رجلان على درّاجة نارية. الطريق أمامهما، والهواء في وجهيهما، والكلام يخرج أخيرًا بلا استعراض. في المشهد الأخير من «مفيش راجل بيعيط»، يتحدث عبد الله العربي والمخرج محمد مصطفى وهما يشقان الطريق. لا مرايا هنا، ولا منصّة استعراض، فيلين شيء ظلّ مشدودًا طوال الفيلم. هناك، عند السطر الأخير، شعرت أنّ الفيلم بدأ للتو.
عُرض الفيلم للمرة الأولى عالميًا في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، وهو باكورة مصطفى الطويلة بعد نحو عشر سنوات من التصوير. يدخل الفيلم عالم حرّاس الملاهي الليلية ولاعبي كمال الأجسام في القاهرة. رجال نحتوا أجسادهم كما تُصاغ الدروع، ويرتدونها كل ليلة على أبواب السهر. تتابع الكاميرا العربي وأصدقاءه، وهم يتدرّبون على رجولتهم كما يحملون الأثقال. تكرار يومي ووقفة محسوبة.

اعتادت السينما أن تمنح الرجل موقع الناظر، وأن تبرّر كلّ نظرة إلى جسده بالقتال أو المطاردة أو الفعل. لاعب كمال الأجسام يقلب المعادلة، جسده مصنوع كي يُنظر إليه، يقف أمام المرآة وأمام الآخرين كما يقف المعروض في واجهة. وفي هذه الحاجة إلى أن يُرى يبدأ الشرخ الأوّل. القوّة التي تحتاج إلى جمهور قوّة قلقة، والعضلة تنمو أحياناً فوق جرح قديم، فوق إحساس بالصغر أو الخوف. ومن يقضي عمره في بناء درعه، يعرف جيداً ما الذي يحميه. لذلك، يرفض الفيلم المسافة الآمنة التي تلوذ بها أفلام كثيرة عن الذكورة. يدعو مصطفى العربي إلى أداء ذاته أمام الكاميرا، فيأخذ الرجل الدعوة بحرفيتها، ويملأ الكادر بالصورة التي يعرفها عن نفسه. أما المخرج فيطارد شيئًا آخر. هكذا يصبح الفيلم مبارزة بين أداءين، أداء الجسد المرئي بعضلاته ووقفته وصلابته المهنية، وأداء الرجل الواقف خلف العدسة بشكوكه كمخرج وقلقه لماذا يصنع فيلمًا. والسؤال الذي يطرحه مصطفى على نفسه هو جوهر التجربة، هل يلتقط الحقيقة، أم طبقة جديدة من الاستعراض؟

أجمل ما في الفيلم أنّ الهشاشة تتسرّب من الهوامش. تظهر في التفاصيل اليومية. هؤلاء رجال يتكلّمون بأجسادهم، والفيلم يعرف كيف يصغي إليها. نادرًا ما تقترب السينما العربية من هشاشة الرجل من دون أن تسخر منه أو تشفق عليه. هنا تحضر الهشاشة بكامل كرامتها. غير أنّ هذا الإصغاء يبقى حذرًا أكثر ممّا ينبغي. يقترب الفيلم من رجاله خطوة، ثم يتوقّف عند العتبة. كنتُ أنتظر صلة أعمق، تمسّ ما تحت الجلد فعلاَ، وتحفظ للعربي غموضه، فلا يذوب في أسئلة المخرج عن نفسه. فحين يدخل صانع الفيلم إلى الكادر، يصير شريكًا في الاعتراف أو منافسًا عليه، ومصطفى يتأرجح بين الدورين حتى الدقائق الأخيرة.
ثم يأتي مشهد الدرّاجة. يجلس أحد الرجلين خلف الآخر، ولا يبقى وقت للوقفة المحسوبة. في هذه الوضعية تحديدًا يتكلم الرجال. حين لا يُطلب منهم أن ينظروا في العيون. هنا يعثر الفيلم على شكله الحقيقي، وهنا تمنّيت لو أنّه بدأ. «مفيش راجل بيعيط» صادق، يفتح بابًا على حياة هؤلاء الرجال ويتركه موارباً. وربّما كانت تلك المواربة نفسها أصدق اعتراف فيه، أنّ الطريق إلى قلب رجل مدرّع تأخذ أطول من عشر سنوات من التصوير.
اقرأ أيضا: «الضيفة»… جدّةٌ بلا مقعد على الطاولة