فاصلة

مراجعات

«نحبك هادي» بعد عشر سنوات… حرية لم نجرؤ يومّا على استعمالها

Reading Time: 5 minutes

في مشهد مبكر من فيلم «نحبك هادي» (2016) يجلس بطله إلى طاولة يلعب الورق مع رفاق العمل، بوجه لا تعبير عليه، وكأن يديه وحدهما تتحركان بينما بقية جسده غائب عن المكان. هذا المشهد الصغير، يحمل مفتاح الفيلم بأكمله، هادي (مجد مستورة) شخصية تنسحب، ببطء وصمت، من حياة رُسمت لها بالكامل قبل أن تُستشار فيها، لا شخصية تقاوم أو تتمرد بصوت عال.

يقدّم المخرج التونسي محمد بن عطية، في أول أفلامه الروائية الطويلة (جائزة أفضل فيلم أول، وأفضل ممثل في برليناله الـ66)، صورة شاب في الخامسة والعشرين، يستعد لزفاف رتّبته والدته منذ سنوات. لا شيء في حياته يخصّه وحده، لا المهنة التي اختارها له محيطه، ولا العروس التي لم يجمعه بها سوى لقاءات باردة داخل سيارة، ولا حتى موعد سفره الذي يقرره مديره قبل أيام من الزفاف. وحين يرسله عمله إلى مدينة ساحلية بعيدة، ويلتقي هناك بريم (ريم بن مسعود)، يبدأ الفيلم محاولة بطيئة لاختبار سؤال بسيط وخطير في آن: ماذا لو كانت لي إرادة؟

نحبك هادي (2016)
نحبك هادي (2016)

يرفض بن عطية استعجال هذا السؤال أو تحويله إلى دراما صاخبة. يترك الكاميرا تراقب هادي في صمته الطويل، في نظراته الهاربة من أعين أمه، في تردده أمام كل قرار صغير قبل أن يتخذه أحد غيره نيابة عنه. هذا الأسلوب البطيء، يخدم فكرة جوهرية. أن اكتشاف الإرادة الحرة، بعد سنوات من غيابها، تجربة مربكة تكاد تُصيب صاحبها بالشلل، لا لحظة تحرر مبهجة. في هذا المعنى، يقترب هادي من شخصيات أدبية عاشت المأزق الوجودي ذاته. رجل عادي، لا بطولة استثنائية فيه، يجد نفسه فجأة أمام مرآة لا يعرف كيف يواجهها، تتجلى معاناته ترددًا متواصلًا بين الاستسلام لما هو مألوف والانفلات نحو ما هو مجهول.

الابتعاد الجغرافي القصير، أيامًا معدودة فقط، يكفي لأن يكشف لهادي مدى ضآلة المسافة التي احتاجها ليرى حياته من زاوية مختلفة تمامًا. أحيانًا لا نحتاج إلى هجرة كاملة كي نكتشف أننا عشنا وفق خطة لم نضعها بأنفسنا، يكفي أسبوع واحد بعيدًا عن الأصوات المعتادة. وهذا ما يجعل شخصية أخرى، غائبة حاضرة طوال الفيلم، أكثر دلالة مما تبدو للوهلة الأولى. أخو هادي الأكبر، الذي هاجر إلى فرنسا منذ سنوات، ويعود خصيصًا لحضور الزفاف ليتحدث بلغة القواعد والتقاليد ذاتها التي يحاول هادي التملص منها. هذا التفصيل يكسر أي قراءة مبسطة للفيلم كصراع بين «هنا» محافظ و«هناك» متحرر: فالمسافة الجغرافية وحدها لا تصنع حرية داخلية، تماماً كما أن البقاء في المكان نفسه لا يعني بالضرورة الاستسلام الكامل. حرية هادي، إن وُجدت، تأتي من قرار داخلي يصعب تحديد لحظة ولادته بدقة، وليس من مكان بعيد.

نحبك هادي (2016)
نحبك هادي (2016)

تدخل ريم إلى حياة هادي كشخصية تحمل نمط الحياة الذي يفتقده تمامًا. امرأة تكبره سنًا، تعمل راقصة تنتقل من مكان لآخر دون أن تربطها علاقة ثابتة بمكان واحد. لكن الفيلم حريص على ألا يحوّلها إلى رمز مجرد للتحرر الأنثوي المطلق، فهي أيضًا تحمل تعبًا واضحًا من حياة التنقل، وتُدرك أن ما تعرضه على هادي ليس نزهة عاطفية، بل مسؤولية قد لا يكون مستعدًا لتحملها. «هذا ليس حلمًا، إنه مشروع»، تقول له في أحد أكثر مشاهد الفيلم كثافة، وهما يراقبان الأمواج على شاطئ بعيد عن بيته. بهذه الجملة القصيرة تسحب ريم العلاقة من منطقة الرومانسية المريحة إلى منطقة القرار الفعلي، فتجعل هادي يتراجع أكثر مما يتقدم في اللحظات التالية.

الأم، في المقابل، تمثل الطرف الثابت في معادلة الفيلم. امرأة لم تغادر يومًا، ولا تنوي أن تفهم لماذا قد يرغب ابنها في المغادرة. لكن بن عطية يتجنب تصويرها كعقبة شريرة بسيطة، إذ يمنحها أيضًا منطقها الخاص. هي أرملة رتّبت حياة ابنها الأصغر لأنه الابن الوحيد المتبقي في محيطها، بينما استقر الابن الأكبر بعيدًا. رغبتها في السيطرة تبدو، من زاويتها، شكلًا من أشكال الحماية لا القمع، وهذا التعقيد في رسم الشخصيات الثانوية يمنح الفيلم عمقًا إنسانيًا يتجاوز حكاية الشاب المتردد إلى تأمل أوسع في كيفية توريث القيود من جيل إلى جيل، حتى من دون قصد سيء من أحد.

نحبك هادي (2016)
نحبك هادي (2016)

يختار بن عطية إيقاعًا هادئًا يتيح للمشاهد أن يعيش مع هادي تردده. الكاميرا تقترب من الوجوه أكثر مما تهتم بالمشاهد الواسعة. يتقن الفيلم استخدام الفضاءات الضيقة، خصوصًا مقصورة السيارة التي تجمع هادي بخطيبته في لقاءاتهما الباردة والمتكررة، كاستعارة بصرية لحياة محكومة بحدود صغيرة لا تتغير. وفي المقابل، تتسع الأطر البصرية قليلًا في مشاهد الفندق والشاطئ، دون أن تصل إلى انفتاح كامل، وكأن الفيلم يرفض منح هادي مساحة حرية مطلقة حتى في أكثر لحظاته بعدًا عن سيطرة عائلته. هذا التوازن الدقيق بين الانغلاق والاتساع يمنع الفيلم من الانزلاق إلى خطاب تحرري مبسط، ويجعله أقرب إلى وصف دقيق لحالة تردد مستمرة لا حسم فيها، وإن كان هذا الخيار يجعله أيضًا عرضة لبعض الرتابة في منتصفه، حيث يبدو وكأن السرد يكرر فكرته أكثر من مرة.

أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة للتأمل هو رفضه منح بطله لحظة «استيقاظ» مسرحية كما نراها كثيرًا في أفلام مشابهة. لا يقفز هادي فجأة من الخضوع إلى التمرد، بل يظل، حتى في مشهد المواجهة الأخيرة مع أمه وأخيه، مزيجًا من الغضب المكتوم والتردد الحقيقي. حين ينفجر أخيرًا، بعد سنوات من الصمت، لا يبدو الأمر انتصارًا نظيفًا، بل تفريغًا متأخرًا لغضب تراكم دون أن يجد له مسارًا واضحًا من قبل. هذا الاختيار يجعل شخصية هادي أقرب إلى تجربة إنسانية مألوفة لكثيرين ممن يعيشون في مجتمعات تُدير حيوات أبنائها بالنيابة عنهم، أكثر من كونها بطلًا استثنائيًا يستحق التصفيق.

نحبك هادي (2016)
نحبك هادي (2016)

الفيلم، رغم إيقاعه الهادئ الذي قد يختبر صبر بعض المشاهدين، يكسب زخمه الحقيقي في نصفه الثاني، حين تتحول العلاقة بين هادي وريم من انجذاب عابر إلى مواجهة فعلية مع فكرة الاختيار. هذا الغموض المتعمد يكشف فيها بن عطية أن القرارات المصيرية نادرًا ما تُحسم في لحظة واحدة درامية، بل تظل معلّقة، متأرجحة، إلى أن يحسمها الزمن وحده. وربما في هذا الغموض بالذات يكمن أصدق ما يقوله الفيلم، أن أكثر الأشخاص الذين نظنهم عاجزين عن التغيير قد يحملون في داخلهم رغبة صامتة لم تجد بعد الشجاعة الكافية لتتحول إلى فعل.

يحمل أداء مجد مستورة، عبء هذا الغموض كاملًا. فهو يمنح هادي ثقلًا صامتًا، بلا مبالغة في التعبير، يجعل كل تردد صغير في عينيه أكثر بلاغة من أي حوار مباشر. وإلى جانبه، تمنح ريم بن مسعود ثقلًا مضادًا ضروريًا، يوازن بين القوة الظاهرية لشخصيتها وهشاشتها الداخلية، ويمنع الفيلم من الانحياز الكامل لوجهة نظر هادي وحده. يبقى «نحبك هادي» بعد عشر سنوات من عرضه الأول، فيلمًا عن مسافة قصيرة، بالمعنى الجغرافي، أحدثت أثرًا بعيدًا، بالمعنى الوجودي، دون أن يدّعي أنه يعرف إلى أين ستقود هذه المسافة صاحبها.

اقرأ أيضا: «المنزل الأخير»… عندما يستعير مخرج الحركة لغة الرعب ولا يتقنها

شارك هذا المنشور

أضف تعليق