فاصلة

مقالات

لماذا يصنع المحتوى السعودي أثرًا على «نتفليكس» أكثر من «شاهد»؟

Reading Time: 5 minutes

قبل أيام، كتبتُ في نشرة «فاصلة» عن الحضور اللافت للأعمال السعودية ضمن قوائم الأكثر مشاهدة عربيًا على «نتفليكس» خلال النصف الأول من عام 2026.

كانت المفارقة واضحة: المحتوى السعودي على «نتفليكس» ليس كثيرًا لجهة الكم، لكنه حين يحضر يُحقّق أرقامًا لافتة وتأثيرًا ممتدًا. وشاهدنا أمثلة عدّة، من فيلم «جرس إنذار» ومسلسل «الخلاط: الصحراء لا تفاوض»، إلى أعمال سابقة مثل «راس براس»، و«مسامير»، و«ناقة»؛ وكلّها حقّقت انتشارًا تجاوز حدود السوق المحلّية.

الخلاط+: الصحراء لا تفاوض
الخلاط+: الصحراء لا تفاوض (2026)

وكان سؤالي حينها موجّهًا إلى «نتفليكس»: إذا كانت الأعمال السعودية تحصد كلّ هذا النجاح، فلماذا لا تنتج المنصة مزيدًا منها؟

في منتصف الأسبوع الماضي، صدر التقرير المالي والإعلامي لنصف السنة من مجموعة «MBC». وعند استعراض الأعمال الأكثر مشاهدة على «شاهد»، تصدَّرت القائمة مسلسلات مثل «ليل»، و«ممكن»، و«أنت من أحببت»، و«ورد على فل وياسمين»، و«سستر فخرية»… ولم يكن بينها عمل سعودي واحد!

ولا نتحدَّث هنا عن غياب المحتوى السعودي عن «شاهد». العكس هو الصحيح؛ فالمنصة تنتج أعمالًا سعودية وتعرضها باستمرار، ولها تاريخ طويل مع الدراما المحلّية، سواء في مواسم رمضان أو المسلسلات الطويلة، ولا يكاد يمرُّ شهر من دون عمل جديد. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن يكون المحتوى موجودًا وأن يكون مؤثرًا.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقّف عندها: لماذا يبدو المحتوى السعودي أكثر قدرةً على صناعة الأثر والجذب على «نتفليكس» منه على «شاهد»؟

الجمهور ليس المشكلة

أهم ما تقوله لنا أرقام «نتفليكس» أنها تُسقط حجّة قديمة لطالما تكرَّرت: أنّ الجمهور العربي لا يهتم كثيرًا بالمحتوى السعودي، أو أنّ الأعمال المحلّية لا تستطيع السفر خارج حدود المملكة.

جرس إنذار: الحفرة (2026)
جرس إنذار: الحفرة (2026)

لو كان ذلك صحيحًا، لما استطاع «جرس إنذار» تصدُّر الأفلام العربية على المنصة لعامين متتاليين، ولما استمرّت الأعمال السعودية في الحضور ضمن قوائم المشاهدة الإقليمية، ولما شاهدنا قبله نجاحات مثل مسلسل «مسامير» وفيلمَي «ناقة» و«الخلاط +».

ومن هنا يصبح السؤال الموجّه إلى «شاهد» أكثر وضوحًا؛ فالمنصة هي الأقرب تاريخيًا إلى المُشاهد السعودي، ويُفترض أنها الأكثر فهمًا لثقافته، كما يمثّل المحتوى المحلّي ركيزة أصيلة في مكتبتها. ومع ذلك، حين ننظر إلى الأعمال التي تصنع الأثر الأكبر والحديث المستمر، نجد الدراما الشامية والمصرية والتركية في المقدّمة.

ربما لا يكمن الفارق بين «نتفليكس» و«شاهد» في كونهما منصتين رقميتين، وإنما في النموذج الإنتاجي الذي تقف خلفه كلٌّ منهما. فـ«شاهد» خرجت من رحم مؤسّسة تلفزيونية، ولا تزال تعمل، في جانب من إنتاجها، بمنطق «التلفزيون» القائم على تغذية الشاشة باستمرار وملء جداول العرض بساعات طويلة من المحتوى. وقد يدفع هذا النموذج أحيانًا إلى التعامل مع المحتوى السعودي على أنه مادة لـ«استهلاك يومي داجن»، تُنتج بسرعة وبغزارة، وتخضع لضغط المواعيد على حساب الوقت اللازم لتطويرها وإنضاجها.

وهذا لا يعني أنّ كلّ إنتاجات «نتفليكس» متقنة، أو أنّ جميع أعمال «شاهد» مستَعجلة، فالمقارنة هنا تتعلّق بالنموذج الغالب وآليات اتخاذ القرار، لا بحكم مطلق على المنصتين.

عقدة المورد الواحد وضياع التنوّع

لا يمكن أن تزدهر دراما حقيقية في بيئة تعتمد على «المورد الواحد». فخارج موسم رمضان، يبدو أنّ جزءًا كبيرًا من الإنتاج السعودي على «شاهد» يدور داخل دائرة محدودة من الجهات والأسماء والقوالب المتكرّرة. ولا يعني ذلك تقليلًا من قيمة أيّ منتج أو شركة، بل التشديد على أنّ استمرار الاعتماد على المنظومة نفسها يُضيّق مساحة التجريب ويحدّ من تعدُّد الأصوات والأساليب.

وينسحب الأمر على اختيارات الممثلين، إذ تتحول أسماء مرتبطة بـ«MBC Talent»، في كثير من الأحيان، إلى الخيار الأول أمام المخرجين وصنّاع الأعمال خلال اختبارات الأداء. ومع تكرار الوجوه داخل أنماط متشابهة، تفقد الأعمال عنصر المفاجأة، ويصبح اكتشاف ممثلين جدد أو بناء نجوم من خارج الدائرة المعتادة أكثر صعوبة.

الدراما تحتاج إلى «تغيير نَفَس» وضخ دماء جديدة. تحتاج إلى منافسين جدد، وكتّاب يملكون صوتًا مختلفًا، ورؤية إنتاجية تجرؤ على المغامرة المحسوبة، بدلًا من إعادة إنتاج الصيغ الآمنة التي تضمن مشاهدة عابرة وتفقد الأثر المتبقّي.

ستة شبابيك في الصحراء
ستة شبابيك في الصحراء (2020)

وعند المقارنة بـ«نتفليكس»، نلاحظ أنها لم تحصر المحتوى السعودي في جهة واحدة، وإنما بنت علاقتها مع عدد من التجارب والشركات، ومنحت كلّ واحدة منها مساحة لتطوير صوتها الخاص. وقدَّمت «تلفاز11» مثالًا واضحًا على هذا التدرُّج؛ إذ بدأت الرحلة بالأفلام القصيرة في «ستة شبابيك في الصحراء»، قبل الانتقال إلى إنتاج الأفلام الروائية الطويلة.

وتكرَّر الأمر مع عالم «مسامير» الذي طوّره عبد العزيز المزيني ومالك نجر، وتجربة مشعل الجاسر في «ناقة»، وكذلك مع شركة «إيديشين» في فيلمي «جرس إنذار» و«المهايطية» قريبًا. ورغم تفاوت هذه الأعمال فنيًا، فإنها تنتمي إلى عوالم وأساليب وصنّاع مختلفين، ممّا منح المحتوى السعودي على «نتفليكس» قدرًا أكبر من التنوّع.

مسامير جونيور (2025)
مسامير جونيور (2025)

ولنتخيّل مثلًا لو أنّ مسلسل «فرسان قريح» الكوميدي، الذي حقّق نجاحًا جيدًا على «شاهد»، عُرض عبر «نتفليكس». إلى أي مدى كان يمكن أن يتّسع حضوره عربيًا ويصل إلى جمهور لم يسمع به أصلًا؟

هذا الافتراض لا ينتقص من «شاهد»، لكنه يكشف أنّ بعض الأعمال السعودية الناجحة داخل المنصة لا تحصل بالضرورة على الزخم الإقليمي الذي تستحقّه. وربما لا تكون المشكلة في العمل نفسه، بل في طريقة تقديمه وتسويقه، وفي قدرة المنصة على تحويل نجاحه المحلّي إلى ظاهرة عربية تتجاوز جمهورها المحلّي المعتاد.

ماذا عن «شاهد»؟

لا تحتاج «شاهد» إلى مضاعفة أرقام إنتاجيتها السعودية، بقدر ما تحتاج إلى مراجعة «جرأة الاختيار وفلسفة التطوير».

وربما يكمن الفارق الأساسي في الطريقة التي تستقبل بها كلّ منصة العمل السعودي منذ لحظته الأولى. ففي بعض إنتاجات «شاهد»، يبدو المحتوى المحلّي كأنه استحقاق ينبغي توفيره ضمن الخريطة البرامجية، أكثر من كونه مشروعًا فنيًا تؤمن به المنصة وتمنح صنّاعه ما يكفي من الثقة والحرّية ومساحة التطوير.

ولا أقول إنّ العمل السعودي لا يحظى بالاحترام داخل «شاهد»، لكن طريقة التعامل معه لا توحي دائمًا بأنه رهان رئيسي قادر على قيادة المنصة وصناعة أثر عربي واسع. في المقابل، تبدو «نتفليكس»، حين تختار مشروعًا سعوديًا، وكأنها تتعامل معه على أنه تجربة لها صوتها وهويتها، فتمنح صنّاعه مساحة أكبر لتقديم رؤيتهم، ثم تدفع به إلى الجمهور باعتباره مشروعًا يستحق الرهان، وليس مجرّد إضافة محلّية إلى المكتبة.

درس «نتفليكس» المُعلن هو الإيمان بأنّ المحلي الصرف، والمشغول بتأنٍّ في غرف الكتابة، والمتحرّر من القوالب التلفزيونية العتيقة، هو وحده القادر على البقاء في ذاكرة المُشاهد.

المحتوى السعودي لا يفتقر إلى الجمهور أو الحكايات الثرية، لكنه ينتظر مَن يراهن على نوعيته وصوته الخاص، بدلًا من حشره في مسارات استهلاكية تضمن المشاهدة اللحظية وتقتل الأثر الثقافي.

الزمن لا ينتظر «شاهد»

المشكلة أنّ الزمن لا ينتظر. فمنصة «شاشا» تدخل بقوة، وقد شاهدنا نجاحها خلال العام الماضي. صحيح أنها لا تستطيع حتى الآن منافسة إمبراطورية «شاهد»، بما تمتلكه الأخيرة من مكتبة ضخمة وانتشار عربي واسع، لكنها أصبحت منافسًا قويًا لا يمكن تجاهله.

وفي الوقت نفسه، باتت «يانغو بلاي» أقرب من أيّ وقت مضى إلى دخول السوق السعودية، بعد السماح لها بالعمل ووصول ترتيبات دخولها إلى مراحلها الأخيرة.

ولا يمكن إغفال «ثمانية» أيضًا؛ فالتحوّلات الإدارية الأخيرة التي شهدتها، وما تمتلكه من قاعدة جماهيرية وخبرة في صناعة المحتوى، تشير إلى استعدادها لتكون طرفًا رئيسيًا في المنافسة. وربما لا تتقاطع اليوم مع «شاهد» في كلّ أنواع المحتوى، لكنها تدخل المعركة من بوابة مختلفة، وقد تتوسّع لاحقًا نحو مجالات ومساحات جديدة.

نحن إذًا أمام مرحلة مهمّة ستشتدّ فيها المنافسة، ليس على المُشاهد السعودي فحسب، وإنما على المنتجين والكتّاب والمخرجين والنجوم والمشاريع المحلّية القادرة على صناعة أثر. ومع دخول «شاشا» بقوة، واقتراب «يانغو بلاي»، وصعود «ثمانية»، لن تبقى الأفضلية التاريخية لـ«شاهد» كافية وحدها.

تمتلك «MBC» المال والخبرة والمكتبة والمنصة والجمهور، لكن السوق تتحرّك بسرعة. والسؤال الآن: هل تستفيد «شاهد» من أسبقيتها وتُعيد النظر في اختياراتها السعودية قبل اشتداد المنافسة، أم تنتظر حتى يفرض المنافسون عليها هذا التغيير؟

اقرأ أيضا: ماذا تكشف أرقام «نتفليكس» عن مستقبل السينما السعودية؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق