ضمن فعاليات «مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير» في دورته 12، (27 أبريل – 2 مايو)، شاهدتُ فيلم «عين السمكة» للمخرج حسام رستم الذي عُرض ضمن مسابقة الفيلم المصري.
لم أتردَّد، بكوني عضوًا في لجنة تحكيم «جمعية نقاد السينما المصريين»، في التصويت له، رغم إعجابي بعدد من التجارب المصرية الواعدة في مختلف المسابقات. لكن هذا الفيلم كان مختلفًا تمامًا عمّا سواه. لذلك كانت فرحتي عارمة عندما جاء القرار النهائي للجنة التحكيم بمنحه «جائزة سمير فريد»، التي تقدّمها الجمعية سنويًا لفيلم متميّز من اختيار لجنتها.
صعوبة الخلاص من ثقل الماضي
يبدأ الفيلم بآفان تتر، على هيئة كابوس لبطله يحيى. كابوس مرير يرى فيه أمه وهي تُعدّه للموت، فيما هو مقيّد بكفن أعلى خشبة مسرح، بينما المتفرّج الوحيد هو الأب، الذي يتّضح استمتاعه بعذاب يحيى عبر الضحك والتصفيق. لا يقدر يحيى على الهرب، ويزداد توتره شيئًا فشيئًا، فيما نسمع في الخلفية صوت يحيى الصغير وهو يلعب الغميضة مع أمه، ويعلو صوتهما صوت النورس. نسمع الأم وهي تمسك به وتردّد: «يلا نلعب من أول وجديد»، ليردَّ يحيى: «أنا مش يحيى». نسمع كلّ ذلك من خارج الشاشة، بينما نرى في النهاية الأم والأب واقفين أمام يحيى المقيّد بالكفن، فيما توجه الأم نظرات عتاب للأب.

عبر تلك الافتتاحية المكثَّفة التي لا تتجاوز دقيقة، استطاع حسام التعبير عن علاقة شديدة التعقيد لطالما كانت حاضرة بين الآباء والأبناء. ففي اللحظة نفسها التي يشهد فيها يحيى احتضاره على مرأى من أبيه وأمه، وكأنهما سبب فاجعته، نسمع صوته الداخلي متمثّلًا في حنين إلى ذكرى من الطفولة، يلعب فيها «الاستغماية» مع أمه باستمتاع. ورغم أنّ يحيى هو الضحية الأولى في ذلك الكابوس، فإنّ الأب والأم لا يبدوان جانيَيْن أيضًا، إذ لا تنفصل مشاعر الذنب والندم عن ملامحهما وهما ينظران إلى ما اقترفاه في حق يحيى المُشرف على الموت. ويأتي صوت يحيى الطفل في النهاية مسيطرًا على المشهد، وهو يؤكد بنبرة تقريرية: «أنا مش يحيى».
ربما تختزل تلك الافتتاحية الموجزة كل شيء… صراع يحيى ومخاوفه، علاقته المركَّبة بأبيه وأمه، وحنينه المعقّد إلى طفولة باتت العودة إليها أمرًا مستحيلًا. فيما تتجلى الأزمة الكبرى في شعوره بأنه شخص آخر، ليعبّر رده على أمه عن مدى ألمه وإحساسه بالانسلاخ عن هويته، ويكشف المشهد عن جرح إنساني أبدي لا يزول.

تبتعد تلك الافتتاحية أيضًا عن التناول الأحادي/الميلودرامي للشخصيات، فلا يتبدَّى أنّ الأهل هم الجناة فقط في هذه السردية، وإنما يظهر يحيى جانيًا على نفسه أيضًا، وهو ما يؤكده المشهد التالي. نراه يستيقظ من كابوسه في فزع، لنُفاجأ بأنه كان نائمًا تحت السرير أصلًا، فينتزع الخشب من فوقه قطعة تلو الأخرى ليتمكن من النهوض، فيما لا يزال صوت اللعب من الطفولة يطارده.
هنا تتضح، وبشكل مجازي، طبيعة العلاقة بين يحيى وواقعه، ممثلةً في حاجز خشبي يحجب رؤيته للعالم الخارجي، بما يدل على رفض قاطع للحاضر وتعلّق مرضي بالماضي. وتُجسّد عينا الممثل صهيب عصام، الذي يؤدّي دور يحيى، هذا الخوف والتعب الداخلي، فتبدوان للوهلة الأولى كأنهما تحملان داخلهما كلّ أشباح ماضيه المعقد وآلامه، والذي يبدو ثقلًا كبيرًا يعجز عن الخلاص منه، ممتدًا إلى حاضره، ومتجسّدًا في أم مصابة بالخرف وأمراض مزمنة، يحملها يحيى كأنها موروثة.
الجرح الذي لا يلتئم
في مشهد بمنتصف الفيلم، تسأل الأم يحيى لماذا لا يزال محتفظًا بالسمكة الميتة في الحوض، ليرد بأنها كانت هديتها له في عيد ميلاده. ومن خلال نظرته المشوبة بالألم واللوم تجاهها، ثم نحو صورة أبيه الغائب، تتجلَّى أزمته الكبرى من جديد… التعلُّق بأشياء منتهية أصلًا. خيط ممتد من الألم يتضح بدايةً من الأم المصابة بالخرف التي يرعاها، مرورًا بإبقائه على السمكة الميتة، وصولًا إلى شعوره المعقّد تجاه الأب نتيجة فقدانه المبكر. ارتباط وثيق لا يعيه سوى يحيى، فيبدو محتجزًا داخل حيز المنزل، كما تبدو السمكة الميتة محبوسة داخل الحوض.

اللافت هو استمرار يحيى في إطعام السمكة، كأنه أمل في عودة كلّ الأشياء التي استحال رجوعها. وهي ذاتها رغبته في القبض على لحظة شديدة الخصوصية من طفولته، حين كان يلعب ويغنّي مع أمه. هنا تتّضح شاعرية يحيى أكثر، والتي تبدو في الوقت نفسه منبع آلامه، ليتبدَّى أن الحنين هو العلّة… حنين إلى كلّ الأشياء الزائلة. ومن هنا يتجلى عنوان «عين السمكة»، بوصفه أكثر من مرض جلدي، ليغدو أشبه بـ«حالة» مُعاشة وممتدة، تعبّر عن أُلفة الألم.
«لما بقيت وحيد، في نفس الوقت بقيت حرّ»
يدخل يحيى غرفة أمه ليجدها تُجهّز نفسها للخروج، فيسألها عن السبب، فتخبره بأنها تنوي الذهاب إلى البحر، فيعدها بأنهما سيذهبان غدًا. يذهب للنوم، ليعاوده الكابوس نفسه؛ هذه المرة يرى أمه تُحكم حياكة الكفن، بينما يقودها أبوه إلى خارج المسرح. تنظر الأم إليه نظرة وداع أخيرة حانية، وتنزل من عينها اليسرى دمعة واحدة.

تتبدّى تلك مثل لحظة كشف ليحيى، إذ يتضح أنّ خوفه الأكبر لم يكن سوى خوف فقدان الأم. كما يتبيَّن أن ضحكة الأب في البداية ليست إلا تجسيدًا للخذلان الذي شعر به يحيى نتيجة موت أبيه في صغره، فيبدو، في تصوّره لأبيه على تلك الشاكلة، كأنه يلومه على موته وتركه هو وأمه وحيدَيْن.
يصحو يحيى من نومه ليجد أمه قد ماتت بالفعل على سريرها، ليتحقق ما كان يخشاه طوال الوقت.
«لما بقيت وحيد، في نفس الوقت بقيت حرّ»… هي جملة ينطق بها بطل داود عبد السيد «يحيى» في «رسائل البحر»، وتعاود التحقّق هنا من جديد، متمثّلة في يحيى آخر عانى التيه والحنين نفسيهما.
وعبر حركة كاميرا تنتقل من الغرفة إلى الشرفة، ومن الألوان الباهتة إلى الأخضر الزاهي، بالتزامن مع صوت يمامة، يأتي المشهد تعبيرًا عن موت الأم، وفي الوقت عينه دلالة على تحرُّر روح يحيى من الثقل الذي حمله طوال عمره.

في مشهد تالٍ، نرى يحيى ينبش في أغراض قديمة، باحثًا عن شريط يحمل اسم «عين السمكة». يبدأ بتشغيله، بينما يجلس على السرير يستمع بأسى، لنسمع صوت يحيى الطفل من جديد، وهو يباغت أمه بأسئلته الساذجة. يسألها عن سرّ وجود «عين السمكة» في قدمه، فتحاول التهرّب، وتخبره بأنها شيء موروث في العائلة، وأن مَن يملكه هو فقط مَن يعيش مدّة أطول. ليسألها يحيى: «هو بابا مات من عين السمكة؟»، فتُجيبه، مستسلمة: «لا يا يحيى، بابا مات من مرض تاني كبير».
هنا تتبدَّى «عين السمكة» علامةً أبديةً مميِّزة، مثل جرح يستحيل التئامه، وعطب عائلي متوارث يتجلَّى كأنه لعنة تتجاوز الجسد، متوغلةً في الذاكرة، في ماضٍ لا يستطيع يحيى الفكاك منه، وينخر بدوره في حاضرٍ متآكل بفعل الألم.
ينظر يحيى إلى جواره ليجد بقايا من شعر رأس أمه موضوعة داخل كيس صغير، بينما يستمع إلى جملة أمه في الشريط، التي تقول إنه لو وضع «عين السمكة» بين الزرع وقام بريّها، فستذهب إلى أبيه، وعندها سيشعر الأب بالاطمئنان.

اقتداءً بتلك الحكاية الرومانسية، يذهب يحيى إلى شاطئ البحر حاملًا معه إناءً من التراب. يستقر هناك، ويبدأ في وضع خصلات من شَعر أمه داخل الإناء، كأنه يُحقّق أمنيتها الأخيرة بالذهاب إلى البحر.
بعد ذلك، يرمي السمكة الميتة في البحر، رغبةً في تحريرها للمرة الأولى. يبدأ المطر في الهطول بغزارة، لنُفاجأ بأن السمكة قد عادت إليها الحياة، فتتجلّى النهاية مثل معجزة جاءت نتيجة تصديق يحيى حكاية أمه، ويتبدَّى الخلاص الشعري كأنه حل أخير في مواجهة الواقع، في محاولة لنسيان ماضٍ عصيّ على النسيان. ويرافق المطر صوت يحيى الطفل وأمه وهما يغنّيان للمرة الأخيرة: «في البحر سمكة… بتزق سمكة»، يرافق غناءهما صوت النورس، ولكن هذه المرة تعبيرًا عن الخلاص.
اقرأ أيضا: «المدينة»… عن التمسُّك بالقيمة في ظلّ هوية تتلاشى