ثلاث ساعات ونصف، باستراحة في المنتصف كأنها فاصل بين حياتين، هي المدة الرسمية لفيلم «داو» (Dau) الذي عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية. لكن الرقم لا يعني شيئاً أمام الحقيقة الأكبر، أن ما نراه على الشاشة هو الطرف الظاهر فقط من مشروع استغرق أكثر من عشرين عاماً، وابتلع مئات الممثلين وآلاف الكومبارس ونحو سبعمئة ساعة من المادة المصورة، قبل أن يتكثف في هذا الشكل الذي كان أمام أعيننا.

المخرج الروسي إليا خرجانوفسكي أراد أن يبني للعالم السوفياتي ليف لانداو عالماً كاملاً يعيش فيه. عام 2008 شُيّد في خاركيف أضخم موقع تصوير في أوروبا، أُطلق عليه اسم «المعهد»، وسكنه الممثلون وأناس عاديون لم يكونوا ممثلين أصلاً لسنوات، بملابس تلك الحقبة وطعامها وتراتبيتها وحتى جهاز أمنها الداخلي. كان محاولة لإعادة تركيب الاتحاد السوفياتي جزيئة جزيئة، وإخضاع من يعيشون فيه لقوانينه الخفية والمعلنة على حد سواء. من هذه التجربة الغريبة خرجت أفلام ومسلسلات وأعمال تركيبية عديدة، عُرض أولها في باريس عام 2019، ثم «داو. ناتاشا» و«داو. ديجينيراتسيا» في برلين عام 2020 وسط ضجة لم تهدأ منذ ذلك الحين.
الفيلم الذي نراه اليوم هو، كما يصفه خرجانوفسكي نفسه، «السفينة الأم» لكل هذا الكون. فيه يؤدي قائد الأوركسترا اليوناني تيودور كورنتزيس دور لانداو، من شاب واعد في لينينغراد عام 1928 إلى عجوز أنهكته الدولة عام 1968، مروراً بانتقاله إلى خاركيف ثم إلى معهد أبحاث سري في موسكو حيث يشارك في تطوير القنبلة الذرية. القصة، إن جاز تسميتها قصة، تتبع رجلاً يظن أن موهبته تمنحه هامشاً من الحرية خارج سيطرة النظام، عبر عمله وعبر علاقاته العاطفية المتعددة خارج زواجه من نورا (رادميلا شوغوليفا)، فيما يقف جهاز المخابرات، متجسداً في شخصية حقيقية سابقة بشحمها ولحمها، مراقباً كل شيء.

يمنح «داو» أفضل ما لديه بصرياً في نصفه الأول تحديداً، قسم اشتغل عليه ثلاثة مديري تصوير مختلفين وثلاثة مصممين للإنتاج، كل واحد منهم كُلّف بنقل الفروق الدقيقة لحقبة مختلفة من حقب الاتحاد السوفياتي. هذا التوزيع نفسه يفسّر لماذا يبدو الفيلم أشبه بكائن بصري متعدد الطبقات لا بعمل موحّد النبرة، اللقطة الواسعة والمشاهد الجماعية هي حيث يتألق الفيلم، من الحصار الأول للينينغراد، إلى مشهد لا يُنسى بلقطة أفقية بالكامل حيث يسير الناس بأجسادهم المائلة وكأنهم يتحدون قوانين الجاذبية، إلى مشهد السباق المحموم نحو المحطة كي لا يفوت الركاب القطار إلى موسكو، وصولاً إلى انفجار أنبوب الصرف الصحي وما يليه من فيضان يجتاح الإطار بأكمله. وحين يأتي المونتاج ليمزج مواد صُوّرت قبل خمسة عشر عاماً بلقطات حديثة، فإن الزمن نفسه يفقد ثباته، ويتحول الفيلم إلى كتلة بصرية حية، قادرة على تغيير شكلها وكثافتها أمام أعيننا، وهذا بالضبط ما يمنح «داو» رهبته، نحن أمام آلة سينمائية ضخمة.
«داو» أقرب ما يكون إلى المعجزة. عمل يتجاوز فكرة الفيلم الواحد ليصبح سؤالاً مفتوحاً عن حدود ما يمكن للسينما أن تحتمله، وعن الثمن الذي يدفعه صانعوها حين يقررون ألا يكتفوا بتصوير نظام شمولي، بل يعيدون إنتاج آلياته ولو جزئياً لكي يفهموه من الداخل.
اقرأ أيضا: «أنظر إلى الوراء»… كوريدا يرسم الطفولة بحبر الفقد