بعد أكثر من عشرين عامًا على العرض الأول لـ«كيل بيل» لكوانتن تارانتينو، ما الذي بقي منه؟ كيف سأستقبله اليوم، بعدما نضجت وتراكمت في ذاكرتي آلاف المشاهد منذ مطلع الألفية، حين شاهدته للمرة الأولى؟ يومذاك لم أكتفِ بمشاهدة واحدة، بل عدتُ إليه مرتين وثلاثاً، مصطحباً أصدقاء الأفلام إلى صالة السينما. فهل سأشعر اليوم بالنشوة نفسها؟ وهل ما زلتُ أترقب ظهور أوما ثورمان ببذلتها الصفراء الشهيرة، وهي تشقّ طريقها بين خصومها في رقصة انتقام لا تهدأ؟
مدفوعًا بفضول لا يقل عن فضول المشاهدة الأولى، قصدتُ الصالة التي تعرض النسخة الصادرة حديثًا، والتي تجمع الجزأين في فيلم واحد تحت عنوان «كيل بيل: الحكاية الدموية الكاملة».
في البداية، هناك امرأة.
لكنها ليست امرأة عادية.

إنها بياتريكس الملقّبة بـ«العروس» (ثورمان)، القاتلة المأجورة السابقة المنتمية إلى «فرقة الأفاعي القاتلة»، التي تستيقظ من غيبوبة طويلة لتكتشف أن حياتها انتُزعت منها بالكامل. ففي أثناء استعدادها لحفل زفافها داخل كنيسة صغيرة في مدينة إل باسو بولاية تكساس، يقتحم المكان بيل (ديفيد كارادين)، زعيم الفرقة التي كانت تنتمي إليها، برفقة أفراد عصابته، ليرتكب مجزرة تقضي على كلّ مَن كان حاضراً، تاركاً إياها بين الحياة والموت. وحين تستعيد وعيها، لا تكون المرأة التي فتحت عينيها هي نفسها المرأة التي أُسقطت أرضًا يوم المجزرة. نراها تولد من جديد، مدفوعة بقوة لا تعرف التردد: الانتقام. ستنطلق في رحلة أشبه بطقس تطهير إغريقي، تطارد خلالها، كلّ مَن شارك في تلك الجريمة، واحدًا تلو الآخر، وصولًا إلى المواجهة الأخيرة مع بيل، الرجل الذي لا يمثّل جزءًا من ماضيها، بل ربما الجزء الأكثر تعقيدًا منه.
طوال ما يقارب الساعات الخمس، يجعل تارانتينو المتفرج شاهدًا على مسيرة انتقام باردة تستحضر أسطورة الكونت دو مونت كريستو. بإيقاع محموم يلامس الرقص الدموي، تنجح «بلاك مامبا» (اسم آخر لـ«العروس») في تصفية خصومها، ضمن استعراض يخطف الأنفاس.

في الأصل، «كيل بيل» صُوِّر فيلمًا واحدًا، غير أن طوله الاستثنائي، والرغبة في تجنّب حذف أجزاء كبيرة منه، دفعا إلى إخراجه في الصالات على جزأين، تباعًا في عامي 2003 و2004، بقرار أيّده المنتج هارفي واينستين.
كان ذلك ظهر يوم سبت، في صالة باريسية، حيث أقيم العرض على شريط 70 ملم، وهو ما استقطب هواة السينما المتشدّدين وأصولييها، أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بأن للفيلم المطبوع على السيلوللويد حياة لا تمنحها أي نسخة رقمية. امتلأت القاعة الضخمة عن آخرها، رغم توقيت العرض الذي جاء في عزّ الظهيرة. تعمدتُ اختيار مقعد يتيح لي سماع ذلك الصوت الميكانيكي المدهش، خرير آلة العرض، الذي ما إن ينساب عبرها الضوء إلى الشاشة حتى يتحوّل إلى فانتازيا غامضة، لا تزال تأسرنا بعد أكثر من قرن على اختراع السينما.
السينما، شأنها شأن الموسيقى، أو عطر عابر يعود من الماضي، لا تعيد إلينا ما انقضى، ولا تسترجع ما تسرب من بين الأصابع، لكنها تمنحنا فرصة لقاء نسخة أقدم من أنفسنا.
كان الناقد روجر إيبرت محقًّا حين كتب أن إعادة مشاهدة الفيلم في مراحل مختلفة من العمر تمنحنا في كلّ مرة تجربة جديدة. فما نراه في الثلاثين ليس ما نراه في الخمسين. والذي يتغير ليس الفيلم، وإنما المتفرج.
النسخة الجديدة تعيد بعض المَشاهد التي حُذفت عند العرض الأول. علماً أن الحذف، في كثير من الأحيان، من أكثر القرارات الإخراجية حكمةً. كما فرضت صيغة عرض الجزأين في فيلم واحد، تفصل بينهما استراحة قصيرة، تعديلات درامية عدة، أبرزها حذف خاتمة الجزء الأول وافتتاحية الجزء الثاني، وهي تغييرات تمنح السرد انسيابًا أكبر، وتساعد في تلقّي الحكاية كعمل ممتد، كما أراده تارانتينو منذ البداية، ولو أن خيار الجزئين يوفّر أيضًا جماليات معينة.

شتّان بين عامَي 2003 و2026، كما شتّان بين مشاهدة فيلم عن العنف والانتقام والقتل في مطلع الألفية، ومشاهدته اليوم، بعد كلّ ما عشناه من حروب ومجازر وضغائن. علاقتنا بالعنف ما عادت كما كانت، بعدما اقترب منّا إلى هذا الحد، ثم ابتعد، وعاد ليقترب من جديد. صار العنف أقل تجريداً وأكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر استعصاءً على الاحتفاء كمجرد متعة سينمائية.
مشاهدة «كيل بيل» في عام 2026 تعني أيضًا أن زمنًا يتأمّل زمنًا آخر. حين عُرض الفيلم للمرة الأولى، بدا أشبه بحدث ثقافي خاطف، بفيلم «كالت» يفرض حضوره فورًا ويترك أثره في كلّ مكان. أما العودة إليه اليوم، فهي محاولة لاختبار ذلك الانطباع الأول: هل كان حدسنا في محله؟ وهل ما زال الفيلم يستحق المكانة التي منحناه إياها قبل عقدين؟ الإجابة، في معظمها: نعم.
«كيل بيل» الذي يهديه تارانتينو إلى المخرج الياباني كنجي فوكاساكو (1930 – 2003)، ترنيمة تحتفي بالحياة بقدر احتفائها بالموت، تلوذ بالعنف مثلما تلجأ إلى الحبّ والوفاء والخيانة. ومَن يظنّ أن تارانتينو يقدّم لنا فيلم انتقام لا أكثر، فقد يكتشف سريعًا أن ما نشاهده هو أوبرا سينمائية؛ تلتقي فيها المأساة بالأسطورة، والقدر مع الإرادة، لتولد ملحمة تتجاوز حدود الأنواع التي تستعير منها وتعيد تدويرها.

«كيل بيل» ماكينة حقيقية لتوليد المشاعر المتطرفة والمتناقضة التي تتراوح بين النفور والانبهار. نحن حيال فسيفساء من النبرات والأساليب والولعيات والتأثيرات والمدارس والثقافات. وسط هذا كله، تارانتينو هو الفتى الذي يلهو بالسينما. إنه أشبه بطفل يجمع كلّ ألعابه في صندوق واحد. إنه السينيفيلي الذي يضع كلّ الأفلام التي تربى عليها، وكلّ اللحظات التي شكّلت مخيلته، في عمل واحد.
«كيل بيل» نص سينمائي باهر لم يهرم ولم يفقد بريقه، لا بل وجد مكانه الطبيعي في الريبرتوار السينمائي.

هناك أفلام تختزن مَشاهد أيقونية ننتظرها، أما هنا، فالفيلم كله تقريبًا أيقوني، من افتتاحيته إلى خاتمته. مع ذلك، تبقى هناك لحظات يصعب نسيانها، مثل مقطع التحريك الذي يروي نشأة العنف في حياة أو رين إيشي (لوسي ليو)، ذلك المقطع الذي يحوّل الماضي الدموي للشخصية إلى حكاية تجمع بين القسوة والروعة.
وماذا يمكن أن نقول أكثر ممّا قيل، عن شاعرية القتل عند تارانتينو؟ فالقتل لديه لا يمكن أن يكون فعلًا صرفًا وجادًا، إنه دائمًا مشهد مركّب، يجمع بين الرقص والمأساة والسخرية. يكفي أن نتذكّر المواجهة مع جيش الياكوزا، التي تنتهي بذلك الحمّام الدموي الشهير بعد إبادة بياتريكس لخصومها، أو مبارزتها الأخيرة مع أو رين إيشي تحت الثلوج، حين تستل سيف الكاتانا في واحدة من أجمل المواجهات التي عرفتها السينما المعاصرة.

أما قصّة صناعة السيف على يد هاتوري هانزو، فتمثّل واحدًا من أعظم الفصول الدرامية في الفيلم، لأن تارانتينو يعرف كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى طقس سينمائي، بل إلى صلاة. في المقابل، يختار السخرية حين يصوّر تدريب بياتريكس على يد باي ماي، حيث تتحوّل القسوة إلى مادة هزلية من دون أن تفقد جبروتها.
هذا كله من دون الحديث عن عبقرية تارانتينو في استخدام الموسيقى، تلك القدرة على إعادة اكتشاف ألحان من الماضي ومنحها حياة جديدة. فقد أعاد مثلًا اليابانية مايكو كاجي إلى الضوء عبر أغنيتي «أزهار المجزرة» (عنوان يكاد يلخّص طريقة تارانتينو في التقاط العنف) و«أنشودة الاستياء». أما مشهد خروج بياتريكس من الضريح، فيستحضر لديّ واحداً من أبشع الكوابيس الممكنة. المفارقة أنني، لسبب لا أعرفه، لا أشعر برهاب الأماكن المغلقة وأنا حيال هذا المشهد. ربما لأن موسيقى إنيو موريكوني تمنحه نوعًا من الخلاص، موسيقى قادرة على تحويل الرعب إلى تجربة جمالية، كما تفعل دائمًا.
لا يستمد تارانتينو مادته من الواقع المعيش، بقدر ما يستلهم تاريخ السينما نفسها، باعتبارها فنًّا لا يكتفي بنسخ العالم، وإنما يعيد اختراعه.
لهذا يغدو «كيل بيل» درسًا في الإخراج والكتابة السينمائية: السيناريو يتداخل مع التكوين البصري، فيما المونتاج يصبح أداة سردية لا تقل أهمية عن الحوار. الأحداث لا تتقدّم في خط مستقيم، ولكنها تتناثر ثم تعود لتلتئم، تاركةً للمُشاهد متعة إعادة تركيب الحكاية مرة بعد أخرى.
لا يكتفي تارانتينو باستحضار الأفلام القديمة، وإنما يعيد صهرها داخل رؤية جديدة. فيمتص أفلام الساموراي اليابانية، والوسترن الإيطالي، وأفلام الكونغ فو، وسينما الاستغلال الأميركية، ثم يعيد ولادتها في عمل يحمل بصمة صاحبه وحده. هذا فيلم يختصر قرنًا كاملًا من الذاكرة السينمائية، ويؤكّد مرة أخرى، قدرة الفنّ السابع على احتواء الفنون الأخرى، وإعادة تشكيلها: الأدب، المسرح، الرقص، الموسيقى، الرسم.
أوما ثورمان هي المحور المطلق للفيلم، لا تكاد تغادر الشاشة لحظة واحدة. وكما فعل تارانتينو مع بام غراير في «جاكي براون»، حين أعاد إليها وهج أفلام الاستغلال السود ومنحها دورًا يستعيد حضورها، فإنه يصنع من ثورمان هنا بطلة استثنائية، امرأة تجمع بين الرقّة والقوة، بين الألم والقدرة على البقاء.
ليس من قبيل المصادفة أن يخيّم ظلّ سرجيو ليوني على الجزء الثاني من الفيلم. فالتحية التي يوجّهها تارانتينو إلى أحد معلّميه لا تتوقّف عند حدود الاقتباس الشكلي، إذ تمتد إلى الإيقاع، وبناء اللقطات، واستثمار الصمت، وحركة الشخصيات داخل الفراغ، وحتى إلى الطريقة التي يتحوّل بها الانتظار إلى فعل درامي قائم في ذاته.

وفي هذا الجزء الثاني أيضًا، ينتقل مركز الثقل من الاستعراض الدموي إلى التشريح النفسي، فور تحوّل العنف من غاية في ذاته إلى نتيجة حتمية لجراح متراكمة. تتقدّم الأحداث بإيقاع يشبه قنبلة موقوتة، يتصاعد توتّرها ببطء وثبات حتى لحظة الانفجار، فيما يظلّ تارانتينو ممسكًا بخيوط السرد بثقة كاملة، مؤجّلًا الإجابات إلى اللحظة التي يصبح فيها وقعها الدرامي أكثر تأثيرًا.
الجزء الثاني هو، في صميمه، ردٌّ على الجزء الأول. الكلام في مواجهة الفعل، والحميمية في مواجهة الفرجة، والتأمّل في مواجهة الاندفاع. في النهاية، لن يسقط بيل أمام قوة السيف، وإنما تحت وابل الكلمات. فالكلام أيضًا يشبه الرصاص: حين يخرج لا يمكن استعادته، لا بل يترك أثره إلى الأبد.

خلف يمّ وفير من الدم، يقدّم تارانتينو قراءة للهوية والصدمة وإمكان التغيير. فبعد أن يعزف طوال أربع ساعات ونصف الساعة على أوتار الانتقام، يضعنا أمام حقيقة لا مفر منها: الانتقام ليس طريقاً إلى الخلاص، إنه رحلة تجبر بياتريكس على الوقوف حيال ماضيها، وعلى الاعتراف بما أصبحت عليه بعدما صفّت أعداءها.
هذا موضوع لا يموت، يمتد من أوريستيس إلى هاملت، مرورًا بالكونت دو مونت كريستو، وصولاً إلى أفلام بارك تشان ووك. ومع كلّ تصفية جسدية، تستعيد «العروس» جزءًا من تاريخها، ليؤكّد الفيلم أن الانتقام قد يمنح شعورًا عابرًا بالعدالة، لكن الجرح لا يلتئم معه، بل يقود في النهاية إلى مساءلة الذات.
تتجسّد هذه الفكرة بوضوح في الحوار الأخير بين بيل و«العروس». يستدعي بيل شخصية سوبرمان، معتبرًا أن سوبرمان هو هويته الحقيقية، بينما كلارك كَنت ليس سوى قناع يخفي طبيعته الأصلية. وبالمثل، يرى أن بياتريكس في أعماقها قاتلة، وأن محاولتها أن تعيش كامرأة عادية ليست سوى وهم أو إنكار لحقيقتها. ومن خلال هذا الطرح، يفتح الفيلم سؤالًا وجوديًا: هل نحن مجموع أفعالنا الماضية، أم أننا قادرون على تجاوزها وصناعة هوية جديدة لأنفسنا؟

غير أن اكتشاف «العروس» أن ابنتها لا تزال على قيد الحياة، يقلب مسار الحكاية ومآلاتها. ففي البداية، تنطلق معتقدةً أنها فقدت طفلتها، فيصبح الانتقام تعبيرًا عن خسارة لا يمكن تعويضها، ومحاولة لاستعادة شيء سُلِب منها إلى الأبد. لكن عودة ابنتها تغيّر كلّ شيء. يتراجع الانتقام إلى الخلف، ويصبح المستقبل أهم من الماضي. فجأةً، تتحوّل غريزة الأمومة إلى النقيض الكامل لعالم الجريمة، وإلى رمز لإمكان كسر دائرة العنف والانطلاق في حياة أخرى. فبياتريكس في الوقت نفسه ضحية وجانية، ولهذا تتجاوز شخصيتها الاصطفاف التقليدي بين خير وشر، لتصبح إنسانة معقّدة تحمل ذاكرة ماضيها، وتحاول، رغم كلّ ما ارتكبته، أن تجد طريقاً نحو الخلاص.
اقرأ أيضا: «الأوديسة»… ملحمة هوميروس وندم نولان