فاصلة

مراجعات

«هوس»… ومن الحبّ ما قتل

Reading Time: 3 minutes

عكف الأدباء والفلاسفة على كتابة عدد هائل من النصوص والنظريات في مدح سموّ الحب، باعتباره من أنبل المشاعر الإنسانية؛ إذ يتسابق البشر على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم الاجتماعية ومشاربهم الفكرية إلى بلوغه. وأكدوا من خلال ما كتبوا أنّ هذه الغاية تُمثّل منبع العلاقة الحقيقية بين مختلف الأطراف، بدءًا من أفراد الأسرة، وانتهاءً بالعشّاق المتورّطين في علاقات غرامية، من دون إغفال أهميته بين الأصدقاء المقرَّبين.

ومن خلال المراقبة اليومية، نلحظ أنّ البوح بهاجس الحبّ حاضر وشائع في الأوساط العامة، حتى بات معيارًا يحكم العلاقات. ونتيجة لذلك، أصبح الحبّ مبررًا لتقريب شخص وإبعاد آخر. وليس كما يظنّ البعض أن دافع القُرب والبُعد ميزة استثنائية يمتلكها الفرد أو خاصية تؤهّله لهذه المنزلة، بل لأننا نحبّه ونكنّ له مشاعر تضعه في مكانة لا يُنازعه عليها الآخرون.

إذن، الحبّ بذاته حالة من حالات الهوس، لأنّ دوافعه وتفسيراته تعبير عن اضطراب يعتري الفرد ويُخرجه من دائرة المنطق والمعقولية إلى التطرُّف ونسج عالم من الفرضيّات التي تنتهي إلى توصيف مرضي بحت. وهذا يفسّر ما يوليه العاشق لشخص بعينه من اهتمام بالغ، ليصبح معجونًا بتفاصيل حياته، من خلال ربط ذاته بتقلّباته النفسية والمزاجية، والذهاب إلى أبعد من ذلك عبر تقديم التنازلات والتضحيات من دون مقابل مادي أو معنوي محسوس.

أما محاولة فهم هذه الهرولة نحو الحبّ والهوس به، رغم ما يحمله من تبعات منافية للعقلنة والانضباط الروحي والجسدي، فربما يفسّرها كونه جزءًا من خلل في التكوين البشري منذ بدء الخليقة، نظرًا إلى تركيبتنا الخاصة التي تستمتع بتعذيب ذاتها عبر التعلُّق بذوات أخرى، وظيفتها مشاركتنا أحاسيس ومشاعر لا نستطيع الحصول عليها بصورة منفردة.

Obsession (2026)
Obsession (2026)

جاء فيلم «Obsession – هوس» ليضعنا أمام هذه الحقيقة العارية، من خلال التأكيد على أنّ العلاقة العاطفية أمنية أولى تُطلب قبل غيرها من الأمنيات المادية في الحياة. فالبطل قدَّم هذه الأمنية على سواها، رغم إمكانية تحقيقها بوسائلها المعتادة القائمة على العرض والقبول. وهذا الملمح بذاته يكشف أنّ تجربة الحبّ وخوض منزلته القاسية تُمثّل هدفًا ساميًا يتجاوز في أهميته حاجات أخرى، مثل المال والمنصب والجاه وغيرها.

ومع ذلك، جاء أحد المَشاهد ليكشف التباين في تقدير الموقف؛ إذ فضَّل صديق البطل المقرَّب أن تكون أمنيته الوحيدة الحصول على مبلغ وفير من المال بدلًا من نيل الحبّ، إدراكًا منه أنّ الحبّ بكل آلامه وتبعاته، يمكن التعامُل معه بالبقاء أو الرحيل، فيما تظل المادة عصب الحياة القادر على جلب كلّ شيء وصناعته، وصولًا إلى استمالة قلب أحدهم.

Obsession (2026)‏
Obsession (2026)‏

ورغم قسوة مَشاهد الفيلم وإبرازه حالة التطرُّف العاطفي في أقصى صورها، فإنها تُعبّر عن واقع يعيشه العشّاق في علاقاتهم. ويتمثّل ذلك في طلب الاهتمام الدائم، والسعي الحثيث إلى لفت الانتباه، حتى لو كان الثمن إيذاء الذات. وقد تجلَّى ذلك من خلال تقديم الفتاة في قوالب لا يمكن فهمها خارج هذا السياق؛ مثل إقدامها على إيذاء نفسها بآلة حادة كلما شعرت بانصراف حبيبها عنها، أو قضاء حاجتها في غير مكانها لصنع حدث غير اعتيادي.

كما تُعبّر عن غيرتها بأدوات مؤذية تتجسَّد في الصراخ والانفعال الهستيري، وصولًا إلى ممارسة العنف في أبشع صوره، سواء بحق نفسها أو بحق مَن تحب، وانتهاءً بتصرّفها بوحشية عند إحساسها بوجود مَن يحمل مشاعر دفينة لشريكها، الأمر الذي ترتَّب عليه قتل صديقة مشتركة بينهما.

Obsession (2026)
Obsession (2026)

لا شك أنّ تلك المَشاهد أبرزت نموذج هوس الحبّ من قاع العلاقات البشرية، إلا أنها عكست بدرجات متفاوتة واقع هذا النوع من العلاقات العاطفية. لذلك فإنّ مَن قسوا على صنّاع الفيلم في تفسير دوافعهم للخروج عن المألوف، واعتبروا ما قدّموه ضربًا من المبالغة، غاب عن أذهانهم أنّ هذه إحدى حقائق الحبّ، حتى وإن لم تظهر بكلّ هذا الجنون في جميع العلاقات.

ولعل اختيار انتحار البطل بعد فقدانه الأمل في إنقاذ تلك العلاقة من الهاوية ليكون المشهد الختامي، يكشف دواخل عدد ليس بقليل من العشّاق الذين تعتريهم هذه النزعات اليائسة. ومن جهة أخرى،

يُحسب لصنّاع الفيلم نجاحهم في تبرير حبكتهم، رغم أنها جاءت متوقَّعة ومكشوفة البناء منذ البداية.
ومع ذلك، فإنّ أداء الممثلين كان ضعيفًا، ويمكن اعتباره أحد أسباب تأثّر إيقاع الفيلم في بعض أجزائه، مع أهمية استثناء البطلة من هذه الملاحظة، إذ قدَّمت شخصيتها المعقَّدة بإتقان وحرفية.

وفي السياق عينه، أسهم وضع العمل في قالب الرعب بأدوات بدائية وتقليدية، تمثلت في افتعال الصرخات وحالات الاختفاء المكشوفة، في إضعافه وجعله طفوليًا في بعض مَشاهده. لذا كان الأجدر التركيز على أهمية الموضوع ضمن إطار الدراما النفسية، وتقديم المعالجة وفق هذا المنهج لمنح الفيلم قدرًا أكبر من الرصانة.

اقرأ أيضا: «هوس»… العواقب الوخيمة لتحقيق الأمنيات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق