فاصلة

مقالات

«في مزاج الحبّ»… حكاية ترويها فساتين السيدة تشان

Reading Time: 6 minutes

في ممرات هونغ كونغ الخانقة، حيث يعبق الهواء بالرطوبة الاستوائية وتتردّد أصوات أحجار الماهجونغ بلا انقطاع، تبتعد مأساة وونغ كار واي الرومانسية عن لغة التصريحات الكبرى. ثقلها العاطفي يكمن، بدلًا من ذلك، في حفيف الحرير القاسي وفي الهندسة المقيّدة لفستان ذي ياقة عالية.

يروي الفيلم حكاية جارَيْن في عمارة سكنية ضيقة بهونغ كونغ سنة 1962: تشو مو-وان، محرّر صحافي يؤدّيه توني ليونغ، وسو لي-تشين، السيدة تشان، سكرتيرة في شركة شحن تؤدّي دورها ماغي تشونغ. يكتشفان على مدى ليالٍ أنّ زوجَيْهما الغائبين على علاقة ببعضهما، فتنشأ بينهما علاقة لا يجرؤ أيٌّ منهما على تسميتها، ويتدرّبان على مواجهات لن تقع أبدًا. يطلبان الطعام فيأكلانه كلٌّ على حدة، وقلّما يلمس أحدهما الآخر. الحوار في هذا الفيلم قليل مقارنةً بأفلام وونغ الأخرى، وماغي تشونغ، التي لا تنطق بالكثير في «في مزاج الحبّ» (In the Mood for Love)، تظهر بفستان جديد في كلّ مشهد تقريبًا، حتى تصبح الفساتين نفسها هي التي تتكلم بدلًا منها.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

ثمة لقطة تتكرّر في الفيلم بفروق طفيفة نحو ستّ مرات أو أكثر: تنزل السيدة تشان درجًا حجريًا ببطء لتشتري النودلز من بائع متجوّل، وحدها في الليل، بينما يعيد كمانٌ عزف المقطع الموسيقي نفسه. ترمس شاي يتأرجح في يدها، وفستان يليق بمناسبة لا وجود لها. هذا كلّ ما يحدث. لكن ما يستحوذ على العين، مشيةً بعد أخرى، هو الفستان نفسه: مختلف في كلّ مرة تقريبًا، ملتصق بالجسد، بألوان أغنى بكثير ممّا تستدعيه نزهة ليلية لشراء النودلز. ومن هذه الحقيقة وحدها، أن ماغي تشونغ هي مَن ترتدي هذا الفستان، صنع وونغ جانبًا كبيرًا من حنين الفيلم.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

كانت تشونغ معروفة قبل هذا الفيلم بأدوار كوميدية وأدوار حركة في بداية مسيرتها، قبل أن تتّجه في التسعينات نحو أدوار أهدأ. وكانت قد ظهرت بالتشيونغسام على الشاشة من قبل، حين جسَّدت الممثلة الشنغهايية روان لينغ يو من ثلاثينات القرن الماضي في فيلم «Center Stage»، وهو دور نالت عنه جائزة أفضل ممثلة في «مهرجان برلين» سنة 1992. حين اختارها وونغ لدور السيدة تشان، كانت إذن قد اختبرت بالفعل كيف يمكن هذا الفستان أن يصبح جزءًا من أداء الشخصية. لكنّ الجمهور خارج آسيا اكتشفها هنا تحديدًا، في أداء يقوم كلّه على الوقفة والانضباط: ذقن مرفوعة، يد تُمرَّر على تنورة، جملة تُترك ناقصة، وأداة واحدة فقط تتيح لها كلّ ذلك: قدرتها على البقاء ساكنة داخل شيء باهر ومقيِّد في آن واحد.

فستان له تاريخ

يحمل فستان التشيونغسام نفسه تاريخًا لا يشرحه الفيلم. أصله شنغهايي، تبلور خلال عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته، وهاجر جنوبًا مع الخياطين الشنغهايين وزبائنهم بعد عام 1949، حين استقر كثير منهم في هونغ كونغ. وبحلول الستينات كان الطراز قد تصلّب، فصار أقرب إلى هندسة إنشائية منه إلى موضة: خصر تبرزه ملابس داخلية مُشكِّلة مثل تلك التي استخدمتها خياطة النساء الغربية حينها، وياقة صينية صلبة تضيق عند العنق وتُغلق بأزرار قماشية معقودة، وشقّ في التنورة بالكاد يسمح بالمشي. الأقمشة تتراوح بين التويد الصلب والشيفون الخفيف الذي يتحرّك مع كلّ خطوة. ووونغ نفسه يعرف هذا العالم شخصيًا لا من الكتب: وُلد في شنغهاي سنة 1958، ونقله والداه إلى هونغ كونغ وعمره خمس سنوات، بينما بقي أخ وأخت أكبر منه خلفهما، عاجزَين عن العبور قبل إغلاق الحدود، ولم تجتمع العائلة من جديد إلا بعد عقد كامل.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

السيدة تشان لا ترتدي شيئًا آخر غير هذا الفستان. كان التشيونغسام أصلًا فستان سيدات المجتمع وزوجات الأثرياء، لكنه هنا يكتسب طابعًا نفعيًا: ترتديه للذهاب إلى عملها سكرتيرةً، أو لشراء النودلز الجاهزة، فيفقد شيئًا من ارتباطه التاريخي بالطبقة الراقية ويكتسب بدلًا منه مسحة من الكآبة الحديثة. تحصل على نقشة مختلفة في كلّ ظهور تقريبًا: أزرق فاتح مرصَّع بزهور صاخبة في أول مرة نراها فيها، أبيض منقّط بالأسود لشيء أقرب إلى البراءة، تفتا بلونين زيتوني وقرمزي مطرَّز لمظهر يوم عادي، ثم دوامة من الكرزي والليموني والبنفسجي الفاتح على أرضية بيضاء لمشهد لا يتجاوز الدقيقة.

الخيّاط الصامت

صمّم وليام تشانغ سوك-بينغ الأزياء كلها. عمل تشانغ مع وونغ طوال مسيرته المهنية تقريبًا، وكان مدير إنتاج ومصمّم أزياء ومونتيرًا في الوقت نفسه، ولأنه كان المونتير أيضًا، فهو الشخص الوحيد في الإنتاج الذي تتبّع مصير تلك الأزياء طوال تصوير اشتهر بطوله وبتغيّر اتجاهه مرارًا.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

لم يحسم أحد، ولا حتى وونغ نفسه، عدد فساتين التشيونغسام التي ترتديها تشونغ في النسخة النهائية. قدّر وونغ العدد بين عشرين وخمسة وعشرين فستانًا، مضيفًا أنّ التصوير استمر طويلًا وبفوضى جعلت إلباسها أقرب إلى إقامة عرض أزياء منه إلى عمل استمرارية سينمائي معتاد. يُنسب عدد من الفساتين إلى «Linva Tailor»، متجر يفصّل فساتين التشيونغسام منذ منتصف الستينيات ويرفض حتى اليوم تأكيد أيٍّ منها بالضبط. كلّف كل فستان نحو ألفين وخمسمئة دولار، وهو سعر أقرب إلى الأزياء الراقية منه إلى ميزانية الأزياء المعتادة في الإنتاج السينمائي، لفستان قد لا يظهر على الشاشة أكثر من دقيقة ونصف الدقيقة. 

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

لم يقل تشانغ نفسه شيئًا يُذكر علنًا عن أساليبه طوال هذه السنوات. قال لأحد الصحافيين القلّة الذين اقتربوا منه: «أنا لا أحبّ الموضة، فهي زائلة»، وهو قولٌ غريب عن أزياء فيلم باتت اليوم أكثر شهرة من الفيلم نفسه في كثير من الأحيان. ربما كان ما يشغله فعلًا هو بناء الجوّ الداخلي للفيلم أكثر من إلباس نجمة سينمائية، إذ ينتقل الإحساس بمرور الزمن في الفيلم بشكل شبه حصري عبر تغييرات أزياء تشونغ، ويصعب أحيانًا فكّ شفرة القفزة الزمنية بين مشهد وآخر إلا من خلال تحوّل النقوش الزهرية لفستانها، من خطوط باهتة إلى أرجواني نابض بالحياة. وقد لازم كلّ فستان تقريبًا تسريحة شَعر خاصة به، تجعيدة صلبة منحوتة بعناية، يُقال إنها كانت تستغرق ساعات في كرسي التصفيف كلّ صباح.

قفص من حرير

ما يفعله الفستان، مشهدًا بعد مشهد، هو أنه يُبرز الجسد ويمنعه من الحركة الحرة في الوقت نفسه. يتحول فستان التشيونغسام إلى وعاء للكآبة، يجبر من ترتديه على ابتلاع حزنها والحفاظ على رباطة جأشها وسط مجتمع لا يرحم. قالت تشونغ إنّ الياقات كانت مرهقة الارتداء فعلًا، عالية وصلبة إلى حد يجعل الأكل أو تحريك الرقبة أمرًا صعبًا، ولم يبدُ أنّ تشانغ نفسه اكترث لهذا الإزعاج، بل ربما كان جزءًا مما أراده أصلًا.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

الياقة عنصر معماري تقريبًا، تصل إلى الفك وتُطوّق العنق كما تفعل ياقة رجل الدين، فتجعل الأكل أو الضحك أو الإسراع شبه مستحيل من دون أن تبدو وكأنك تصارع الفستان. السيدة تشان نادرًا ما تُرى تأكل بصحبة أحد: تطلب العشاء لعشيقة رئيسها في العمل، وترفض دعوات صاحبة البيت، وتحمل ترمس الشاي إلى كشك النودلز نفسه الذي لا نراها تأكل منه، بدلًا من أن تجلس إلى مائدة مع أحد. أما تشو فيرتدي ثيابه على أنه رجل يتدرّب على مقابلة توظيف: البدلات الداكنة نفسها، ثلاث أو أربع، وربطة العنق بالعرض نفسه في كلّ مرة. ليس له ما يستحق أن يُسمّى خزانة ثياب، بينما تحصل هي على فستان في كلّ مشهد.

ثمة مشهد، كثيرًا ما يُفرد بالذكر، تتدرّب فيه السيدة تشان على مواجهة زوجها بأمر الخيانة، بمساعدة تشو الذي يؤدّي دور الزوج كي تتمرّن على قول الكلمات بصوت عالٍ قبل أن تضطر إلى قولها فعلًا. لا تصل أبدًا إلى قولها فعلًا، وتتدرّب وهي في كامل زينتها، ظهرها منتصب، بالانضباط نفسه الذي تبدو عليه في كلّ مشهد آخر. حتى في هذا التمرين الخاص، لا يتراخى الفستان.

In the Mood for Love (2000) ‏
In the Mood for Love (2000) ‏

الفستان الوحيد الذي يخرج عن هذا النمط هو أعلى الفساتين صوتًا في خزانتها: تشيونغسام مزهر بألوان الأرجواني والأخضر والفوشي، تظهره في المشهد الأقرب إلى اعتراف حقيقي، قبل أن يفقد كلاهما شجاعته. لا شيء خفي فيه. تبلغ الخزانة أوج تشبّعها اللوني في هذه اللحظة تحديدًا، ثم تعود بعدها إلى الألوان الأكثر انضباطًا.

الكاميرا تساعد في ذلك. يصوّر وونغ ومصوروه عن قرب، مركّزين على القماش وهو يشد على خصرها وكتفيها، ويستخدمون الحركة البطيئة لالتقاط تأرجح التنورة على الدرج بسرعة غير عادية؛ وفي المقابل يصوّرونها أحيانًا مقصوصة بإطار باب أو نصف مختفية في الظل، فتُلمح هذه الملابس الاستثنائية أكثر مما تُعرَض، ونادرًا ما نراها كاملة. يناسب هذا قصة عن رغبة لا يريد أحد طرفيها مواجهتها مباشرة.

In the Mood for Love (2000) ‏111
In the Mood for Love (2000) ‏

وبحلول الوقت الذي تقفز فيه الأحداث إلى الأمام – أولًا إلى سنغافورة حيث ينتقل تشو إلى وظيفة جديدة وتصل السيدة تشان متأخّرة بالضبط بما يكفي لتفوته، ثم إلى كمبوديا التي يزورها بعد سنوات وهو لا يزال يحمل كلّ ما لم يقله لها – تكون موكبة الفساتين قد أنجزت مهمّتها. القصة تتجاوز الممر وكشك النودلز اللذين منحاها معناها، ولا أحد يشرح لماذا تتوقّف الخزانة عند هذا الحد؛ هي تتوقّف فقط.

كان كتّاب الموضة، حين صدر الفيلم، يحضّون القارئات على شراء فساتين التشيونغسام الخاصة بهن، رغم أنّ الفستان كان قد خرج إلى حد بعيد من الموضة اليومية آنذاك. أرسلت دار «فالنتينو» مجموعة أزياء إلى منصة عرض في باريس بعد سنوات، على أنغام اللحن الموسيقي نفسه للفيلم. ولا يزال محرّرو المجلات يستعينون بصور تشونغ في ذلك الفستان المزهر الأحمر والأزرق، أو المخطَّط بالنبيذي والخردلي، على أنه اختصار بصري لنوع محدّد جدًا من الأناقة. صمّم تشانغ كلّ هذه الفساتين لامرأة لم توجد قط، وبطريقة ما بقيت الفساتين حاضرة أكثر من صاحبتها.

اقرأ أيضا: «الدعوة» لأوليفيا وايلد… فيلم أجمل كثيرًا مما تتوقَّع

شارك هذا المنشور

أضف تعليق