا: «لم نكن نعرف ما إذا كان سيكون لدينا فيلم أصلًا».
اضطر فريق العمل إلى مغادرة البلد، والانتظار نحو ستة أشهر قبل أن يتمكّن من العودة واستئناف التصوير. لكن القرار ظلّ واضحًا: ما دام الفيلم عن لبنان، فلا بدّ من تصويره فيه. تقول نورا: «كان مهمًا بالنسبة إلينا أن نصوّر في مواقع حقيقية داخله، وباللهجة اللبنانية، ونستعيد أكبر عدد ممكن من الممثلين وأفراد طاقم العمل، مع الحفاظ على سلامتهم. كانت الغارات تحدث في بيروت خلال التحضيرات، وحتى في أثناء التصوير. وفي إحدى الليالي، بينما كنّا نصوّر مشهدًا مهمًا، وصلنا خبر عن قرب تنفيذ ثماني غارات جوّية. كان علينا أن نقرّر ما سنفعله، وقرّرنا مواصلة التصوير».
وتضيف: «كنّا محظوظين؛ فرغم قربنا الشديد من المواقع التي كانت تتعرَّض للغارات في بيروت، والتي يمكن عادة سماع أصواتها حتى من مسافات بعيدة جدًا، فإن طبيعة الصوتيات في الحيّ الذي صوّرنا فيه كانت مختلفة، فلم نسمع شيئًا، ولم تتأثّر التسجيلات الصوتية».
ومع ذلك، ظلّ الخوف حاضرًا في كل يوم من أيام التصوير. تقول نورا: «كان التحدّي أن نتعامل مع كل يوم على حدة، من دون أن نعرف ما الذي سيحدث غدًا». حتى العمل في موقع التصوير بات مرتبطًا بمتابعة الأخبار: «كنتُ أستيقظ كل صباح وأضطر إلى متابعتها لأعرف ما الذي سيحدث. لم يكن الأمر يقتصر على مراجعة جدول التصوير أو خطة الإنتاج؛ كان عليّ متابعة الأخبار والتطوّرات الجيوسياسية لأعرف ما الذي ينبغي علينا فعله».
وفي مواجهة هذا القدر من عدم اليقين، كان هناك أمر واحد لا يتركه رامي للمصادفة: التحضير للفيلم. تصفه نورا بأنه «مخرج يستعدّ بدقة شديدة، ويُعدّ مسبقًا تقسيم المشاهد إلى لقطات، وقائمة اللقطات، وحركة الكاميرا والممثلين، بعناية كبيرة. يتولّى كلّ شيء بنفسه وبالتفصيل، وهذا مفيد جدًا في مكان مثل لبنان، حيث نحتاج إلى الاستعداد لأي طارئ».
ويوضح رامي المساحة التي تركها للارتجال: «لم نترك مجالًا كبيرًا لذلك، وإنما محدودة نسبيًا، ربما عشرة في المائة فقط، في ما يتعلّق بحركة الكاميرا، وموضعها، وكيفية تحرّكها وتحرّك الممثلين معها، وسائر هذه التفاصيل. كان كل شيء مدروسًا ومخطّطًا له على الورق».
أما انضمام الممثل والمنتج الأميركي جورج كلوني إلى الفيلم منتجًا منفّذًا، فلم يكن نتيجة سعي صنّاعه إلى استقطاب اسم كبير، وإنما جاء بعدما قطع المشروع شوطًا طويلًا. فقد كانت سارة بوين، رئيسة قسم الأفلام في شركة «سموك هاوس بيكتشرز»، التي أسّسها كلوني مع غرانت هيسلوف، تتابع أعمال رامي ونورا السابقة. وقرأت سيناريو الفيلم، وطلبت مشاهدته بعد اكتماله.
يقول رامي: «انتهينا من الفيلم وأرسلناه إليها لتشاهده. وكانت ردّة فعلها إيجابية جدًا، فعرضته على هيسلوف، الذي عرضه بدوره على كلوني، وقد أحبّ الاثنان الفيلم كثيرًا». ويضيف: «شرف كبير جدًا لنا أن تكون شركتهم (سموك هاوس بيكتشرز) معنا في الفيلم».
اقرأ أيضا: «غضب» لرامي قديح… أكثر من فيلم سطو!