أصبح مؤخرًا الحديث عن نمو القطاع السينمائي السعودي يبدأ غالبًا من الأرقام: عدد دُور العرض، والاستوديوهات، ومواقع التصوير، وحجم شباك التذاكر، وعدد المبيعات في المواسم.
كلّ هذه المؤشرات مهمّة، لكنها تخبرنا أساسًا عن حجم سوق السينما، وليس بالضرورة عن حجم صناعة السينما السعودية. وهناك فرق جوهري بين الاثنين.
قد نملك سوقًا كبيرة لدُور العرض التي تبيع ملايين التذاكر، ونبني الاستوديوهات، ونستضيف فيها إنتاجات عالمية، لكن يبقى السؤال الأهم: كم فيلمًا سعوديًا نصنع؟ وكم أصلًا ثقافيًا واقتصاديًا نملك نحن حقوقه وشخصياته وحكاياته وعوالمه؟
في نظري، الاستثمار الحقيقي في السينما يبدأ من الفيلم السعودي نفسه، لأنّ قيمته لا تنحصر في التذكرة التي يشتريها المُشاهد. الفيلم يمكن أن يتحوّل إلى ملكية فكرية تعيش سنوات، وتسافر مضامينها إلى الخارج، وتفتح أبوابًا اقتصادية في قطاعات أخرى.
وهنا بالذات تكمن خصوصية الاقتصاد الثقافي.
الأمر يبدو واضحًا في اليابان. فالأنيمي والمانغا ليسا مجرّد منتجات ثقافية تصدّرها اليابان إلى العالم فحسب، بل هما مدخلان إلى عالم أكبر من المنتجات والسياحة والطعام والثقافة.
والحكومة اليابانية لاحظت هذه العلاقة، ولذلك وضعت ضمن استراتيجيتها الحديثة ما تسميه تقريبًا خلق «دورة حميدة» تبدأ من المحتوى، فتستخدم الأنيمي والمانغا وغيرهما لجذب الناس إلى المناطق المرتبطة بالأعمال، ثم تربط زيارتهم بالطعام والثقافة والموارد المحلّية. وهي تستهدف تطوير نحو 200 منطقة ووجهة محلّية مرتبطة بالمحتوى الثقافي بحلول 2033.
يبدأ الأمر بشخصية أو قصة، ثم يتسع إلى العالم الذي جاءت منه. وحتى عبارة مثل: «إذا كنت تحب الأنيمي، فيجب أن تزور اليابان» تختصر حجم الارتباط الممكن بين المنتج الثقافي والبلد نفسه.
ولعلّ تركيا مثال أقرب إلينا. فقد وجدت دراسة منشورة في «Tourism Economics» قارنت أثر انتشار المسلسلات التركية على السياحة إلى تركيا من السعودية وبلغاريا، أنّ الطلب السياحي السعودي على تركيا ارتفع بصورة معتبرة بعد بثّ المسلسلات التركية، بينما لم تجد الأثر نفسه لدى البلغاريين. فالمُشاهد الخليجي لا يتعرف إلى الشخصيات فحسب، بل إلى المدن والطعام والموسيقى وطريقة الحياة، وقد يتحوّل هذا الفضول في النهاية إلى زيارة وإنفاق في قطاعات أخرى.

والسعودية تملك مثالًا واحدًا يحضرني، وهو: «مسامير». حين خرج عالمه وشخصياته إلى «موسم الرياض»، خرج الأصل الثقافي من الشاشة إلى تجربة اقتصادية وسياحية تمثلنا ضمن فعاليات الموسم.
وهذا ما يجعل الاقتصاد الثقافي مختلفًا. فأنت لا تستثمر بالضرورة في قطاع واحد، بل في أصل يستطيع أن يتحرّك بين قطاعات متعددة.
ماذا يبقى بعد شباك التذاكر؟
من هنا أعتقد أنّ أحد الأخطاء في تقييم حالة صناعة السينما السعودية هو اختزال صحتها في نمو شباك التذاكر.
شباك التذاكر يخبرنا كم أنفق الجمهور على مشاهدة الأفلام، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن صحة صناعة الأفلام المحلّية.
فالسؤال ليس فقط: كم أنفق الجمهور؟ لكن: على ماذا أنفق؟ ومَن صنع الفيلم؟ وأين تتراكم القيمة الاقتصادية؟ ومَن يملك الحقوق؟ وماذا يبقى بعد انتهاء عرضه؟

إذا كان الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب إلى أفلام أجنبية، فإنّ ارتفاع المبيعات يظلّ مؤشرًا جيدًا على نشاط دور العرض وجاذبية السوق السعودية، لكنه قد يكون مؤشرًا سلبيًا على نمو صناعة الأفلام السعودية.
كما أن إقبال الجمهور السعودي على السينما ليس اكتشافًا جديدًا؛ فهذا الجمهور نفسه كان يقطع مئات الكيلومترات إلى دول مجاورة من أجل مشاهدة الأفلام قبل افتتاح دُور العرض محليًا.
مجددًا، هناك فرق بين أن تكون لديك مبيعات سينمائية في السعودية، وأن تكون لديك أفلام سعودية.
فقد تكون لدينا دُور عرض ناجحة اقتصاديًا، وموزّعون يحقّقون إيرادات جيدة، وبنية تحتية جذابة للأفلام العالمية، بينما تظلّ قدرتنا محدودة في إنتاج أفلام محلّية بشكل مستدام.
وهنا أعتقد أن السؤال يجب أن يتغير من: كم تبلغ قيمة سوق السينما في السعودية؟ إلى: ما حصة الفيلم السعودي من هذا السوق؟ ومَن يملك القيمة التي ينتجها؟
فالفيلم المحلّي يمكن شخصياته وعوالمه أن تتحوّل لاحقًا إلى أجزاء أخرى أو أعمال مشتقة أو ملكيات فكرية ذات قيمة.
والأهم من ذلك أنه يحمل معه شيئًا لا تستطيع الأفلام المستوردة أن تنتجه لنا: تصوّرنا عن أنفسنا.
فالسينما من أكثر الفنون قدرة على تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة إلى ذاكرة ثقافية؛ شكل المدينة، وطريقة الحديث، والملابس، والموسيقى، والعلاقات الاجتماعية، والطعام، وحتى الأشياء التي لا ينتبه إليها المجتمع في لحظتها، لكنها تصبح بعد سنوات سجلًا بصريًا لمرحلة كاملة.
وقد يشاهد شخص في بلد آخر فيلمًا سعوديًا، فيصبح فضوليًا تجاه المدينة التي جرت فيها الأحداث، أو الموسيقى التي سمعها، أو الطعام الذي تناوله أبطاله، أو اللهجة التي تحدثوا بها، وربما تجاه السعودية نفسها.
فكلما كانت الحكاية صادقة في محلّيتها، أصبحت أكثر قدرة على السفر.
هذه إحدى صور القوة الناعمة، التي في رأيي لا تُصنع بمحاولة تقديم صورة مثالية أو دعائية عن البلد، بل عندما نصنع ما يكفي من الأعمال التي تعبّر عن المجتمع كما هو؛ بأفراده وتناقضاته وذاكرته وأحلامه ومخاوفه.
لا صناعة بلا تراكم
إذا اتفقنا على أن الفيلم السعودي أصل ثقافي واقتصادي، فكيف نبني رصيدًا حقيقيًا من هذه الأصول؟
بالنسبة إليّ، الإجابة تبدأ من التراكم. فلا يمكن بناء صناعة سينمائية من خلال فيلم أو فيلمين كلّ عام، كما لا يمكن لصوت سينمائي أو تجربة إنتاجية أن تنضج من محاولة واحدة.
الكاتب يحتاج إلى أن يكتب فيلمًا ثم آخر، والمخرج يحتاج إلى أن يصوّر ويخطئ ويتعلّم ثم يعود بفيلم جديد، والمنتج يحتاج إلى اختبار نماذج مختلفة للتمويل والإنتاج والتوزيع، والطواقم الفنية تحتاج إلى الانتقال من مشروع إلى آخر حتى تتحوّل المعرفة الفردية إلى خبرة داخل الصناعة.
وحتى الجمهور يحتاج إلى الوقت وعدد كافٍ من الأفلام حتى يبني علاقته مع السينما المحلّية.
ولهذا فإنّ بعض الأفلام السعودية التي لا تحقق عائدًا ماليًا كبيرًا اليوم قد تكون ذات قيمة عالية للصناعة بعد سنوات، لأنها أضافت تجربة جديدة إلى مجموع التجارب.
ولعلّ فرنسا مثال مهم هنا. فعام 2024 اعتُمد 309 أفلام فيها، واستحوذت الأفلام الفرنسية على 44.8% من سوق دُور العرض المحلّي. والأهم بالنسبة إليّ هو أنّ جزءًا من منظومة الدعم الفرنسية يقوم على مبدأ بسيط: أن يعود جزء من القيمة التي يحققها استغلال الأفلام إلى تمويل أفلام أخرى وإنتاجها وتوزيعها. بمعنى أن الفيلم لا يُنظر إليه فقط على أنه مشروع ينتهي حسابه بعد عرضه، بل جزء من دورة تساعد على صناعة الفيلم التالي.
وهذا قريب من الفكرة التي أعتقد أننا نحتاج إليها في هذه المرحلة. فالاستدامة المالية عبر شباك التذاكر ليست نقطة البداية لصناعة لا تزال تبني خبرتها وجمهورها، بل نتيجة يفترض أن تأتي بعد سنوات من الإنتاج والتجربة والتراكم عبر المنح والتشريعات التي تمكّن إنتاج الفيلم السعودي.
نحتاج إلى أفلام أكثر
من هنا أعتقد أن استراتيجية تنمية قطاع الأفلام السعودي يجب ألا تنظر فقط إلى زيادة حجم السوق السينمائية، بل الأهم في رأيي هو تسريع إنتاج الفيلم السعودي نفسه.
الهدف في هذه المرحلة ليس أن نثبت أنّ كلّ فيلم سعودي قادر على تحقيق ربح كبير. الهدف أن نخلق بيئة تجعل إنتاج الفيلم السعودي ممكنًا، ومتكررًا، وقادرًا مع الوقت على المنافسة.
ولهذا أرى أهمية وجود طموح واضح لعدد الأفلام السعودية التي نريد إنتاجها سنويًا، حتى لو تطلّب ذلك في هذه المرحلة تكثيف المنح والتمويل والحوافز التي تشجع المنتج المحلّي على المخاطرة.
وليس المقصود الوصول إلى رقم بيروقراطي جديد نحتفل به في نهاية العام؛ فلدينا من الأرقام التي تحتفل بنفسها ما يكفي. الغاية هي ضمان استمرار تدفق الأفلام.
لكن علينا أيضًا أن نتذكر طبيعة المنافسة التي يدخلها الفيلم السعودي.
فهو لا يبدأ من النقطة نفسها التي تبدأ منها أفلام آتية من صناعات عمرها عشرات السنوات، وتملك نجومًا معروفين، وملكيات فكرية راسخة، وميزانيات ضخمة، وشبكات توزيع عالمية. ولذلك فإن منح الفيلم المحلي مساحة للنمو والعرض ليس خروجًا عن منطق السوق، بل هو جزء من بناء صناعة تستطيع يومًا ما المنافسة داخله.
ومن هذا التراكم ستظهر أيضًا الهوية السينمائية السعودية.
فالهوية لا تُصنع بقرار إداري، ولا بقالب بصري نفرضه على الأفلام. تظهر عندما يصبح لدينا ما يكفي من الأعمال حتى نرى الأشياء المشتركة بينها والاختلافات أيضًا؛ عندما نرى مدننا ولهجاتنا وطبقاتنا الاجتماعية وشخصياتنا وقصصنا من خلال عشرات الأصوات المختلفة.
حينها يستطيع المُشاهد المحلّي والأجنبي أن يرى فيلمًا ويشعر بأنه سعودي، ليس لأن أحدًا أخبره بذلك، وإنما لأنّ الحكاية والشخصيات والتفاصيل جاءت من بيئة حقيقية.
ولهذا فإن الاستثمار في الفيلم السعودي لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعم مؤقت لمنتج غير قادر على المنافسة، وإنما استثمار طويل المدى في أصول ثقافية واقتصادية لم تأخذ بعد الوقت الكافي لتراكم قيمتها.
في النهاية، لا أعتقد أنّ التحدّي أمام السينما السعودية هو أن نكبر سوقها فقط، بل أن نزيد ما نملكه نحن داخل هذه السوق. فكلّ فيلم سعودي جديد لا يضيف عنوانًا آخر إلى شباك التذاكر فحسب، وإنما يضيف تجربة إلى صنّاعه، وخبرة إلى شركاته، وعلاقة جديدة مع جمهوره، وربما حكاية أو شخصية تستطيع أن تتحوّل مع الوقت إلى أصل ثقافي واقتصادي يمتد أثره إلى خارج السينما وإلى العالم.
اقرأ أيضا: 920 مليون ريال لشباك التذاكر السعودي… ماذا تكشف أرقام 2025؟