تداول كثيرون بفرح خبر تعاقُد الفنان ناصر القصبي على بطولة المسلسل السعودي «العقيلات»؛ وهو عمل تاريخي يستعرض سيرة العقيلات ورحلاتهم بين نجد والشام. خبر يبدو امتدادًا طبيعيًا لمسيرة نجم ظلَّ لعقود الواجهة الأبرز للدراما السعودية، ويُعيد التذكير بنجاح «العاصوف» الذي اشتغل على تحوّلات المجتمع السعودي بين الخمسينات والسبعينات.
لكن، خلف هذا الامتداد المألوف، تختبئ مفارقة أكثر عمقًا. ففي عام 2009، قال القصبي في حوار نشرته جريدة «الرياض» جملة تبدو اليوم كأنها موجّهة إليه أكثر من أي وقت مضى: «الأعمال التلفزيونية لا تخلّد الفنان… ما يُخلّده هو السينما».
وفي حوار لاحق، أشار إلى أنّ حلقة «خالي بطرس» من «طاش ما طاش» كانت تحمل مقوّمات فيلم سينمائي. أي أنّ الفكرة لم تكن غائبة عنه، إذ كانت حاضرة بوعي كامل، لكنها لم تتحوَّل إلى تجربة.

وحين نستعيد مسيرة ناصر القصبي، تتكشّف محطات عدّة تؤكد رغبته السينمائية المكنونة. من بينها مشروع «سنين الرحمة» مع المنتج صالح الفوزان، الذي ظلَّ لسنوات مؤجّلًا قبل أن يتحوَّل إلى مشروع يكاد يُطوى دون أمل في إحيائه. كما تحضُر مشاركته في برنامج «بعيون سعودية» عام 2013، الذي دعم صنَّاع الأفلام السعوديين، وكشف عن اهتمام مُبكر منه بالسينما بكونها أفقًا مختلفًا لما يُمكن أن يقدّمه الفنان.
كل ذلك يضع القصبي أمام مفارقة لافتة: فنان يدرك تمامًا موقع السينما في صناعة الخلود والمجد، لكنه لم يخُض تجربتها حتى الآن. وإنما السؤال الذي لا بدَّ من طرحه هو: كيف لفنان يعرف السينما وأهميتها أن يظلَّ خارجها كل هذا الوقت؟
مسيرة مكتملة… إلا
حين تنظر إلى مسيرة ناصر القصبي، ترى تقريبًا كل شيء… إلا السينما.
أربعة عقود من الحضور المتواصل، عبر عشرات المسلسلات والسهرات التلفزيونية التي اقتربت أحيانًا من شكل «الفيلم التلفزيوني»، مثل «راحت علينا نومة» و«حمود ومحيميد»، إلى جانب تجربة مسرحية طويلة ابتعد عنها مدّةً ثم عاد إليها بقوة في السنوات الأخيرة بفضل دعم موسم الرياض وهيئة الترفيه.

بلغ ذروة حضوره مع «طاش ما طاش»، قبل أن يواصله في أعمال مثل «العاصوف»، و«سيلفي»، و«ممنوع التجول»… مسيرة ممتدَّة، متجدِّدة، وقادرة على مواكبة التحوّلات.
إذًا، هي في ظاهرها مسيرة مكتملة بين وسيطين: التلفزيون والمسرح. لكنها تظلُّ ناقصة في موقع واحد حاسم… السينما.يمكن تبرير هذا الغياب في الماضي ببساطة: لم تكن هناك سينما. جيل القصبي نشأ في بيئة لا تملك صناعة سينمائية حقيقية، ولا حتى إمكانية تجربة مُكتملة. لذلك بدا الحديث عن «المرحلة» و«الظرف» مقنعًا. وإنما اليوم تغيَّر كلّ شيء.
السينما في السعودية أصبحت واقعاً . صالات العرض من الأكبر عربيًا، وحجم الإنتاج في تصاعد مستمر، بدعم رسمي واضح، وحضور متنامٍ للمهرجانات، وإيرادات تتصدر المشهد عربيًا. والأهم من ذلك، أن جيلًا جديدًا من المخرجين بدأ يبلور لغته الخاصة، ويصل بأفلامه إلى منصات ومهرجانات عالمية.
ذلك يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إذا لم يكن الآن، فمتى؟
من النجم إلى الممثل
هنا يكمن التحوّل الأصعب، وربما السبب في تأجيل الخطوة. في التلفزيون، وكذلك في المسرح، كان القصبي النجم والمحرّك الأساسي للعمل؛ تُبنى الحكاية حوله، يُضبط الإيقاع على حضوره، وتبقى الكلمة الأخيرة له. أما في السينما، فالمعادلة تنقلب. المخرج هو مَن يقود الدفة، هو «العقل المُدبّر» للعمل، بينما يتحوَّل النجم إلى جزء من رؤية أكبر. السينما لا تحتاج القصبي «النجم» فقط، بل تحتاج القصبي «الممثل»، وهذا انتقال عند البعض ليس سهلًا.
مشهد يتحرّك ونجم ثابت
في السنوات الأخيرة، تحرّك المشهد من حول القصبي بسرعة لافتة؛ مخرجون وممثلون جدد، وتجارب تشق طريقها إلى مهرجانات العالم، وسينما سعودية بدأت تفرض حضورها داخليًا وخارجيًا.
والمفارقة أنّ ناصر القصبي، الذي مهَّد بجرأته لمرحلة الانفتاح الدرامي، وتجاوز كونه مجرد كوميديان وإنما فنان خاض إحدى أصعب المواجهات مع الخطاب الديني والاجتماعي. تعرَّض لهجوم حادّ وبلغ الأمر حدّ صدور فتاوى تكفير بحقّه، في زمن كانت فيه تكلفة المواجهة أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.
وليس دقيقًا اختزال تلك المرحلة في كونه شخص «مدعوم».حتى لو وُجد دعم، فإن تبعات تلك المواجهة كانت أكبر بكثير من أي غطاء ممكن. لقد كانت لحظة مفصلية أعادت تعريف القصبي: من ممثل كوميدي إلى فنان واعٍ، يشتبك مع الواقع، ويصطدم بالرقابة الرسمية والمجتمعية في آن واحد.
ومع ذلك، بينما كان المشهد السينمائي السعودي يتشكَّل ويتسارع من حوله، بقي خارج إطاره.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: فنان بهذه الجرأة وهذه الشجاعة وبهذا التاريخ في كسر الحواجز، لم يكن جزءًا من اللحظة السينمائية التي تُشبهه أكثر من أي وقت مضى.

في المقابل، اقتحمت أسماء جديدة المشهد، وقدَّمت أفلامًا حجزت لنفسها مكانًا في المهرجانات العربية والعالمية، بينما بقي القصبي على مسافة آمنة داخل منطقته المألوفة: الموسم الرمضاني، ومسلسل كلّ عام أو عامين، غالبًا ضمن الكوميديا الاجتماعية التقليدية. وهذا الثبات، الذي كان في الماضي مصدر قوة واستمرارية، تحوّل اليوم إلى عبء فنّي يحدّ من مساحة التجريب والتجدّد.
حتى رفيق دربه عبد الله السدحان بدأ يوسّع خياراته، ويخوض تجارب مختلفة، ويقترب من السينما، كما في حضوره الأهم بفيلم «نورة» ومشاركته في السجادة الحمراء في مهرجان «كانّ» في لحظة لاتنسى في السينما السعودية.
أما القصبي، فبقي حيث هو. في موقع مريح، لكنه ثابت، لا يتقدَّم.
ورغم ترقّب مشاركته في فيلم “Seven Dogs”، المتوقَّع عرضه في صالات السينما قريبًا، فإن هذه الخطوة ـ على أهميتهاـتأتي في إطار مشاركة أقرب إلى الحضور الشرفي، لا بطولة مطلقة تُعيد تعريفه سينمائيًا.ومع ذلك، يصعب إخفاء الشعور بالفرح تجاه هذا الظهور؛ ليس لأنه يحقق الطموح الكامل، بل لأنه يفتح الباب ـ ولو جزئيًا ـ أمام لقاء طال انتظاره بينه وبين الشاشة الكبيرة.
ممَّ يخشى القصبي؟
لا شكّ أنّ السينما السعودية تحتاج إلى ناصر القصبي، لكن الأهم أنّ القصبي يحتاج إلى السينما. هي المنصة الطبيعية لمسيرة فنان يمتلك هذا الحسّ الدرامي وهذا التاريخ الجماهيري.
فالقصبي يمتلك كلّ عناصر الحضور السينمائي، من الكاريزما والذكاء، إلى العمق والقدرة على قراءة المجتمع، إلى جانب جماهيرية واسعة.
وإذ يُطرَح السؤال: مَن يضمن نجاحه في السينما؟ يبقى أنّ وجوده بصفته بطلًا في أيّ مشروع سينمائي يبدو رهانًا شبه مضمون. بل إنّ كثيرًا من المخرجين والمنتجين، ومنهم مَن حقق نجاحات كبيرة في السينما السعودية ، ينتظرون إشارة واحدة منه.
لكن المسألة لا تتعلّق بالحضور لمجرد الحضور لكن حضور يليق بنجومية القصبي ويكون في توظيف هذا الحضور.
الرهان الحقيقي يكمن في الاختيار: اختيار مشروع سينمائي مختلف، خارج الدائرة المعتادة، وبعيد عن الأسماء التي تكرّرت معه لأكثر من خمسة عشر عامًا.الإطار:
مشروع سينمائي مختلف، خارج الدائرة المعتادة، وبعيد عن الأسماء نفسها التي تكرَّرت معه لأكثر من خمسة عشر عامًا.
نعرف أن القصبي مفتون بتجربة عادل إمام، وهو افتتان مفهوم؛ فهذه إحدى أكثر المسيرات اكتمالًا عربيًا. لكن ما ميّز تجربة «الزعيم»، بعيدًا عن نجاحها الجماهيري، هو قدرته المستمرّة على التجدّد عبر تغيير فرق العمل، والتعاون مع كتّاب ومخرجين جدد في كلّ مرحلة، وخوض السينما بجرأة جعلتها جزءًا أساسيًا من إرثه. وهنا تحديدًا يكمن الدرس الذي لم يُستَكمل بعد.
قالها ناصر القصبي قبل سنوات: “السينما هي التي تُخلّد الفنان”. واليوم، تبدو هذه الجملة أقرب إلى سؤال مفتوح قد يحمل شيئًا من المبالغة، لكنه يظل قائمًا: هل سيختار الخلود، أم يكتفي بما صنعه بالفعل؟ صحيح أن لدى القصبي رصيدًا كبيرًا يجعله حاضرًا في ذاكرة جمهوره، لكن كمحبين له، يظل الطموح أكبر… أن نراه حيث أراد لنفسه يومًا أن يكون: في فيلمٍ سينمائي… يليق به، ويليق بكل هذا الانتظار.
اقرأ أيضا: ناصر القصبي ممثلًا سينمائيًا للمرة الأولى