فاصلة

مقالات

25 عامًا من ترؤّسه المهرجان… تييري فريمو يروي حكاية «كانّ»

Reading Time: 9 minutes

قبل خمسة وعشرين عامًا، تولَّى تييري فريمو دفة قيادة «مهرجان كانّ السينمائي»، بعد مسار طويل بدأه في «معهد لوميير»؛ مهد السينما، حيث تنقَّل بين أدوار المتطوّع والمدير الفني، وصولًا إلى إدارة المعهد. منذ ذلك الحين، لم يكن حضوره في كانّ مجرد وظيفة، بل ظلَّ امتدادًا لشغف تشكّل مُبكرًا، وتحوَّل إلى رؤية أعادت صياغة أحد أهم المهرجانات السينمائية في العالم.

على مدار ربع قرن، مرَّ المهرجان، ومعه فريمو، بمحطات متناقضة: لحظات سينمائية استثنائية، وأخرى أكثر قسوة، من أزمات اقتصادية وتحوّلات سياسية، وصولًا إلى جائحة عالمية أعادت تعريف العلاقة بين السينما وجمهورها، ولم يكن «كانّ» بمنأى عن أيٍّ منها.

في حواره مع مجلة «فارايتي»، يستعيد فريمو ملامح تلك الرحلة الطويلة؛ بين الأفلام والنجوم، وبين كواليس الاختيارات وأضواء السجادة الحمراء التي تتجدَّد كلّ عام في مايو. ومع اقتراب دورة جديدة تفصلنا عنها أيام، يعود «كانّ» ليؤكد طبيعته بكونه مساحةً تلتقي فيها السينمات من الشرق والغرب، حيث تتقاطع الرؤى وتذوب الفوارق تحت وهج الشاشة الكبيرة، في احتفال سنوي لا يشبه سواه.

تييري فريمو
تييري فريمو

من الجودو إلى كانّ

قبل أن يُستدعى إلى كانّ، تدرَّب فريمو على فن الجودو، وهي رياضة تعزّز اللياقة البدنية وتعتمد أيضًا على الانضباط الذهني لممارسيها. وكتب كتابًا عن كيف أنّ «الجودو شكّل الرجل وعاشق السينما الذي أنا عليه». ولا تزال تلك الروح التنافسية وميوله إلى المخاطرة تحدّدان الطريقة التي يتعامل بها مع عمله.

وعن اللحظة التي مالت فيها كفة ميزان فريمو للسينما على حساب الجودو، قال: «مارست الجودو بشكل مكثَّف، طالبًا ومنافسًا ومدرِّسًا. كنت أستكشف مدن العالم من خلال أندية الجودو، وفي يوم من الأيام بدأتُ أفعل الشيء نفسه مع دُور السينما. مثل كلّ الأطفال، أحببتُ السينما. ومع شبابي، نما هذا الحبّ. كنت مهيّأً لمسار مهني في العلوم، لكنني لم أكن أملك الموهبة اللازمة لذلك. لذا اتّجهت إلى قسم التاريخ في جامعة ليون، لأنه أتاح لي دراسة السينما».

لم يكن شغف تييري فريمو بالسينما وليد المصادفة، فكان جزءًا من نشأته: «كان والدي عاشقًا للسينما؛ كنا نتحدَّث عن الأفلام على مائدة العشاء ونعيد سردها. وكان يدير أيضًا نواديَ سينمائية. كنت غارقًا في الكلاسيكيات الأميركية الكبرى: جون فورد، تشارلي شابلن، باستر كيتون، وإخوة ماركس. ثم أصبحت السينما وسيلة للتحرّر، وطريقة، كما قال الناقد سيرج داني، للشعور بأنك تنتمي إلى العالم».

في الجامعة، كان حسّه الفنّي حاضرًا، ومساراته مختلفة، وقراراته فورية، تتحكم فيها عاطفته تجاه الاستكشاف: «في رسالة الماجستير في التاريخ، كنتُ متجهًا نحو موضوع كلاسيكي. لكن على السلَّم المؤدي إلى مكتب أستاذي، اقترحت موضوعًا جديدًا تمامًا: الكتابة عن مجلة «بوزيتيف» السينمائية، التي تأسَّست في ليون وكانت منافِسة لـ«دفاتر السينما». كنا نعرف كلّ شيء عن نشأة «دفاتر السينما»، لكن لا شيء عن هذا الجيل الإقليمي الآخر».

إلى حدّ ما، فتحت له تلك الأطروحة شبكة واسعة، ومهّدت دخوله الحقيقي إلى «صناعة السينما»: «من خلال «بوزيتيف»، تعرّفتُ إلى كلّ أولئك الأشخاص: المؤسّسين، والشيوعيين، والسرياليين، مثل روبير بينايون وأدو كيرو، وحتى برتران تافرنييه، الذي كان محرِّرًا شابًا هناك، وأصبح لاحقًا رئيس «معهد لوميير» في أوائل الثمانينات. كانت أطروحتي بعنوان: «نحو تاريخ اجتماعي للسينما». كنتُ أؤمن بأنّ السينما يجب أن تُدرَّس لا على أنها فن ولا صناعة، بل ممارسة ثقافية واجتماعية. عندها قال لي تافرنييه: تعالَ واعمل معنا أيضًا. ولم أُنهِ أطروحتي أبدًا!».

كانت تلك اللحظة إحدى أبرز المحطات المفصلية في حياته. فبعد ثماني سنوات من العمل التطوّعي في «معهد لوميير»، وهي المدّة التي كان لا يزال يعمل خلالها مدرِّسًا للجودو، أصبح المدير الفني للمعهد عام 1990، ثم مديره عام 1998: «كان عليَّ أن أكون ذلك الشاب العاشق للسينما الذي سيتولّى مسؤولية شارع «رو دو بريمييه فيلم»، مهد السينما؛ سينما الأخوين لوميير. وكان ذلك بدعم من أسماء كبيرة مثل تافرنييه وبرنار شاردير وجاك ديراي وريمون شيرات».

كان شغف فريمو بمدينة ليون كبيرًا، إلى حدّ أنه كان يُخطط ألّا يغادرها أبدًا: «كنت أخططُ للبقاء فيها طوال حياتي. فقد بقي هنري لانغلوا وفيًا لـ«السينماتيك الفرنسية»، كما بقي توم لودي وفيًا لـ«مهرجان تيلورايد». عُرضت عليَّ مناصب في باريس ورفضتُها».

وعن سبب هذا الرفض، وما إذا كان رفضًا للانخراط في النظام، أجاب: «نعم، ولا. لا أستطيع الابتعاد عن الجبال وليون مدةً طويلة! في مايو 2000، اقترح دومينيك باني أن أخلفه في «السينماتيك الفرنسية». كان الأمر مُغريًا. لكن شارع «رو دو بريمييه فيلم» كان عملًا بدافع الحبّ، وكانت تربطني علاقة قوية ببرتران تافرنييه».

بعد ذلك مباشرة، جاءت اللحظة التي تغيَّر بعدها كلّ شيء، حين قرر المخرج الفرنسي جيل جاكوب التنحّي عن إدارة «كانّ السينمائي» بعد ثلاثة عقود، نجح خلالها في ترسيخ مكانة المهرجان عالميًا، وتحويله إلى وُجهة يهرع إليها النجوم. واختار تيري فريمو خليفةً له: «كيف يمكنني رفض هذا العرض؟ بالإضافة إلى ذلك، اقترح جيل جاكوب ووزيرة الثقافة كاثرين تاسكا أن أواصل عملي في ليون. كان ذلك منطقيًا: إنه الالتزام نفسه، في خدمة العمل الثقافي العام. عُيِّنتُ في خريف 2000، وكانت أول دورة لي في 2001».

تييري فريمو
تييري فريمو

«كانّ»… بداية حقبة جديدة

كانت الدورة الأولى لتيري فريمو في «مهرجان كانّ السينمائي» تحمل تحدّيًا كبيرًا، ومسؤولية وضعها جيل جاكوب على عاتقه: إعادة الأميركيين إلى «كانّ». فقرَّر اختيار فيلم «مولان روج!» لافتتاح المهرجان: «قال لي جاكوب: علينا إعادة الأميركيين إلى «كانّ». توجهت إلى لوس أنجليس في يناير 2001، والتقيت شون بن، وكان فيلمه «العهد» ضمن المسابقة، وكذلك جيم جيانوبولوس وتوم روثمان، اللذين كانا يديران استوديو «فوكس» وسيصبحان مهمّين جدًا بالنسبة إليّ. قالوا لي: لدينا فيلم باز لورمان الجديد «مولان روج!». كنت قد شاهدتُ فيلمه «قاعة الرقص الصارمة» في «كانّ».

«جاء جيم إلى باريس ليعرضه علينا. أحببنا الفيلم أنا وجيل. وكان مثاليًا للافتتاح، خاصة مع استوديو مثل «فوكس». وافقوا على الحضور للافتتاح. كانت تلك الليلة مجنونة: الفيلم، والاستقبال، وظهور نيكول كيدمان المُبهر، والسجادة الحمراء الاستثنائية، وإحدى الحفلات الأسطورية التي لا يجيدها سوى باز».

لم يكن انتقال مهرجان بحجم «كان» من إدارة إلى أخرى أمرًا سهلًا، لكن جيل جاكوب سلّم الراية إلى تيري بسلاسة: «علّمني جيل جاكوب المهنة. كان يمتلك شخصيته الخاصة، والهيبة اللازمة لـ«كانّ»، وقد رسّخ نفسه خليفةً لروبير فافر لو بريه، الذي كاد «يخترع» المهرجان قبله. كنت شابًا، بطباع مختلفة، وكنا ندخل قرنًا جديدًا. منحني جيل قدرًا كبيرًا من الحرّية، وأصبحت نقاط قوتنا المختلفة هي نقاط قوة «ثنائيتنا»».

لم تكن علاقة فريمو بالمهرجان وليدة تلك اللحظة، بل بدأت منذ عام 1979. فقد عرف المهرجان جيدًا وتعلَّق به، ممّا سهّل عليه الانخراط فيه: «كنتُ دائمًا عاشقًا كبيرًا لـ«كانّ». حضرت للمرة الأولى عام 1979، عندما كنتُ صغيرًا جدًا. كنتُ أتحايل للحصول على مقاعد جيدة، وأجادل المنظّمين، وأرتدي بدلات سهرة مرتجلة. أحببت مدينة كانّ؛ كنت أعرف الأماكن والشواطئ والمطاعم، ودافعت عن المهرجان عندما كان يتعرَّض للهجوم. وعندما بدأت العمل هناك، فهمتُ آلياته بعينٍ شابة متجدّدة».

تولَّى فريمو منصبه في وقت صعب، وقيل حينها إنّ «المهرجان كان يفقد زخمه»، لكنه كان يملك رأيًا مختلفًا: «لا أقول ذلك. كان جاكوب واعيًا بالتحدّيات، وكان يعلم أنّ «كانّ» يحتاج إلى السينما الأميركية. عندما وصلت، أتذكر نقاشات حامية مع بيتر بارت! لكن جاكوب كان قد وسّع آفاق المهرجان نحو أوروبا وآسيا، بمساعدة شخص مثل بيار ريسيان، وهو مكتشف مواهب لا يُضاهى. وكان ذلك ذا قيمة لا تُثمَّن».

بعد تلك الانطلاقة، وعلى مدار 25 عامًا، أعاد فريمو تشكيل بنية «مهرجان كانّ السينمائي» بشكل عميق. لم تكن لديه رؤية واضحة منذ البداية، لكنه نجح: «سيكون من الغرور الادّعاء بأنني كنت أملك رؤية واضحة لتطوير المهرجان. لكنني شعرتُ أنني قادر على جلب طاقة جديدة من خلال تجربتي بكوني مُشاهدًا للمهرجانات وعاشقًا للسينما. الخطر في عملنا، وأنا حذر منه جدًا، هو أن نصبح راضين في مواقع الهيمنة. لكنّ المهرجان هو عكس ذلك. عليك أن تنفتح باستمرار، وتبحث عن سينمات أو دول أو مخرجين جدد. كان هو الاحتفاء بكبار السينمائيين، واكتشاف مواهب جديدة رائعة. السينما لا تبقى كما هي من عقد إلى آخر؛ يجب أن تلتقط اهتزازاتها وتطوّراتها، وأن تعرف كيف تُغامر وتُخاطر. لهذا كنت هناك».

واستحدث فريمو أقسامًا رئيسية جديدة في المهرجان خلال تلك الأعوام، من أبرزها قسم «نظرة ما»: «في بعض الأحيان، كان بعض المخرجين ينظرون إلى «نظرة ما» على أنه خطّة بديلة. فأعدنا تركيزه على السينما الصاعدة، وأنشأنا قسم «عروض كانّ الأولى». إلى جانب المسابقة و«نظرة ما»، أردت أن أكون قادرًا على عرض أعمال تقع في منطقة وسطى. «عروض كان الأولى» يُعبّر عن نفسه، ولا علاقة له «بسحب أفلام من المسابقة»، كما كُتب. في كانّ، كل شيء يتعلّق بالذوق والرغبة والشغف، من جانب المهرجان والفنانين على السواء».

جيفري كاتزنبرغ ومايك مايرز في الحفل اللاحق للعرض الأول لفيلم "شريك"
جيفري كاتزنبرغ ومايك مايرز خلال العرض الأول لفيلم «شريك» – كان (2001)

ومن أهم لحظات «كانّ»، كان اعترافه رسميًا بانتماء أنواع مختلفة من الأفلام إليه؛ التحريك، والوثائقي، وأفلام النوع: «لم يكن هناك كثير من خبراء التحريك، ولم يكن جيل جاكوب ولا أنا من بينهم. لكن عندما عرض علينا جيفري كاتزنبرغ فيلم «شريك»، لم يكن ثمة شكّ في أنه ينتمي إلى كانّ. هذا العرض عام 2001 شرَّع وجود أفلام التحريك في الاختيار الرسمي، ولم نتوقَّف منذ ذلك الحين».

«أما الوثائقيات فكانت أقرب إليّ: كنتُ مهووسًا بأفلام كريس ماركر، ومارسيل أوفولس، وكلود لانزمان، وفريدريك وايزمان وغيرهم. وكان من البديهي إدراج «بولينغ فور كولومباين» في المسابقة لقوة الفيلم. كما جاءت فكرة دعوة مزيد من الوثائقيات من متعة عرض فيلم أنييس فاردا «الجامعون والجامعة» في «كانّ» 2000. وهكذا وُلدت «العروض الخاصة»».

Oldboy (2003)
Oldboy (2003)

«أما سينما النوع، فجاءت من كوني عاشقًا لسينما «الأقاليم» ومن رفقة أقراني. يجب دائمًا محاربة قدر من الأكاديمية و«الطابع الرسمي» لسينما المؤلّف. فهناك مؤلّفون في كل مكان… طالما أنهم مؤلّفون بالفعل. احتضن «كانّ» كلّ أنواع السينما و«رفع عنها العزلة». فيلم «أولدبوي» الذي فاز بالجائزة الكبرى عام 2004، أصبح مخرجه بارك تشان ووك رئيس لجنة تحكيم «كانّ»، وهو مصدر فخر لبونغ جون الذي فاز بالسعفة الذهبية بعد 15 عامًا. السينما الكورية سينما عظيمة. أيضًا، أؤمن بأنّ حكم النقاد ورواد المهرجانات والمهنيين مهم جدًا. هم يرفعون من شأن الأفلام ويؤكدون صحة اختياراتنا». بعدها أنشأ أيضًا قسم «كلاسيكيات كانّ»: «جاءت الفكرة من «معهد لوميير». في السابق، كان التراث السينمائي حكرًا على الأرشيفات. ثم، مع ظهور أشرطة الفيديو المنزلية وانتشار التلفزيون، دخلت الاستوديوهات الأميركية على الخطّ، لا سيما «وارنر براذرز»، عندما ابتكر وارن ليبرفارب سوق الأقراص الرقمية هناك».

«في ليون، أردتُ إنشاء مهرجان مخصّص لمحترفي التراث السينمائي، وكذلك لعشاق السينما والمؤرّخين، لأنّ العصر الرقمي منح الكلاسيكيات مستقبلًا جديدًا. كان هو أولويتي؛ بدأت «كلاسيكيات كان» عام 2004، ثم «مهرجان لوميير» عام 2009. وسرعان ما رسَّخ «كلاسيكيات كان» مكانته. وعلى خطاه، أطلقت «فينيسيا» قسم «كلاسيكيات فينيسيا»، وتبعتها مهرجانات أخرى. وقد جمع «كلاسيكيات كانّ» مجتمعًا مهنيًا شعر بأنه مرحّب به على الكروازيت».

تحدّيات وقرارات

تمرُّ صناعة الأفلام اليوم بمرحلة اضطراب كبيرة، قد تكون أعمق أزمة عايشها الجميع، ومنهم فريمو: «تسبَّبت جائحة كوفيد في ما لم تُسبّبه حربان عالميتان: إغلاق دور السينما. في الوقت نفسه، كان الجمهور يستهلك السينما عبر الشاشات الصغيرة: انتصار منصّات البثّ، وأزمة في حضور القاعات. اليوم، الصناعة في دوّامة هائلة. في السابق، كان هناك فيلمان ضخمان كلّ شهر، أما الآن فالعدد أقل. ما كنا نعرفه أصبح هشًا. هل يمكن أن تموت السينما؟ لا. السينما بكونها فنًا ولغةً، ليست في خطر. السينما موجودة في كلّ مكان. ما يجب إنقاذه هو القاعات، وفكرة معيّنة عن العلاقة بين العمل والجمهور. وكما لا يمكن للأدب والقراء العيش من دون مكتبات، لا يمكن للسينما أن تعيش من دون دُور العرض».

تيري فريمو
تيري فريمو – كان (2026)

جلس فريمو 25 عامًا على رأس «مهرجان كانّ السينمائي»، شاهد خلالها تغيرات اجتماعية وثقافية كبيرة، لا يقلّ تأثيرها عما سبق ذكره، ومنها حركة «مي تو»، التي كان لا بدّ للمهرجان من الانخراط فيها بشكل أو بآخر: «من خلال مواكبته لها. في الماضي، كانت الفضائح الكبرى في كانّ فنية، مثل «الأم والعاهرة» أو «الوليمة الكبرى»، أما ثورة «مي تو» وحركة «حياة السود مهمّة» فتتجاوزان السينما إلى المجتمع كلّه، وعلى المؤسّسات أن تُراجع نفسها أيضًا».

«في كانّ، جرت أول مسيرة للمساواة، وكان أول مهرجان يوقّع الميثاق. جمعت المسيرة على السلالم 82 امرأة، وهو عدد المُخرجات اللواتي شاركن في المسابقة عبر تاريخ المهرجان، مقابل مئات الرجال. كانت لحظة مفصلية قادتها أنييس فاردا وكيت بلانشيت، وأدركت كلّ الأجيال حجم التغيير. ومع ذلك، فإنّ العملية لم تكتمل بعد، ونحن في حوار مستمر مع منظّمات مختلفة لتحسين الوضع».

كان لهذه الحركات تأثيرها بالطبع على إعادة تموضع المخرجات، عددًا وحضورًا، داخل الصناعة، لكن هل يؤثّر ذلك في اختيارات المهرجان؟ هذا ما يحتاج إلى توضيح: «عندما يزداد عدد المخرجات، ينعكس ذلك في الاختيار الرسمي. نرى ذلك في السينما الصاعدة، وأفلام المدارس، والأفلام القصيرة، وقسم «نظرة ما». وهذا دليل على أنّ الأمور تتحرّك في الاتجاه الصحيح. لا ينبغي أن يكون الحدث الثقافي مكانًا للانقسام، بل يتطلب التسامح واحترام آراء الآخرين. السينما أيضًا أداة للسلام».

«مهمتنا ليست: أعجبني أو لم يعجبني، ولا جيّد أو سيئ، بل: ماذا يقول هذا الفيلم عن السينما؟ أؤمن بقوة الثقافة وقدرة السينما على تناول القضايا الكبرى. لكن إذا فاز فيلم «رجل من حديد» للمخرج أندريه فايدا بالسعفة الذهبية، فذلك أولًا لأنه فيلم جميل لمخرج كبير، حتى لو تناول بولندا في أزمة».

«لدينا مبدأ واضح: عند الشكّ، ومع تساوي الجودة، نمنح الأفضلية للسينما الأقل تمثيلًا. كما نحرص على دعوة مَن لم يسبق لهم الحضور إلى كانّ، حتى لا يبدو أننا نفضّل الأسماء نفسها دائمًا».

هذا العام، يأتي المهرجان مُحمَّلًا باختيارات متنوّعة، حاول من خلالها تحقيق التوازن: «لدينا مخضرمون وكثير من الوجوه الجديدة. كنت واضحًا منذ البداية: الجميع مرحَّب بهم في كانّ. لا توجد أرستقراطية. جميع الأفلام الـ3000 المقدَّمة شودِهت. قراراتنا مستقلّة، لكن لكلّ فيلم فرصة».

لحظات لا تُنسى

خمسة وعشرون عامًا في «مهرجان كانّ السينمائي»، وضعفها وأكثر في حبّ السينما، عاش خلالها تيري فريمو كثيرًا وتعلَّم كثيرًا، ممّا جعله يبني رؤية فنية واضحة تُعبّر عن هويته: «السينما ديانة، وكانّ هو تجمّع كلّ الكنائس». خلال تلك المرحلة، صنع فريمو كثيرًا من الذكريات في «كانّ»، وكان أفضلها «ثلاث لحظات غير سينمائية: زيارة دييغو مارادونا، والحفل المُصغَّر لفرقة «يو تو»، واستضافة جوزيه بوفيه».

تيري فريمو
تيري فريمو – كان (2021)

أما اللحظة الأصعب فكانت الجائحة: «في 2020 حاولنا، حتى اللحظة الأخيرة، إقامة المهرجان. وفي 2021، قرّرتُ في يناير تأجيله إلى يوليو. وكانت تلك الدورة ذكرى رائعة للجميع». ويرفض رئيس المهرجان تحديد اسم أهم «سعفة ذهبية» في مسيرته، لقناعته بأنّ «المسابقة مثل حدث رياضي كبير: هناك عنصر حظّ، لكنّ الفائزين دائمًا هم الأبطال الحقيقيون»، مؤكدًا أنه فخور بكل الأفلام التي اختارها على مدار سنوات عمله.

أما أفضل الأفلام، من وجهة نظره، فهي: «خروج العمال من المصنع» للويس لوميير، و«المصوّر السينمائي» لباستر كيتون، و«الحضيض» لجان رينوار، و«شبح» لكريستيان جاك، و«دوار» لألفريد هيتشكوك، و«بييرو المجنون» لجان لوك غودار، و«حدث ذات مرة في الغرب» لسيرجيو ليوني، و«1900» لبرناردو برتولوتشي، و«فاني وألكسندر» لإنغمار برغمان، و«ليلة الافتتاح» لجون كاسافيتس.

أما أكثر الأفلام التي دافع عنها، فكان «لا رجعة فيه» لغاسبار نوي: «كان صعب المُشاهدة، لكن من الواضح أننا أمام مخرج عظيم». والفيلم الذي ندم على عدم اختياره كان «ضائع في الترجمة» عام 2003: «رأيته فيلمًا صغيرًا عظيمًا، أو فيلمًا عظيمًا صغيرًا. ذهب إلى «فينيسيا»، ولم يُعرض في المسابقة هناك أيضًا». والأهم أنّ فريمو لم يندم يومًا على اختياره أي فيلم قدَّمه للجمهور في «كانّ»: «لا شيء. أنت لا تندم عندما تحبّ».

اقرأ أيضا: تييري فريمو: الاستوديوهات تتراجع… والسينما المستقلة تقود المشهد في كانّ

شارك هذا المنشور

أضف تعليق