ثمة نمط يتكرر في إنتاجات نتفليكس الأصلية: فكرة واعدة، ميزانية ضخمة، وصيغة سبق أن أثبتت نجاحها في مكان آخر، تُعاد صياغتها إلى أن تفقد كل ما كان يميزها. «المنزل الأخير» (2026، «The Last House») يقع بالضبط في هذا الفخ. الافتتاحية تُوهمك بأنك أمام حكاية تحمل بصمة ستيفن كينغ، لكنها سرعان ما تنزلق إلى فيلم رعب آخر من موجة ما بعد الجائحة، ليصبح الظاهرة الديستوبية التالية على المنصة. المفارقة أن الفكرة نفسها، في جوهرها، كانت تحمل مادة كافية لبناء توتر خانق حقيقي. لكن المخرج الفرنسي لويس ليترييه، لا يملك الأدوات ليفي بوعد سيناريو أذكى منه. يأخذنا الفيلم من رهاب الأماكن المغلقة والقلق والبارانويا الأولية، إلى مرحلة اليأس والإبداع في سبيل البقاء، ثم إلى لحظة من الإثارة في مواجهة مخلوقات غريبة. بهذا المعنى، يشبه «المنزل الأخير» تطبيقاً لعدة صيغ ناجحة مجتمعة في عمل واحد. والنتيجة هي بالضبط ما تسعى إليه نتفليكس، إنتاج سهل الفهم، خال من التعقيدات والمتطلبات، فعّال إلى حد ما، بل أقل فعالية في أحيان كثيرة.

القصة تبدأ في سياتل. يعود جيسون (فاغنر مورا) إلى منزل عائلته بعد صباح صيد لم يصطد فيه شيئًا، تفصيلة قد تبدو عابرة، لكنها سرعان ما تكتسب وزناً مختلفاً. تقرر العائلة الخروج لشراء شجرة عيد الميلاد، فتكتشف أن لا باب يُفتح، ولا نافذة تتحرك. لا الباب الأمامي، ولا الخلفي، ولا حتى أبواب بيوت الجيران. شيء ما حدث. الشوارع خالية، الإنترنت مقطوع، والرسالة الوحيدة القادمة من العالم الخارجي هي صوت مطر لا يتوقف. هنا يلعب الفيلم، في مشاهده الافتتاحية، على وتر مألوف لكل من عاش عزلة الجائحة. تحاول العائلة أن تحافظ على روتين يومي وسط اللايقين: أعمال المنزل، دروس الأطفال، تمارين رياضية بلا جدوى واضحة. آن (غريتا لي) تحفر أرضية المطبخ لتزرع الطماطم والخضروات، وزوجها جيسون يصنع فخاخاً لاصطياد السناجب. لكن الوقت لا يتوقف عن العمل ضدهم: الأيام تتحول إلى أسابيع، الأسابيع إلى شهور، الشهور إلى سنوات. الأطفال يكبرون. المنزل يتآكل. والمطر لا يتوقف، ولا أحد يستطيع الخروج.

كلنا نعرف هذه القصة تقريبًا، وكأننا شاهدناها من قبل بصيغ أخرى. السلام الأولي، العودة القسرية إلى حياة «تقليدية» مصغّرة، تقنين الطعام، اللايقين حيال ما يحدث في الخارج وما هو التهديد، وكيف يمكن أن يخترق المأوى. الجزء غير المهدد وحده يحمل قيمة حقيقية، تقوية الروابط الأسرية، ظهور الإبداع في أضيق الظروف، استعادة معنى مختلف لمرور الوقت. لكن الفيلم يتجنب في النهاية إمكانية تقديم صراع أوسع، وينتهي بطريقة مبسطة، ببنية دائرية وتعليق صوتي باهت.
سيناريو ماثيو روبنسون، الذي سبق أن جرّب الخيال العلمي في «الحب والوحوش» (2020، «Love and Monsters») وفي «حظًا موفقًا، استمتع، لا تمت» (2025، «Good Luck, Have Fun, Don’t Die»)، يتكئ على تعليق صوتي يميل إلى الإفراط في الشرح، جملة «في اليوم الذي هطلت فيه الأمطار، عرفنا أننا لسنا وحدنا» كان يمكن أن تُقال همسًا مقلقًا، فتُقال بدل ذلك بصوت عال، وكأن الفيلم لا يثق تمامًا بانتباه من يشاهده.

المشكلة الحقيقية، مع ذلك، ليست في المطر بحد ذاته، بل في ما يجلبه معه. شيء يتحرك في الخارج. غير بشري. متربص. وهنا بالتحديد تنكشف الفجوة بين المخرج والمادة التي بين يديه. ليترييه اسم مرتبط عادة بأفلام الحركة والإثارة الصريحة: من «ذا ترانسبورتر» («The Transporter») بجزأيه الأولين، وصولًا إلى «فاست أكس» (2023، «Fast X»). حياة مهنية كاملة مبنية على السرعة والحركة الخارجية، على مطاردات السيارات وصدمات الأكشن المباشرة. «المنزل الأخير» هو أول تجربة حقيقية له في الرعب المنزلي البطيء، الرعب الذي يتغذى من الانتظار. هناك لحظات يتصاعد فيها التوتر، لكن لحظات أخرى كثيرة يلجأ فيها المخرج إلى حيل النوع القديمة نفسها، جثث تطفو على الماء، أجساد موبوءة بمخلوقات، مخاوف تصل في اللحظة المتوقعة تمامًا، بلا مفاجأة حقيقية.
قرارات الشخصيات لا تساعد كثيرً أيضًا. في لحظات عديدة، يفعل الأبطال بالضبط ما لا ينبغي فعله. يقفون بلا حراك حين يجب أن يركضوا، يترددون حين يجب أن يتحركوا، يكشفون أنفسهم حين يجب أن يختبئوا. هذا النوع من السلوك يحوّل فيلم الرعب إلى فيلم يدفعك للصراخ في وجه الشاشة، لا معها!

مع مرور الوقت، ينكشف كل شيء وقد استعادت الطبيعة ما تملكه، فيما المنزل ما زال بالكاد قائماً. المخلوقات، التي لا تُرى في البداية، تبدأ بالكشف عن نفسها. مزيج من مخلوقات لافكرافت، و«ذا هوست» لبونغ جون هو، ووحوش الكايجو، وحوش هجينة لا تنجح أبداً في أن تكون مرعبة. وهذه من مفارقات الفيلم الكبرى، كلما ازداد ظهور الوحش، قلّ رعبه. الغموض كان حليفه الوحيد، والفيلم يتخلى عنه بيده. النهاية إشكالية أيضًا، ليس لأنها مفتوحة (وتشير إلى جزء ثانٍ ربما)، بل لأنها تصل فجأة، وكأن الفيلم نفسه فقد اهتمامه بقصته في اللحظة الأخيرة. الحل الذي يقترحه، والقائم على رسالة تعاطف بين المخلوقات، مربك بقدر ما هو سطحي.
يسعى الفيلم إلى استخلاص رمزي أقرب إلى أفلام إم. نايت شيامالان في أفضل حالاتها. لكن ليترييه يفتقر إلى البراعة والإتقان اللذين يملكهما رائد التشويق الأمريكي. هذه، في النهاية، تجربته الأولى في إخراج قصة من هذا النوع، وهو يحاول جاهدًا أن يبني عالمًا قائمًا على التماسك والواقعية. لكن في كل موقف قد يُثير توترًا حقيقيًا، يجد السيناريو طريقة لحلّه أو تبسيطه أو تبريره.
«المنزل الأخير» يدور، في جوهره، حول الخوف من المجهول، وأيضًا حول الخوف مما هو واضح جليًا أمامنا. حول العائلة كملاذ، لكن أيضًا كقفص. حول الصمود، نعم، لكن أيضًا حول الإرهاق الذي يخلّفه هذا الصمود. كان يمكن أن يكون أفضل بكثير مما هو عليه. يبقى، رغم كل شيء، مسليًا في بعض لحظاته، لكنه يُنسى بالسرعة نفسها التي هطل بها المطر الذي ألهمه.
اقرأ أيضا: «سبايدر مان: يوم جديد كليًا»… كثير من الحبّ وقليل من العنف