بالنسبة إلى كثيرين من عشّاق السينما، يُشكّل اسم ستيفن سبيلبرغ وعدًا برحلة ممتعة ومضمونة إلى حدّ كبير. الرجل الذي تجاوزت أعماله الخمسين قدَّم لمشاهديه معظم الأنواع السينمائية، وأعاد تعريف بعضها لتصبح كثير من أفلامه مرجعًا في نوعها. ومن بين أنواع عدّة تناولها المخرج الحائز على 3 جوائز «أوسكار»، يحتل الخيال العلمي مكانة بارزة، إذ يعود إليه كلّ سنوات. بدأت الرحلة مع «لقاءات قريبة من النوع الثالث» عام 1977، ثم مع أحد أشهر أفلامه في هذا النوع «إي تي» عام 1982، وتوالت الأعمال بعد ذلك وصولًا إلى أحدث أفلامه «يوم الكشف Disclosure Day».
ما الذي تغيَّر خلال خمسين عامًا منذ دخول سبيلبرغ عالم الفضائيين؟ هذا الفيلم هو إجابة (شبه) مثالية.
الحد الأقصى من التشويق
كتب سيناريو الفيلم ديفيد كويب، وتعود القصة إلى سبيلبرغ نفسه. وسبق أن تعاون الثنائي في أعمال عدّة، أبرزها وأنجحها «الحديقة الجوراسية» عام 1993.

يبدأ «يوم الكشف» بأحداث متوازية بين دانيال كيلنر (جوش أوكونور) ومارغريت فيرتشايلد (إيميلي بلانت). يعمل الأول في وكالة أميركية شبه رسمية مهمّتها إخفاء الحقائق عن المواطنين، ومن بينها مقاطع فيديو تثبت ظهور كائنات فضائية في الولايات المتحدة. وعندما يقرّر كيلنر نشر هذه المقاطع، يصبح هدفًا لرئيس الوكالة نواه سكانلون (كولن فيرث)، الذي يسعى إلى القبض عليه ومنعه من تنفيذ خطته. أما الثانية فتعمل مذيعةً للنشرة الجوّية، وتكتسب فجأة قدرة غامضة على التحدُّث بجميع اللغات وقراءة أفكار البشر، من دون أن تعرف كيف حصل ذلك أو ما أبعاد هذه القدرة.
الفصل الأول من الفيلم هو الأكثر إثارة. فلا يمنحنا العمل كثيرًا من التمهيد للشخصيات أو الأحداث، بل يقذف بنا مباشرة إلى قلب الأزمة الرئيسية، تاركًا للمُشاهد اكتشاف الشخصيات تدريجيًا مع تطوّر الأحداث. وهذه إحدى أبرز نقاط قوة سبيلبرغ؛ قدرته على تقديم بدايات آسرة لا تترك فرصة للابتعاد عن الشاشة. وعندما يبدأ الإيقاع بالهدوء، تكون أكثر من نصف ساعة قد مرَّت بالفعل، والمُشاهد قد انغمس تمامًا في الأحداث.
ويزيد الانتقال بين الخطّين الرئيسيين، إلى جانب خطوط ثانوية أخرى، من حالة الترقب لما سيأتي لاحقًا، خصوصًا مع المونتاج المتوازن الذي يعرف بدقة متى يترك كلّ شخصية لينتقل إلى الأخرى.
إلى جانب التشويق، تدفع هذه البداية المُشاهد إلى تجاوز السؤال الأساسي الذي جاء به إلى الفيلم: هل لا يزال هناك ما يمكن قوله عن الكائنات الفضائية في السينما؟ فالممّيز هنا، ولن نقول الجديد، هو التركيز على التشويق أكثر من مفاهيم الخيال العلمي نفسها، لكن هذا لا يستمر طويلًا.
هل نتحدَّث عن الفضائيين حقًا؟
يحاول سبيلبرغ في أفلامه تقديم تصوّرات مختلفة للكائنات الفضائية. ففي «إي تي» نُقابل نموذجًا نادرًا لفضائي طيّب لا ينوي احتلال الأرض أو الاستحواذ على أحد عقولها البارزة. وفي أحدث أفلامه أيضًا، يُصوّر الفضائيين ضحايا للممارسات العنيفة التي يمارسها الجيش الأميركي، وفقًا للمقاطع المصوّرة. وعلى عكس كثير من الأفلام التي تحصر الصراع بين الجيش أو الشرطة والفضائيين، يُدخل هذا الفيلم أكثر من طرف إلى المعادلة، ويرصد كيف يرى كلّ منهم ما يحدث.

الطرف الأول هو الدين، إذ إنّ جين (إيف هيوسون)، حبيبة كيلنر، كانت متديّنة في مرحلة سابقة، وتطرح تساؤلات حول موقف الدين من وجود الكائنات الفضائية، وما إذا كان ذلك يتعارض مع مفهوم الإيمان نفسه. أما الطرف الثاني فهو الإعلام، ليس فقط من خلال مهنة البطلة، بل أيضًا عبر التطرُّق إلى فكرة إتاحة المعلومات ونشرها، والتعامل مع مفهوم المعلومات الحصرية في وقتنا الحالي.
ولا يحظى أي من هذين الطرفين بمساحة كبيرة، إلا أنهما يكمّلان الصورة الأوسع التي يحاول الفيلم رسمها، ويعكسان فهمًا واضحًا لمتغيّرات العصر الحالي، الذي لم يعد من الممكن فيه اختزال مسألة مثل ظهور الفضائيين في صراع بين مَن يحاول كشف الحقيقة وسلطة تسعى إلى إخفائها.

لكن نظرة أوسع إلى الفيلم تكشف أنه لا يتناول الفضائيين فقط، بل يتناول الصورة الأكبر المتعلّقة بالحقائق والأكاذيب. خلال الأحداث، ترد في نشرات الأخبار إشارات إلى صراعات أخرى تتورّط فيها أوروبا وكوريا الشمالية، بما يُذكّر بما يجري في العالم حاليًا. وبينما تتصارع الدول لأسباب مُعلَنة، تُطمس حقائق أخرى كثيرة ولا تُكشف للبشر، رغم أن تأثيرها قد يكون أعمق بكثير لو أُتيح للناس الاطّلاع عليها والحكم بأنفسهم. وفي الوقت نفسه، لا يغفل الفيلم الممارسات العنيفة التي يمارسها الجيش الأميركي ضد «الآخر» المختلف، المتمثّل هنا في الكائن الفضائي.
غموض أكثر من اللازم
عندما نصل إلى الفصل الأخير، تتقاطع خطوط عدّة وتتّضح الصورة والعلاقات بين الشخصيات التي تابعناها منذ البداية، لكن ليس بالقدر الكافي أو المطلوب. ومن أبرز نقاط ضعف الفيلم أنّ تفاصيل بعض الشخصيات تظلّ غير مكتملة حتى النهاية. نتعرّف خلال الأحداث إلى هيوغو (كولمان دومينغو)، زميل كيلنر الذي يحاول مساعدته في نشر المعلومات التي يمتلكها. ورغم أهمية الدور الذي يؤدّيه، فإن دوافعه لا تبدو مقنعة بما يكفي؛ فهو شخص طيّب يريد مساعدة العالم فحسب.

ويمتدّ هذا التسطيح إلى شخصية سكانلون، الذي يبدو شريرًا تقليديًا إلى حد كبير. نفهم أنه يسعى إلى تنفيذ التعليمات ومنع كشف هذه الأسرار، لكنه يفتقر إلى العمق، ويزيد من ذلك أداء كولن فيرث التقليدي الذي لا يقدّم جديدًا يُذكر.
إلى جانب الشخصيات غير الواضحة، لا يقدم الفيلم تفسيرات كافية لعدد من التفاصيل التي أسَّس لها خلال أحداثه، وأبرزها ما يتعلّق بالمواهب والقدرات المرتبطة بالفضائيين. فلا نعرف مدى تأثير هذه القدرات أو سبب اختيار شخصيات بعينها للحصول عليها. ويبدو الأمر ساذجًا في بعض المَشاهد، خصوصًا عندما تقف مارغريت أمام كلّ مَن يقابلها وتمنحه حلًا لمشكلة تؤرقه بمجرّد النظر إلى عينيه، فيتركها تمرّ من دون مقاومة. حتى إنني تساءلتُ في لحظة: ماذا لو صادفت شخصًا لا يعاني أصلًا من مشكلة كبيرة أو معقّدة؟ كيف كانت ستتمكن من تجاوزه؟

بقدر ما كان الفصلان الأولان مليئين بعوامل الجذب، ومشاهد المطاردات جيدة التنفيذ، فإن ذلك رفع سقف التوقعات انتظارًا لفصل أخير يُقدّم نهاية وإجابات توازي ما طُرح من أفكار وأسئلة. لكن هذا لم يحدث، وهو ما يترك المشاهد في النهاية من دون شعور حقيقي بالاكتفاء.
يُعد «يوم الكشف» من الأفلام التي تستحقّ المُشاهدة على شاشة السينما، ويمثّل امتدادًا لمسيرة سبيلبرغ في الخيال العلمي، لكنه لا يُشكّل إضافة كبيرة مقارنة بأعماله السابقة.
اقرأ أيضا: «هوس»… العواقب الوخيمة لتحقيق الأمنيات