فاصلة

حوارات

«مهرجان الشارقة السينمائي»… أطفال يتعلّمون صناعة الأفلام قبل أن يكبروا

Reading Time: 6 minutes

بعد 13 عامًا على انطلاقه، يسعى «مهرجان الشارقة السينمائي للأطفال والشباب» إلى تجاوز فكرة عرض الأفلام نحو بناء منظومة متكاملة لاكتشاف المواهب وتأهيلها، عبر التدريب والشراكات المهنية وفرص الإنتاج. لكنّ الطريق إلى صناعة سينمائية مستدامة للأطفال لا يزال محفوفًا بتحدّيات التمويل والتوزيع وطبيعة السوق.

لا يكتفي «مهرجان الشارقة السينمائي للأطفال والشباب»، الذي اختتم دورته الثالثة عشرة مؤخرًا، بعرض الأفلام لجمهوره الصغير، فيسعى إلى إعداد جيل جديد قادر على المشاركة في صناعتها، عبر مسار يبدأ بمشاهدة الأفلام والتعرّف على لغاتها وأساليبها المختلفة، ويمرّ بالتدريب والممارسة، وصولًا إلى فرص العمل في مجالات السينما المتعدّدة.

هذه الرؤية، التي انطلق منها المهرجان قبل 13 عامًا، كانت وراء تأسيسه بتوجيه من قرينة حاكم الشارقة، الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، زوجة عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، انطلاقًا من إدراك أنّ الأطفال والشباب الذين يشاهدون الأفلام اليوم يمكن أن يصبحوا جزءًا من صناعة السينما مستقبلًا.

وتقول مديرة «مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب»، الشيخة جواهر بنت عبد الله القاسمي، إنّ الفكرة بدأت من الحاجة إلى مهرجان متخصّص في سينما الأطفال، في وقت كانت المنطقة تشهد تنظيم مهرجانات سينمائية متعدّدة، مثل «مهرجان دبي» و«مهرجان أبوظبي»، لكنّها كانت تفتقر إلى مساحة مخصّصة لهذه الفئة. وتضيف أنّ المهرجان حمل منذ بدايته بُعدًا تعليميًا وثقافيًا يستهدف تنمية مواهب الأطفال والشباب، وتعريفهم بأشكال سينمائية تتجاوز الأفلام التجارية الموجّهة إليهم، لتشمل الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية وأعمال التحريك من دول مختلفة، بما يتيح لهم اكتشاف ثقافات وتجارب إنسانية متنوّعة.

الشيخة جواهر بنت عبد الله القاسمي
الشيخة جواهر بنت عبد الله القاسمي

وتضيف: «نحن في إمارة الشارقة، عمومًا، نهتمّ ببناء المجتمع والأسرة والطفل والمرأة، وتطوير مهارات الشباب أكثر من أيّ شيء، وتوجُّهنا الأساسي ثقافي وفنّي. ومن هنا كانت البذرة التي انطلقت منها فكرة المهرجان؛ فالأطفال هم الذين سيكبرون ويعملون في مجال السينما، فلماذا لا نبدأ بهم، ونعمل على تعليمهم وتثقيفهم من خلال السينما، وننمّي هذا الجيل؟». 

لم يكن بناء جمهور يتقبّل مشاهدة أفلام بلغات مختلفة ومن ثقافات متعدّدة أمرًا سهلًا في البداية. وتستعيد القاسمي أنّ الدورة الأولى اقتصرت على عروض الأفلام من دون أنشطة مصاحبة، حتى يعتاد الجمهور مشاهدة أعمال بلغات مختلفة، مثل الإيطالية والهندية والصينية، ويدرك أنّ السينما لا تقتصر على الحكايات التي اعتاد متابعتها.

لكنّ التحدّي لم يعد يقتصر على توسيع خيارات المشاهدة، إذ بات يشمل التعامل مع جيل أكثر فضولًا ورغبة في الفهم والمناقشة. وترى القاسمي أنّ أطفال اليوم لا يريدون مشاهدة فيلم لمجرّد الترفيه، إذ يبحثون عن قصّة تثير اهتمامهم وتطرح أمامهم أسئلة، وهو ما دفع المهرجان إلى البحث عن أفلام تحمل رسالة أو تتناول قضايا مثل اللجوء وفلسطين وذوي الحاجات الخاصة، وتمنح الأطفال فرصة للتعرُّف إلى تجارب إنسانية مؤثّرة والقصص المشتركة بين الشعوب.

وتقول: «تسارع الأجيال شيء صعب. الجيل الحالي مختلف تمامًا عن جيلنا، ويرغب في مشاهدة فيلم يؤثّر فيه ولا يصيبه بالملل. ويريد قصّة يفهمها ويناقشها، فقد تجاوزنا مرحلة مشاهدة الأفلام للاستمتاع فقط». 

وتؤكّد أنّ هذا التحوّل يفرض على المؤسّسات السينمائية التعامل مع الطفل بكونه متلقّيًا قادرًا على التفكير والنقد، لا مجرّد متفرّج ينتظر رسالة جاهزة. ومن هنا تأتي أهمّية الأنشطة التي تساعده على فهم الفيلم ومناقشته، وتغذّي فضوله بمحتوى بصري هادف ومفيد.

تظلّ صناعة الأفلام مجالًا مكلفًا يحتاج إلى الوقت والموارد ومواكبة التطوّر التقني المستمرّ. وفي هذا السياق، ترى القاسمي أنّ الشراكات تمثّل إحدى أهمّ الأدوات التي تساعد المهرجان على مواجهة التحدّيات، سواء عبر الدعم الحكومي أو التعاون مع المؤسّسات والشركات المتخصّصة.

ويعمل المهرجان، وفق القاسمي، عبر نحو 11 شراكة مع جهات متنوّعة، تشمل مهرجانات سينمائية، من بينها «مهرجان القاهرة السينمائي» و«مهرجان أفلام السعودية» و«مهرجان لوس أنجليس» في الولايات المتحدة، إلى جانب شركات إنتاج ومؤسّسات تعليمية وشركات عالمية مثل «نيكون» و«سوني». 

ولا يقتصر دور هذه الشراكات على تقديم ورش تدريبية، إذ يمتدّ إلى توفير الدعم الفنّي والتعليمي لصنّاع الأفلام الشباب. وتضرب القاسمي مثالًا بدعم حصل عليه أحد الفائزين في فئة «أفضل فيلم من صنع الأطفال والشباب»، شمل عامًا كاملًا من الورشات التعليمية وإتاحة المعدّات اللازمة عند الحاجة. وتُفضّل هذا النوع من الدعم الفنّي والتعليمي على الاكتفاء بمنح مالية مباشرة، موضحةً أنّ توفير التدريب والأدوات يترك أثرًا مستمرًا في تجربة صانع الفيلم، ويساعده على تطوير مهاراته داخل الصناعة.

الشيخة جواهر بنت عبد الله القاسمي
الشيخة جواهر بنت عبد الله القاسمي

لكنّها تؤكّد أنّ المهرجان لا يستبعد تقديم دعم مالي مباشر لبعض المشروعات، وفق طبيعة كلّ حالة والجهات المشاركة. وقد سبق أن أسهم في توفير ميزانية إنتاج بعض المشروعات. وتوضح أنّ الفكرة ترتكز على جمع مصادر الدعم المختلفة، إذ يحصل كلّ مشروع على ما يحتاج إليه، بدلًا من حصر المساندة في جهة واحدة.

وتختصر القاسمي فلسفتها في التعامل مع هذه التحدّيات بكلمة واحدة: الصبر. فصناعة الأفلام لا تحقّق بالضرورة نتائج سريعة، والحصول على الدعم قد يستغرق وقتًا، ممّا يتطلّب من أصحاب المشروعات المثابرة والعمل على تطوير أفكار وقصص تستحقّ أن تجد من يدعمها. وتقول: «هذه الصناعة تحتاج إلى الصبر، وهو ما يحتاج هذا الجيل إلى تعلّمه، فهو جيل السرعة، متعجّل في كلّ شيء، في حين أنّ العمل على فيلم يتطلّب الصبر والمثابرة للحصول على الدعم، لأنه لن يأتي لشخص لا يتحرّك». 

وترى أنّ صناعة السينما أوسع بكثير من الإخراج والتمثيل، إذ تشمل الكتابة وتصميم الملابس والديكور والمكياج وغيرها من التخصّصات، مضيفةً أنّ المهرجان يعتزم جمع إحصاءات عن الأفلام وقصص النجاح التي خرجت من برامجه خلال السنوات الماضية، لكنّها لا تتوقَّع أن يتّجه جميع الأطفال الذين يتابعون المهرجان ويهتمّون بالسينما إلى صناعة الأفلام بالضرورة؛ فقد يفضّل بعضهم البقاء في موقع المشاهد، بينما يجد آخرون مساراتهم في تخصّصات مختلفة داخل المجال.

وتقول: «تقول الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي دائمًا إنّه ليس بالضرورة أن نطمح إلى تخريج 50 طفلًا يرغبون في العمل بالسينما من كلّ دورة، فيكفينا واحد فقط، لأنّ هذا المجال، مهما كان، تخصّصي بحت، والأطفال يميلون إلى مجالات متعدّدة، منها الرياضة والحاسب الآلي، كما يميل بعضهم إلى الفنون، وبالتالي ليس شرطًا أن يرغب كثيرون في العمل بالسينما». 

وتضيف: «كما أنّ صناعة الأفلام بذاتها صناعة كبيرة، وليس شرطًا أن يرغب الطفل في العمل بالإخراج، فهناك تخصّصات أخرى، مثل التمثيل والكتابة وتصميم الملابس والديكور والمكياج وغيرها». 

ومن هذا المنطلق أيضًا، يسعى المهرجان إلى توسيع فرص المشاركة، ومن بينها إتاحة المجال أمام الأطفال والشباب لتكوين فكر نقدي عبر المشاركة في برنامج «المحكّمين الواعدين»، الذي يضمّ مجموعة من الأطفال والشباب اختيروا بناءً على تقديم رؤية نقدية وتحليل لأحد الأفلام. ويتركّز عملهم خلال المهرجان على منح جائزة لأفضل فيلم من وجهة نظرهم، ضمن مسابقة تضمّ أفلامًا صنعها أيضًا أطفال وشباب تتراوح أعمارهم بين 12 و20 عامًا. وشارك في لجنة هذا العام الممثّلان المصريان الواعدان علي البيلي وريتال عبد العزيز.

تكريم المحكّمين الواعدين في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب.
تكريم المحكّمين الواعدين في مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب (2026)

ويولي المهرجان اهتمامًا خاصًّا ببرنامج «المحكّمين الواعدين»، المستمرّ منذ نحو ست سنوات. ولا يعتمد اختيار المشاركين فيه على حبّ مشاهدة الأفلام وحده، إذ تقول القاسمي إنّ البرنامج يتضمّن ورشات تدريبية مكثّفة وتجارب عملية، لأنّ المشاركة في لجنة التحكيم مسؤولية تتطلّب إعدادًا حقيقيًّا. وتكشف عن سعي المهرجان، عبر شراكاته، إلى إعداد أطفال للمشاركة في لجان تحكيم مهرجانات دولية، مثل «مهرجان جيفوني السينمائي الدولي للأطفال» في إيطاليا، الذي تضمّ لجنة تحكيمه نحو 500 طفل من مختلف أنحاء العالم، في خطوة تمنح الأطفال فرصة لاكتساب خبرة أوسع والتفاعل مع تجارب سينمائية متنوّعة.

ولا تقتصر جهود التأهيل على أيام المهرجان، إذ تنظّم مؤسّسة «فن» على مدار العام ورشات تعليمية وفعاليات وجلسات نقاشية، إلى جانب استضافة صنّاع سينما للتفاعل مع الأطفال وتدريبهم. وتشير القاسمي إلى أنّ هذه الجهود تشمل أحيانًا برامج إرشاد مهني فردية (Mentorship)، تتيح للمواهب التي تُظهر استعدادًا للتطوّر العمل مباشرة مع محترفين، لمدّة قد تمتدّ إلى أربعة أو ستّة أشهر، لاكتساب الخبرة وتطوير قدراتهم.

وتؤكّد أنّ الأولوية في الاستعانة بالخبرات التدريبية حاليًّا تظلّ للمتخصّصين الإماراتيين والعرب، ما داموا يمتلكون التخصّص المطلوب. وتتدرّج الورشات وفق الفئات العمرية، بدءًا من سنّ العاشرة، مرورًا بالفئة من 14 إلى 18 عامًا، وصولًا إلى المشاركين الأكبر سنًّا. وتوضح أنّ إنتاج فيلم بمستوى يؤهّله للعرض في المهرجانات يظلّ أكثر شيوعًا بين المشاركين الذين تتجاوز أعمارهم 18 عامًا، بينما يحتاج الأصغر سنًّا إلى مزيد من الوقت والتجريب والتعلّم. وتقول: «لا يعني ذلك إغلاق الباب أمام أفلامهم؛ فالأعمال التي تُرفض لعدم استيفائها معايير الاختيار، نستدعي صنّاعها، إذا كانوا من المقيمين في الإمارات، لنوضّح لهم أسباب الرفض، وبالتالي نساعدهم على تطوير أعمالهم»، مؤكدةً أنّ هذا جزء أساسي من دور المهرجان، إذ لا ينبغي أن تنتهي علاقة الطفل بالمؤسّسة لمجرّد عدم قبول فيلمه.

ورغم اتّساع برامج التدريب والشراكات، فإنّ الانتقال من إعداد المواهب إلى إنتاج أفلام طويلة للأطفال يظلّ تحدّيًا مختلفًا. فوفق القاسمي، تحتاج صناعة الأفلام إلى وقت طويل، وقد تستغرق بعض المشروعات سنوات حتى تكتمل، في وقت تتّجه فيه السوق بدرجة أكبر نحو الإنتاج التجاري الذي يضمن تحقيق الأرباح.

وتشير إلى أنّ الأفلام الطويلة الموجّهة للأطفال لا تحظى دائمًا بالفرص التجارية نفسها التي تتمتّع بها إنتاجات الشركات الكبرى، مثل «ديزني» و«بيكسار»، ممّا يجعل الاستثمار في هذا النوع من السينما أكثر صعوبة. لكنّها ترى مؤشّرات يمكن البناء عليها، مستشهدة بإقبال الجمهور على فيلم عُرض ضمن برنامج المهرجان، وأثار اهتمام موزّع سينمائي في الإمارات بعرضه في دُور السينما المحلّية.

وبالنسبة إليها، فإنّ تغيير نظرة السوق إلى أفلام الأطفال يحتاج إلى وقت وخطوات تدريجية، تبدأ بإنتاج أعمال محدودة وقابلة للتحقُّق، ثم تتوسَّع التجربة مع ظهور نماذج ناجحة وجمهور مستعدّ لمتابعتها.

وتطمح القاسمي إلى أن يشهد المهرجان مستقبلًا إنتاج فيلم طويل من صنع الأطفال والشباب المشاركين فيه، مُفضِّلةً الوصول إلى هذه النتيجة تدريجيًّا، بدلًا من وضع أهداف إنتاجية كبيرة قبل تهيئة الظروف اللازمة لتحقيقها.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق