فاصلة

مقالات

«أحمر وأسود»… عندما أكلت هوليوود نفسها في كلاسيكيات لوكارنو

Reading Time: 4 minutes

صارت عروض الأفلام الكلاسيكية والمرممة جزءًا أصيلًا من برامج أغلب المهرجانات السينمائية الكبرى، التي تتبارى في إعادة زيارة أفلام أيقونية شكلت تاريخ السينما وإلقاء الضوء على أعمال أقل نجاحًا، لم تنل ما تستحقه من نجاح وقت عرضها. لكن مهرجان لوكارنو السينمائي يتميز بين كافة المهرجانات الأخرى في كون برنامج الأفلام الكلاسيكية فيه يتجاوز كونه عرضًا لمجموعة من الأفلام القديمة، بل يمتد لما هو أوسع بكثير.

في كل عام، يختار لوكارنو موضوعًا لبرنامجه الاستعادي: حقبة من تاريخ السينما، تيار فني، أو مرحلة سياسية أثرت في الفن السابع، ليقوم المهرجان باكتشافها بشكل عميق، من خلال عدد وافر من عروض الأفلام التي تُمثل موضوع الدراسة، ونقاشات تدور حول الأفلام المعروضة، بالإضافة إلى نشر كتاب موضوع خصيصًا للمهرجان، يناقش موضوع البرنامج ويقدمه مطبوعًا لمن لم يتمكن من حضور المهرجان، أو من انشغل بالأفلام الجديدة المعروضة عن تكريس الوقت الكافي للإلمام بالبرنامج.

موضوعات الأعوام الماضية تضمنت عناوين شيقة مثل «توقعات عظيمة: السينما البريطانية بعد الحرب (1945-1960)»، «السيدة حاملة الشعلة: ستوديوهات كولومبيا (1929-1959)»، «عرض كل يوم: السينما الكلاسيكية المكسيكية (1940-1969)»، و«محبوب ومرفوض: سينما الجمهورية الألمانية الشابة (1949-1963)». دقة وتحديد العناوين كافية لتوضيح قدر التخصص في هذا البرنامج الفريد من نوعه، الذي يمنح محبي تاريخ السينما دراسة جديدة مكتملة في كل عام.

كتاب «أحمر وأسود: الملفوظون وقوائم هوليوود السوداء»
كتاب «أحمر وأسود: الملفوظون وقوائم هوليوود السوداء»

خلال الدورة التاسعة والسبعين، والتي اختتمت مؤخرًا في المدينة السويسرية، اختار لوكارنو أن يحمل البرنامج الاستعادي عنوان «أحمر وأسود: الملفوظون وقوائم هوليوود السوداء»، والذي يلقي الضوء على واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في تاريخ هوليوود، بل وتاريخ السينما في العالم بشكل عام، حيث قام المؤرخ والمبرمج وصانع الأفلام إحسان خوشبخت باختيار برنامج عروض حافل يضمن 50 فيلمًا، وتحرير كتاب جماعي شيّق، حول حقبة القوائم السوداء التي طالت أنبغ عقول السينما الأمريكية بالسجن والنفي والمنع من العمل.

حقبة سوداء

الفترة المقصودة بالطبع هي خمسينيات القرن العشرين، الحقبة التي صارت تعرف بسنوات المكارثية، نسبةً إلى السيناتور جوزيف مكارثي، عضو مجلس الشيوخ الذي قاد حملة إعلامية تتهم هوليوود بنشر الأفكار الشيوعية، تطورت إلى جلسات استماع ومحاكمات علنية دُفع فيها الفنانين للشهادة ضد زملائهم ممن انتموا للحزب الشيوعي أو امتلكوا أفكارًا تميل للاشتراكية، ليُحكم على عشرة مؤلفين ومخرجين عرفوا إعلاميا باسم «عشرة هوليوود» بالسجن لمدة عام، مع وضع أكثر من 300 فنان في قائمة سوداء يُمنع على الموجود فيها العمل داخل الولايات المتحدة، استمر أثرها طيلة الخمسينيات وتسببت في هجرة واعتزال وتغيير وظيفة الكثيرين، بخلاف من قاموا بإنجاز أعمال بأسماء مستعارة وصلت بعضها للحصول على جوائز أوسكار نالها أسماء وهمية مثل «الشجاع The Brave One» الذي فاز مؤلفه روبرت ريتش بجائزة أحسن سيناريو، ليكتشف الجميع لاحقًا أن ريتش اسم خيالي استعان به المؤلف الشهير دالتون ترامبو (من عشرة هوليوود) لتجاوز قيود المنع.

المؤلف الشهير دالتون ترامبو
المؤلف دالتون ترامبو

برنامج العروض الاستعادية في لوكارنو يلقي نظرة بانورامية على تلك الفترة العصيبة، تبدأ من قبلها بكثير، حيث يعود أقدم الأفلام الخمسين المعروضة ضمن البرنامج لعام 1939 «سيمفونية السوينغ Symphony of Swing» إخراج جوزيف هينابري. الاختيار الذي يوضح إحسان خوشبخت أسبابه في الكتاب، يحاول عرض العلاقة المعقدة التي جمعت هوليوود بالاتحاد السوفيتي، والذي كان حليفًا يُحتفى بإنجازه السينمائي قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يصير عدوًا شيطانيًا مع بدء الحرب الباردة. الكتاب والأفلام المختارة تمنح من يشاهدها فرصة نادرة لمشاهدة كيف يمكن لتقلبات السياسة أن تغير رؤية ثقافة كاملة خلال عقد واحد، وكيف كان انحياز بعض كتاب السيناريو لأفكار أخلاقية بديهية كالعدالة الاجتماعية وحقوق العمال سببًا لوصمهم باتهامات أدت في بعض الحالات لإنهاء مسيرتهم الإبداعية بأكملها.

المدهش أن دراسة خوشبخت الطويلة الشيقة التي تفتتح الكتاب تنتهي لأنه من الصعوبة بمكان أن نصف أعمال فناني القائمة السوداء بالشيوعية، فهم وإن انتمى بعضهم للحزب واعتنق أفكاره، كانوا يعملون في إطار أستوديوهات تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وفي زمن كان الطبيعي فيه أن يشارك ثلاثة أو أربعة مؤلفين في كتابة السيناريو الواحد، وهو ما يجعل تمرير أيديولوجية سياسية بعينها أمرًا بالغ الصعوبة عمليًا.

يطرح الكاتب أن الأفلام المتهمة كانت استجابة طبيعية لأزمات المجتمع الأمريكي، تحمل نزوع الفنان البديهي للعدالة والانتصار للخير، أكثر من كونها بيانات سياسية أو محاولات للتغيير، لكنها استجابات أتت في حقبة مشتعلة، كان اليمين المحافظ فيها مستعدًا للتنكيل بأي تشكيك في سردية الرأسمالية وجنتها الموعودة، أي أن أعضاء القائمة السوداء كانوا ضحايا عصرهم، لم يقصدوا أبدًا أن يدخلوا المعركة التاريخية التي وجدوا أنفسهم مضطرين لخوضها.

Trumbo (2015)
تجمعٌ لدعم «عشرة هوليوود» (1950)

عشرة هوليوود وزوايا أخرى

دراسة خوشبخت تفتتح الكتاب وتأسس لموضوعه، قبل أن يأخذنا الكتاب في رحلة ممتعة تضم 18 دراسة مختلفة تتناول القضية من زوايا مختلفة، مثل عمل الفنانين في المنفى، أفلام الدعاية السياسية خلال المرحلة، أفلام الويسترن وكيف كانت جزءًا من تجليات المعركة. عشرة من الدراسات تتناول كل منها فنانًا من «عشرة هوليوود»، راصدةً مسيرته وصولًا إلى القائمة السوداء وكيفية تعامل كل منهم مع المأزق.

كما تقوم إحدى الدراسات بالتعرض لعلاقة النجم الأشهر تشارلي تشابلن بالمكارثية، فهو وإن لم يكن ضمن العشرة المدانين، إلا أنه كان من أشهر أسماء القائمة السوداء، حيث تم التعامل معه من اللحظة الأولى باعتباره صوتًا شيوعيًا واضحًا، يُكرّس منذ أفلامه الصامتة لأزمة انسحاق الإنسان البسيط تحت عجلات الآلة والرأسمالية والديكتاتورية.

تشابلن أجبر على ترك الولايات المتحدة طويلًا، حتى عاد عام 1972 ليستلم جائزة أوسكار فخرية عن مجمل أعماله، صار الاستقبال المدهش له والذي استمر 12 دقيقة مستمرة من التصفيق صورة أيقونية لانتصار الفن الجميل مهما طال الزمن.

قراءة كتاب «أحمر وأسود: الملفوظون وقوائم هوليوود السوداء» رحلة ممتعة، لكن متعتها تزيد كلما كنت تعرف أكبر عدد ممكن من الأفلام الخمسين التي عرضها المهرجان، أو تمكنت من مشاهدة الأعمال الرئيسة منها، لتصيغ الأفلام مع الدراسات رسالة واضحة حول استحالة منع الفن الجميل، فحتى لو بلغ الأمر إلى حبس صناعه في أكثر دول العالم احتفاءً بحرية التعبير، فإن المنع قد أدخل الأفلام وصناعها التاريخ، وجعلهم موضوعًا أبديًا صالحًا للزيارة والدراسة والتحليل في كل زمان ومكان.

اقرأ أيضا: «الثوار لا يموتون»… السينما كأداة للذاكرة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق