العام الماضي، وبمناسبة مرور 25 سنة من القرن الحالي، تقرَّر عقد تعاون بين جمعية نقاد السينما المصريين ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في استفتاء لاختيار أفضل 25 فيلمًا مصريًا خلال الربع قرن المنصرم، بدايةً من يناير 2001 وحتى يوليو 2025.
كان أول ما جال بخاطري، وكان مُحبطًا لي، هو تلك الأفلام التي أعشقها ولم يكن لها نصيب من أن تُخلَّد بالطريقة التي تستحق. فبين القائمة التي اختارها النقاد عام 1996 على هامش مهرجان القاهرة السينمائي، واستفتاء عام 2025، استقرت تلك الأفلام في بقعة أرض رمادية، وكأنها، لسوء الحظّ، سقطت من حسابات الزمن نفسه.

على ذكر أبرزها، وهي خمسة أفلام على وجه التحديد، اثنان منهما ضمن أفلامي المفضلة للأبد، هما «جنة الشياطين» و«المدينة»، يليهما «أرض الخوف» و«عفاريت الأسفلت»، وأخيرًا فيلم «الناظر». وربما ما أثلج صدري قليلًا هو أنّ كلّ مخرج من الأربعة كان له فيلم واحد على الأقل ضمن قائمة الأفلام النهائية.
كان ليسري نصر الله الحضور الأبرز في القائمة، برصيد ثلاثة أفلام، وهي «باب الشمس»، و«احكي يا شهرزاد»، و«جنينة الأسماك».
أسعدني الأمر كثيرًا، فهو تمامًا ما يستحقه يسري نصر الله الفنان، وما تستحقه أفلامه التي دومًا ما كانت مغايرة، وتغرّد خارج سرب التقليدي والشعبوي.
ورغم ذلك، لم يُنسِني هذا أن فيلم «المدينة» غير موجود. لا أعلم السبب، ربما لفكرة شاعرية في رأسي كانت تريد الانتصار، وبطفولة شديدة، لبطل الفيلم علي، بأن يوجد ويُخلَّد، كما لو كانت تلك القائمة هي دليل وجوده الوحيد، شهادة ميلاده التي فقدها ضمن أحداث الفيلم. فكرة سخيفة وساذجة ومثالية بالطبع، لكنها لم تبارحني، لارتباطي الشديد بعلي، ذلك الشاب الساذج، فرانكشتاين الطائر في سماء باريس.
كاميرا ديجيتال، روض الفرج، وبقايا باريس
لن أبدأ بقصيدة كفافيس، بل بحيّ روض الفرج، الذي يرثيه «المَفاقيد» عيد وفوكس وعلي وأسامة وياسر بالغناء في مَشاهد متفرّقة على مدار الفيلم، إذ نراهم يرددون:
«روض الفرج يا روض العشاق… ياللي عليكي القلب اشتاق».
حسنًا، لماذا روض الفرج تحديدًا هي مَن تُرثى هنا؟ ومَن هؤلاء المَفاقيد؟

في لقاء مع كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن، وهو الذي بدأ السيناريو من عنده حينما كان طالبًا بمعهد السينما، وكان الفيلم مشروع تخرجه، يقول إنه ابن حيّ روض الفرج، وذلك الحي العتيق هو الذي كوّنه وشكّل وعيه. ويحكي أنه عام 1992، حين صدر القرار بنقل سوق روض الفرج، وهو أشهر أسواق المحروسة وأقدمها، إلى العبور، كان الأمر بمثابة انفتاح على عالم جديد مختلف ومغاير بالنسبة إليه، ولذلك كان جديرًا بالالتفات والملاحظة. كانت تلك لحظة فارقة في حياة عبد الرحمن، وبالتالي لم يجد بدًا من توثيقها، منطلقًا من رغبة أصيلة في الحكي عن سوق روض الفرج وأناسه المنسيين.
وفي حوار مع يسري نصر الله عن سبب اختيار السيناريو، والحكي عن حيّ روض الفرج، واختيار باسم سمرة لدور علي، يقول:
«لأنه حي في طريقه إلى الزوال. هذا الحيّ يقع في مواجهة بيتي، يفصل ما بيننا كوبري أبو العلا، الذي أُزيل منذ مدّة. من شرفتي في الزمالك، كنت أتابع التغيّرات الحاصلة في الضفة الثانية، وهما حيّ بولاق وروض الفرج. وهذه أحياء قاهرية عريقة، وشعبية جدًا، وغنية جدًا؛ لأنّ سكانها تجار كبار، عندهم ثروات مالية لا يُستهان بها. معالم هذه الضفة كانت تزول تدريجيًا، وتحلّ محلّها معالم جديدة مثل وزارة الخارجية والمركز التجاري الدولي. كان السكان الأصليون لهذه الأحياء يُطردون أمام أعيننا. حين عملت مع شاهين في فيلم (القاهرة منورة بأهلها)، صوّرت روض الفرج قبل تحلُّل معالمه وزوال السوق. وحين نصوِّر مكانًا، تولد بيننا وبينه علاقة. التغيّرات التي حصلت في روض الفرج أعادتني إلى بيروت التي تبدَّلت معالمها، وهُجّر ناسها من أحيائهم. هكذا ربطت بين المكانين. زائد التحولات التي طالت العمارة التي أسكن بها. فقد كان جاري المخرج شادي عبد السلام. بعد وفاته باع أخوه الشقة لمهندس ديكور غني جدًا. الشقة التي فوقها اشتراها لواء سابق في البوليس، فتغيرت تركيبة الناس الذين عشت وتربّيت معهم. أحسستُ أنّ هذه التغيرات الحاصلة ستطالني، شئت أم أبيت».
وما بين التحوّلات وآلية الطرد، تولَّد لديّ إحساس بأنّ المدينة تضيق بناسها، وتحاول إفهامهم أنّ المكان المعيش هو مكان شغل ومال، وليس مكانًا وجدانيًا.

«المدينة» ثمرة كتابة ثلاثية مشتركة؛ جزء روض الفرج كُتب بالمشاركة مع السيناريست الشاب ناصر عبد الرحمن، والجزء الفرنسي مع المخرجة كلير دنيس. وبما أنني لا أملك الادّعاء بمعرفة تامة بعالم روض الفرج وعلاقات ناسه، قرّرت أن أنفتح على هذا العالم من خلال عيني ناصر، وخضت تجربة الكتابة المشتركة على موضوع الشخصية الأساسية في الفيلم، وهي شخصية الشاب الذي سيُطرد من حيّه إلى مدينة العبور، التي هي المنفى لطموحات شاب استيقظ ذات صباح جميل على جملة تقول له: هذا المكان ليس مكانك، فيختار باريس مدينة بديلة لتحقيق أحلامه. الجزء الفرنسي كُتب مع كلير دنيس، وهي مخرجة فرنسية معروفة وتتمتّع بوضع خاص في السينما الفرنسية. وقد تصادفت كتابة الجزء الفرنسي في المدّة التي عبَّر فيها أهل السينما والفنّ عن رفضهم لقوانين دوبري التي تدعو لطرد الأجانب من فرنسا.
يحكي نصر الله أيضًا عن اضطراره لاستخدام كاميرا الديجيتال وخطورة التصوير بها، وجدير بالملاحظة أنّ «المدينة» كان أول فيلم مصري يُصوَّر بكاميرا ديجيتال، أعقبه فيلم «كليفتي» لمحمد خان عام 2004. ويشير نصر الله إلى أنّ اللجوء إلى الديجيتال كان اضطراريًا، وليس لسبب فنّي أو جمالي، وإنما لانخفاض ميزانية الإنتاج التي كانت مقرَّرة حينها، مقارنة بظروف الفيلم وموضوعه.
وبالنظر إلى الفيلم، لم يكن اللجوء إلى الديجيتال قرارًا سيئًا، فقد يتميَّز بصورة أصيلة جدًا، وربما هي مناسبة وتتماس مع الحكاية التي يرصدها؛ فهي حكاية تمتاز بالأصالة، وتحتاج إلى خفّة تُمكّنها من رصدها بدقة والتقاط عفويتها. ذلك ما يفسّر أنّ بعض مَشاهد الفيلم بدت كأنها تسجيلية من فرط واقعيتها، وكان لذلك سبب منطقي، وهو التصوير في حيّ روض الفرج ذاته، ومنه إلى الأحياء الهامشية والبؤر المنسية في باريس، ليبدو الفيلم في شكله النهائي وكأنه فيلم عن مقاومة النسيان.
احتفاء بالحياة وسينما لا تُحبّذ الحكم
عقب «الأفان تتر» الذي يحكي فيه علي عن نقل سوق روض الفرج، يكون المشهد الأول هو لقاء الأخير بالشاب «أبو لمونة»، بينما يمارس عمله اليومي محاسبًا في الجمعية التعاونية.

«أبو لمونة» هو اللقب الذي يختار علي» تسمية الشاب به، لأنه يستخدم الليمون تمويهًا. ورغم أنّ «أبو لمونة» متحرّش، تنشأ بينه وبين علي رابطة ما مشتركة، تتنامى بشكل مُلغز على امتداد الفيلم، ليتضح في النهاية أنها قائمة على القهر.
لا تُقدَّم شخصية «أبو لمونة» لخدمة هذه السردية فقط، بل تحمل بعدًا آخر يتجلّى فيه منظور نصر الله الإنساني للشخصيات؛ فهو لا يهتم بإدانته بقدر ما يبحث في حيثيات الفعل. وربما هذا أكثر ما يجذبني في سينما يسري نصر الله، فهو لا ينشغل بالحكم الأخلاقي على البشر، بقدر اهتمامه بالنبش في أسباب معاناتهم؛ بالتالي لا جناة، ولا أحكام أيضًا، بل ربما ضحايا فقط.
ويتجلى هذا الرفض للحكم في جملة يرد بها علي بثقة على تهكم عيد، حين يتساءل باستنكار: «أنا مش فاهم يا عيد… إنت بتحاكمني؟».

وربما، بالاستعانة بمشهد آخر حاضر بشكل ضبابي في ذاكرتي، أستطيع تفسير لماذا لا يميل نصر الله للحكم؛ وهو مشهد من فيلمه «مرسيدس»، تحت فصل معنّون بـ«الأموات»، إذ نرى أبطال الفيلم مع جَمْع من الصعاليك؛ الجميع يرقص ويغني ويبتسم، رغم التعرُّض للهزيمة والإذلال. هنا يتجلّى حبّ نصر الله للحياة، لاستمراريتها تحديدًا، ويتّضح انحيازه الواضح لأولئك الذين غلبهم القهر. هو احتفاء بالمتعة اللحظية، وباللذة العابرة رغم كلّ شيء.
ويمتدّ هذا التعاطف من روض الفرج إلى باريس، حيث نرى المهاجرين العرب وهم يقطنون في أزقة ضيقة على هامش المدينة. وتتجلَّى سخرية مُرّة في نكتة يرويها أحدهم: حين سُئل سوداني ومصري وعراقي وفلسطيني: «ما رأيكم في وجبات اللحم في وطنكم؟»؛ يسأل السوداني: «ما هي الوجبة؟»، ويسأل المصري: «ما هو اللحم؟»، ويسأل العراقي: «ما هو الرأي؟»، وتنتهي النكتة بمرارة حين يسأل الفلسطيني: «ما هو الوطن؟».
يمنح نصر الله تعاطفه غير المشروط لهؤلاء، ضحايا الغربة والأوطان، ولا يحكم علي هو الآخر على الشاب والفتاة اللذين يراهما يمارسان الحبّ، بل يتواطأ بشكل ضمني معهما. كما لا يحكم على رشدي نفسه، الذي يصف نفسه بـ«تشندلر العرب»، رغم خداعه واستغلاله للجميع. ويتجلَّى هذا العطف الشامل على لسان علي، حين يدافع عن رشدي قائلًا إنّ له أسبابه، رغم سرقته جواز سفره وأوراقه.
ويمتدّ هذا التعاطف إلى صعاليك ومَفاقيد روض الفرج أيضًا؛ فنحن نتعاطف مع ياسر، الذي قُدّر له السفر إلى السعودية لتكوين نفسه، بالقدر نفسه الذي نتعاطف فيه مع فوكس، نصف المصري نصف الأميركي، وحتى عيد، الذي يتبدى حقده وحسده لعلي بسبب ميل نادية إليه.
وبالطبع، حبّ أسامة العذري لعلي، الذي يتجلَّى بشكل شعري في ليلة سفر علي إلى باريس، حين يقرر أسامة حلاقة شعره وإعطاءه لعلي في كيس، بينما يخبره:
«ده عشانك… حبيت أديلك حاجة مني».
وحين يرفض علي الأمر، يشعر أسامة بجرح داخلي مرير، نشعر به متجسدًا في عينيه الدامعتين، ثم رميه لكيس الشعر، على أنغام أغنية أم كلثوم «هو صحيح الهوى غلاب»:
«يا قلبي آه… الحب وراه… أشجان وألم».
ورغم أنّ الأغنية في ظاهرها تبدو وداعَ أم لابنها، فإنها تتّفق أكثر مع شعور أسامة وحرقته لفراق علي. تلك الحبكة الفرعية يظهر من خلالها أيضًا فيتيشية الجسد الذكوري؛ فنرى على مدار الفيلم احتفاءً به لا يختلف عن الاحتفاء المُعتاد بالجسد الأنثوي وأسراره.

كذلك، فإنّ العلاقات المعقَّدة في الفيلم يصعب الحكم عليها بشكل قاطع، إذ تبدو جميعها ملتبسة. فعلي ونادية يحبّان بعضهما بعضًا، في حين يحبّ عيد نادية، ويحبّ أسامة علي. وبالمثل، تتعقَّد العلاقة الأبوية؛ فعطا، الذي يبدو في ظاهر الأمر مهتمًا بالعائلة والهوية والشرف، يظهر في الخفاء وهو يدفع لفتحية لممارسة الجنس معه، رغم حاجة عائلته وحاجته للمال. ورغم تمنُّع فتحية عنه، فإنها تقبل بممارسة الحبّ مع علي. وبينما يفرض عطا سلطته الأبوية على علي، من دون أن يقوم بدوره الطبيعي بكونه أبًا، يشعر علي بأبوّة عم شلبي، قدوته في المسرح.
إنّ هذا الالتباس والتداخل في العلاقات هو ما يجعلها علاقات بشرية حقيقية تمامًا، بعيدة عن التناول الميلودرامي، ولذلك يصعب تصنيفها أو إصدار حكم أخلاقي عليها.

كما تمتدّ الرغبة في الخروج عن التقليدي والمصنّف مسبقًا، وفقًا لمعايير جاهزة، في مشهد عابر وسريع، حين يتعرَّض علي لمخبر في الحيّ كان يطارد أبيه، لتُنقذه نسوة الحي، في غياب واضح للرجال عن الصورة. كما نلمس الاحتفاء بالحياة وأوج لذتها في مشهد يعوم فيه الرفاق الأربعة، فوكس وعيد وعلي وأسامة، في النيل، بينما يشربون البيرة، وتعلو ضحكاتهم ويغنّون، متناسين كلّ الصراعات والآلام.
«فرانكشتاين»: مسخ حالم متمسّك بالحقّ الأصيل في الوجود
بالرجوع إلى حديث يسري نصر الله السابق، وحوار ناصر عبد الرحمن، يمكن تبيان إلى أي مدى كان الموضوع ذاتيًا وأصيلًا، منطلقًا من مجموعة أسئلة مشتركة حول الذات، والهوية وما يشكّلها، والأصالة والحقّ في الوجود، وأخيرًا القيمة الإنسانية في مقابل كلّ ما يهدّدها ويحاول محوها.
وهنا تحديدًا تتجلَّى المقاربة بين سوق روض الفرج وتجارِه المجبرين على تركه، والحيّ المُعبَّر عنه بشلة المفاقيد، التي يملك كلّ فرد فيها حلمًا بعيدًا، وشخصية علي، بطل الفيلم. كما أنّ عملية نقل السوق ومحو آثارها لا تختلف عن النبذ والتهميش الذي يتعرَّض له العرب في باريس، ولا يختلف كلّ منهما عن القمع الذي تتعرَّض له شخصية علي، والذي يُعبّر عنه في مشهد بوح لصديقه المقرب أسامة، حين يقول:
«خايف أبقى زي أبويا… خايف أبقى زي عيد… وخايف أبقى زي ما نادية عايزاني».

هنا يؤكد علي رغبته في التمسُّك بذاته، التي يحاول كلّ مَن حوله محوها، عبر إعادة تشكيلها بالشكل الذي يرضيهم، لا كما يريد هو. إنّ خوفه الأكبر هو أن يكون مسخًا، متلاشيًا ومنسيًا مثل سوق روض الفرج، فيبدو كأنه سافر لا لشيء، إلا للهرب من فكرة أنّ الأشياء لم تعد كما كانت.
وتتبدَّى المفارقة بوضوح عند مقارنة ما يحلم به علي بواقعه؛ فهو يحلم بأن يصبح ممثلًا كبيرًا، بينما لا نراه إلا ممثلًا في دور صغير، هامشي وتافه. يظهر علي على المسرح، يؤدي دور «فرانكشتاين» الذي يحاول خطف الأميرة الحسناء، قبل أن يفر هاربًا فور تدخُّل حبيبها.
يتعرَّض علي للإهانة من الممثل الرئيسي في المسرحية، من دون أن يبدو متضايقًا؛ بل على العكس، يواصل سخريته ومرحه من وراء الستار. هنا يتضح استمتاع علي بفعل «التمثيل» نفسه؛ فلا تهمه المساحة أو طبيعة الدور بقدر حبّه لما يفعل. ومن هنا أيضًا يُفهَم التماهي بين علي وشخصية «فرانكشتاين»، التي نراها حاضرة وممتدّة ومتوغّلة حتى في أحلامه؛ ففي مشهد لاحق، يحلم علي بأنه يطير في سماء باريس مرتديًا زيّ «فرانكشتاين».
لا تبدو الإحالة إلى «فرانكشتاين» عابرة، فهي تعكس صراع علي الداخلي، وصراعه مع مَن حوله أيضًا. فصراع «فرانكشتاين» الجوهري كان صراع النقيضين، بين ما يحتويه قلبه من وداعة ورقة، وما يعكسه شكله الخارجي القبيح. وهو نفسه صراع «أحدب نوتردام»، الذي نستشعر حضوره هو الآخر متجسّدًا في عرج علي في باريس، بعد تعرّضه لفقدان الذاكرة، وكأنّ الذاكرة المعطوبة هي سبب العجز الخارجي. وهنا، وللمرة الأولى، يتماهى الداخل مع الخارج في أعماق علي.

وتتجلَّى المفارقة أكثر في أنّ علي هو الأكثر أصالة بين جميع من حوله، بينما هم في الوقت نفسه مَن يفرضون عليه شكله الخارجي؛ بالتالي يصبح «فرانكشتاين» طالما أنه منساق لقيودهم. ولا يتحرَّر علي منه إلا بنسيان ذاته الأولى، عبر فقدان ذاكرته في باريس.
الاغتراب لا الغربة: كيف تتشكَّل الذات عبر هدمها
يذهب علي إلى السوق لمواجهة عطا برغبته في السفر إلى فرنسا رفقة الفرقة المسرحية، ورفض الذهاب إلى السعودية. ينهره عطا ويعتدي عليه، فيغادر علي المنزل متسكِّعًا في الشوارع بلا غاية. وبين ذهابه إلى عم شلبي لتوديعه للمرة الأخيرة، وليلة يقضيها وحيدًا في فندق، وصولًا إلى البوح لأسامة، الذي تبدو نظرة عينيه من وراء الدخان كأنها استجداء له ألا يهاجر، وممارسة الحبّ مع فتحية أسفل كوبري، يحمل علي جرحه الدامي.
وهنا يرافق جرح علي المفتوح حنين إلى الطفولة، إلى الذات والبراءة، فتتجلّى أغنية «زي وأنا صغير» لوجيه عزيز خلفيةً لرحلته الأخيرة في ليل المدينة، كأنه يودّع روض الفرج، ذلك الحيّ الذي يتلاشى شيئًا فشيئًا، مع روحه، معبّرة عن شعوره وجرحه:
«مبقاش في نفسي حاجات كتير… معدتش بطير… زي وأنا صغير».
وكأن كل شيء إلى زوال نهائي.

يذهب علي إلى باريس، وبعد سنتين نراه ملاكمًا، وقد قرَّر نسيان حلمه الأول. هنا يكون نسيان الحلم، ومن ثم التماهي مع قسوة المدينة الجديدة، معادلَيْن لمضمون قصيدة كفافيس التي يُستهل بها الفيلم:
«ما من سبيل، ما دمت قد خربت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما كنت».
فتبدو كأنها نبوءة حملها علي طواعية في رحلته، فقط ليتأكد أنه المسؤول الوحيد عن تقرير مصيره؛ لا من حوله، ولا المدينة التي يهيم فيها. بذلك تتجلّى الأزمة، فهي أزمة اغتراب، لا غُربة؛ والاغتراب هو المفهوم الأعمق المعبِّر عن فقدان الذات ووجودها في غير موضعها.
تبعًا لذلك، يقرّر علي التمرُّد على قوانين مدينته الجديدة، التي كان فيها ملاكمًا بهوية زائفة، عبر العودة إلى حيّ روض الفرج. ونتيجة لعناده ورفضه الاستمرار في «تمثيلية الملاكمة»، يتعرَّض لحادث مدبَّر يفقد على إثره الذاكرة، ولا يحيا من جديد إلا بقبلة من الممرضة أنيس، فتكون قبلة الحياة له.
يكون السؤال الأول لعلي فور إفاقته من الغيبوبة، ورغم نسيانه لاسمه:
«هو أنا اللي انضربت ولا أبو لمونة». في تأكيد على شعور علي بتماهيه مع «أبو لمونة»، بوصفه الشيء الوحيد المتبقي في ذاكرته.
في كتابه «هكذا تكلّم زرادشت»، يطرح نيتشه ثلاثة تحوّلات للعقل الخلّاق والمبدع، للإنسان في صورته الجديدة والمختلفة كليًا. تلك المراحل هي: الجمل، المُعبّر عن الصبر على الشدائد؛ والأسد، المُواجه للمصاعب بشجاعة؛ ثم الطفل، وهي المرحلة الأخيرة، الضرورية لتشكُّل الذات الجديدة.

إن علي، بعد فقدانه للذاكرة، لا يختلف عن «طفل» نيتشه؛ ففي عالمه الجديد، يختار الأشياء عن طيب خاطر، يفكك ويهدم تعريفاته السابقة للمفاهيم والعلاقات، ليُشكّل ذاته الجديدة، المختلفة كليًا، والتي تتحمل مسؤولية تقرير مصيرها بنفسها، وللمرة الأخيرة.
«ولادة أخيرة من رحم المعاناة»
ذلك ما يفسّر أنه، فور عودة علي إلى مصر، كان أول ما يقرّره بشكل لا واعٍ أنّ عم شلبي هو أبوه، حين يرى صورته. ورغم كونه إسقاطًا لا واعيًا من علي، فإنه يفكّك صورة الأب الأولى المتمثلة في عطا، الأب البيولوجي. وتتبدَّى المفارقة أكثر في قسوة عطا، حين يصرخ في علي: «أنا أبوك يا ابن الكلب».

بعد ذلك، يقابل علي «أبو لمونة» في القسم، ويذكّره بصداقتهما، فيبدو الأمر كما لو كان إصرارًا من علي على التمسّك بتلك الرابطة الوثيقة المتمثّلة في القهر. ويتبدَّى أن فقدان الذاكرة كان جزئيًا، حيث نسي علي كل ما كان زائفًا فقط، وهنا تتجلّى الإرادة متمثّلةً في حرّية اختيار الأشياء.
يتّضح تغيُّر علي أكثر في قراراته التالية، في تأكيده أنه لن يعمل محاسبًا، وأنه لم يُخلق لشيء غير التمثيل، كما يتجلَّى ذلك في حبّه لنادية، وحتى في معاداته لعيد ومواجهته بعيوبه. هنا يظهر علي في صورته الجديدة، مؤكدًا هويته وقيمته، بقوله:
«لأ مش شغال في السوق… ومش هتنقل ع العبور… ومش هسيب مصر ولا روض الفرج إلا ع القرافة… ممثل يعني ممثل».
ينتهي الفيلم بلا انتصار ولا هزيمة؛ نهاية لا يحقّق فيها علي حلمه بأن يكون ممثلًا شهيرًا، وبالمثل لا يعود محاسبًا، بل نراه يؤدّي مشهدًا صغيرًا يشعر فيه بحرّيته ورضاه عن نفسه. وحيث لم يعد علي كما كان، فبالمثل لم تعد روض الفرج.
اقرأ أيضا: «زائر الفجر»… فيلم أنهى مسيرة صانعه مبكرًا