يستعيد الجمهور بين حين وآخر حلقات «طاش ما طاش» التي عُرضت خلال التسعينات وبدايات الألفية، بكثير من التقدير والاحتفاء المُستَحقَيْن. وغالبًا ما يتركّز الثناء على ميزتين أساسيتين: قدرته الكبيرة على الإضحاك، وجرأته في الاقتراب من قضايا المجتمع.
ربما يقول بعضٌ إنّ هذا الاحتفاء ليس سوى نوع من «النوستالجيا»، لكنه، في رأيي، يتجاوز الحنين إلى زمن مضى. فالناس يعودون إلى «طاش ما طاش» لأنه عرف كيف يلتقط تفاصيل المجتمع وتناقضاته، ويحوّلها إلى كوميديا يفهمها الجميع. اقترب من مشكلات التعليم والصحة والإسكان والبطالة والبيروقراطية والمؤسّسات الدينية، وانتقد ممارسات اجتماعية ومؤسّسية، من دون أن يفقد خفّته وسخريته أو ينزلق إلى خطاب وعظي مباشر.
بالطبع، لم تكن جميع حلقاته بالمستوى عينه، ولم يكن المسلسل محصّنًا من النقد، لكنه امتلك، في أفضل مراحله، قدرة نادرة على الجمع بين الشعبية والجرأة. كان يُضحك الناس، ثم يتركهم يتجادلون حول القضية التي طرحها.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس: هل يمكن إعادة «طاش ما طاش»؟ وإنما: هل يمكن أن يظهر عمل جديد يمتلك جرأته؟
ولنطرح السؤال بصراحة أكبر: هل تسمح طبيعة الإنتاج الحالية، وحسابات القنوات والمنصات، وحساسية المؤسّسات، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي، بصناعة عمل يقترب من القضايا العامة والخاصة بمثل هذه الجرأة والصراحة؟
صحيح أنّ المجتمع تغيّر، واتّسعت مساحة الحديث في كثير من الموضوعات، لكنّ صناعة الكوميديا الناقدة لم تصبح بالضرورة أسهل؛ فقد ازدادت الحسابات والحساسيات، وأصبحت ردود الفعل أسرع وأكثر تأثيرًا في مصير الأعمال وصنّاعها.
وبات الجميع، من الجهات التنظيمية والوزارات إلى القنوات والمنصات والمنتجين، يخشى حتى الاحتمال الضئيل للاصطدام بأفكار المجتمع أو عاداته وتقاليده. فوسم واحد على منصة «إكس» قد يتحوّل إلى حملة تهدّد المسيرة المهنية، وتغلق أبوابًا كثيرة وتبدّد فرصًا عدّة.
أسمعُ أحيانًا من بعض المسؤولين أنّ الاستجابة لهذه الضغوط تحمي المجتمع وتحمي الشخص، لكنني أرى أنها تزيد المجتمع هشاشة وحساسية تجاه أيّ طرح مختلف؛ فيُساء تفسير العمل، ويُنظَر إلى الرأي المخالف على أنه استفزاز أو إساءة، لا فرصة للنقاش وإعادة النظر في ما اعتدنا عليه.
وهنا تكمن المفارقة: أصبح المجتمع أكثر انفتاحًا في حديثه العلني عن كثير من قضاياه، فيما تبدو الدراما أحيانًا أقل قدرة على تمثيل هذا الواقع كما هو. والرقابة لا تأتي من جهة واحدة؛ فهناك رقابة المُنتج والمنصة والمعلِن، ورقابة المؤسّسات التي قد تكون هي نفسها موضع النقد، فضلًا عن رقابة الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يمكن اجتزاء مشهد من سياقه وتحويله خلال دقائق إلى قضية تستدعي التبرير أو الاعتذار.

هل تذكرون اعتذار المخرج مشعل الجاسر عقب الجدل الذي أثاره فيلمه الرائع «ناقة»؟
وبعيدًا عن تفضيلي الشخصي للفيلم، واعتباري إياه أحد أهم الأعمال السينمائية السعودية والعربية في السنوات الأخيرة، فإنّ ما تعرّض له «ناقة» من هجوم قاسٍ، في ظلّ غياب حماية حقيقية لصنّاعه أو دفاع واضح عن حقهم في التعبير، يستدعي التوقف طويلًا عند طبيعة هذا الهجوم ودوافعه. فهل كان الاعتراض فعلًا على ما يطرحه الفيلم؟ أم أنّ وجود امرأة في مركز الحكاية، بشخصية أكثر استقلالًا وجرأة، كان جزءًا من المشكلة؟

يصعب تجاهل هذا السؤال حين نتذكر أنّ «مندوب الليل» تناول شخصية بائع خمور، وأنّ «الهامور» قدَّم محتالًا يعيش حياة أكثر انفتاحًا، من دون أن يتحوَّل وجود هاتين الشخصيتين الذكوريتين إلى سبب لهجوم مماثل.
ومنذ «ناقة»، لم يُعلن مشعل الجاسر عن مشروع سينمائي جديد، فيما برز حضوره في إخراج إعلانات تجارية ووطنية قدَّم من خلالها أعمالًا لافتة. ولا نعرف إن كان للهجوم الذي تعرّض له الفيلم أثر في ابتعاده عن السينما، لكنّ غياب صوت بهذا القدر من الاختلاف والجرأة يدعونا إلى التساؤل عن المناخ الذي ينتظر صنّاع الأفلام عندما يقدّمون أعمالًا تثير الجدل.

أذكرُ أنني في العام الماضي خلال مشاركة الفيلم السعودي «هجرة» في «مهرجان فينيسيا»، وما حظي به من حفاوة جماهيرية وإشادة في الصحافة العالمية، دخلتُ في حديث مع أحد الأكاديميين المتخصّصين في السينما، ففاجأني بقوله: «هذا الفيلم يسيء إلى السعودية، كيف يُظهر فتاة تهرب مع حبيبها بينما كانت في طريقها إلى الحج؟».
لم يناقش الفيلم على أنه عمل درامي، ولم يتوقّف عند معالجته أو لغته السينمائية، وإنما اختزل الحكاية كلّها في سلوك إحدى شخصياته، وتعامل معه كأنه صورة تعكس المجتمع بأكمله أو إساءة موجَّهة إلى البلد.
وهذا النوع من التلقّي ربما يكون أشد تأثيرًا من الرقابة المباشرة، لأنه يُحمّل العمل الفنّي مسؤولية أخلاقية ووطنية عن كلّ ما تفعله شخصياته، وكأن إظهار الخطأ، إذا اعتبرناه خطأ، يعني تبريره، وتصوير سلوك موجود في الواقع يعني الدفاع عنه. وإذا كانت الشخصية الدرامية مُطالَبة دائمًا بأن تكون نموذجية، فما الذي يبقى للدراما كي تقوله؟

ولمعرفة مستوى التحفّظ الذي تخضع له الأعمال اليوم، يكفي أن نتأمل طريقة التعامل مع مَشاهد التدخين في الأفلام والمسلسلات السعودية. ففي مسلسل «أحمر وأبيض» وفيلم «عكس سير»، وكلاهما مصنّف لمن هم فوق 18 عامًا، قد تظهر السيجارة في يد الشخصية أو مشتعلة في الطفاية، لكن من دون أن نراها تُدخَّن أمام الكاميرا. وهذا مثال بسيط جدًا.
في المقابل، لا نشاهد المستوى نفسه من التحفّظ في الأعمال العربية الأخرى المعروضة على المنصات أو في صالات السينما، رغم تقارب الثقافات العربية وتشابكها في كثير من العادات والقيم الاجتماعية. ولا أقول ذلك مطالبةً بزيادة الرقابة على الأفلام غير السعودية، وإنما أدعو بوضوح إلى منح العمل السعودي المساحة نفسها، وألّا يخضع لمعايير أشدّ صرامة لمجرّد انتمائه إلى صناعة محلّية.
ولا يتعلّق الأمر هنا بالدفاع عن مَشاهد التدخين قطعًا، وإنما بصدق الصورة الدرامية حين تخضع حتى تفاصيلها الصغيرة لهذا القدر من التحفُّظ. فالمفارقة لا تكمن فقط في السماح للآخرين بما نمنعه عن أنفسنا، وإنما في مطالبة العمل السعودي بأن يكون أكثر مثالية وتحفّظًا من المجتمع الذي يصوّره، وقِس على ذلك تفاصيل كثيرة أخرى.
فإذا كانت الدراما تتردَّد في إظهار شخصية تُدخّن، فكيف ستقترب من قضايا اجتماعية أكثر حساسية؟ وكيف يمكن أن يظهر عمل بجرأة «طاش ما طاش»، فيما تضيق المساحة المتاحة أمام الكاتب والمخرج حتى في تصوير سلوك موجود في الواقع؟
ما نحتاج إليه فعلًا هو استعادة المساحة التي أتاحت ظهور «طاش ما طاش» في وقت سابق. مساحة تمنح الكاتب حرّية مراقبة المجتمع، وتتيح للكوميديا الاقتراب من المناطق الحسّاسة، وطرح الأسئلة، وإثارة شيء من الإزعاج، من دون خوف دائم من ردود الفعل.
تكمن قيمة «طاش ما طاش» في أنه تجاوز حدود المسلسل الكوميدي، ليصبح عملًا ساخرًا وناقدًا يدفع الناس إلى مناقشة مشكلاتهم بعدما يضحكون عليها. وإذا كنا نستعيد جرأته اليوم بكثير من التقدير، يبقى السؤال: هل البيئة الحالية مستعدّة لمنح عمل جديد المساحة نفسها؟
اقرأ أيضا: سنة 2026… لماذا غاب الفيلم السعودي عن المهرجانات الكبرى؟