بلوحات آسرة للطبيعة الساحرة في أهوار جنوب العراق، وزوارق المشاحيف التي تتهادى فوق مياهها الزرقاء، وأنوار القناديل المتلألئة في أركان المشهد، يستهلّ المخرج حسن هادي فيلمه «مملكة القصب» بجرعة مريحة للحواس، سرعان ما يتبدّد مفعولها حين تذهب الصغيرة لميعة (بنين أحمد نايف) إلى المدرسة في اليوم التالي.
يأتي الانتقال صادمًا بين المَشاهد الاستهلالية، التي تصوّر حياة ريفية بسيطة وسط مياه الأهوار وبيوت القصب، وعجوزًا (وحيدة ثابت) تمارس حياتها اليومية مع حفيدتها، وبين ما يليها من مَشاهد. فما إن تدخل لميعة المدرسة في اليوم التالي حتى تتسلّل جرعة من الكآبة ببطء إلى نفوس المُشاهدين: فصل ضيّق مكتظّ بالبنات والأولاد، وثياب رثة، ومعلّم يتحدّث بخشونة.

يُبلغهم المعلّم أنّ أمامهم مهمة كبرى تتمثّل في الاستعداد للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، الذي تملأ صوره أرجاء المدرسة. وقبل أن يبدأ توزيع الأدوار على الصغار بالقرعة، يقدّم فاصلًا من الرعب، حين يذكّر صبيًا أراد إعفاءه من المهمة بسبب فقر عائلته، بما جرى لصبي آخر كتب المعلّم في حقه تقريرًا، فتعرَّض أهله للسحل. ثم يتوجّه إلى التلاميذ الصغار سائلًا: «هل تريدون أن أكتب في أحدكم تقريرًا، فيُسحل أهله؟».
يقدّم هذا الفاصل المرعب الرسالة الأهم في الفيلم: الطفولة في مواجهة الدكتاتورية. فمن المدرسة يبدأ تطويع عقول الصغار على الخضوع والامتثال، اللذين يتسلّلان إلى نفوسهم ونفوس ذويهم عبر الخوف، الذي يغدو في المجتمعات التي تئن تحت وطأة الاستبداد الغراء الذي يمسك بمجتمع بأكمله.
ووفق القرعة، يقع على عاتق الصغيرة لميعة إعداد كعكة عيد ميلاد الرئيس خلال يومين فقط. وخلال هذين اليومين، تنطلق الجدة وحفيدتها إلى المدينة بحثًا عن مكوّناتها، من السكّر والطحين النادرَيْن بسبب الحصار. ومن خلال هذه الرحلة، تتراءى صورة مجتمع منهك يتداعى تحت وطأة الحرب والحصار والدكتاتورية.
لا يلجأ الفيلم إلى المَشاهد التي اعتدناها في الأعمال التي تتناول الدكتاتورية؛ فلا جنود يعتقلون الناس في الشوارع، ولا مشاهد إعدامات، ولا مظاهر قمع علنية. بل إن حضورهـا الثقيل يتسلّل منذ فاصل الرعب في صفّ المدرسة، مرورًا بصور الرئيس المنتشرة في كلّ مكان، وصولًا إلى أدقّ تفاصيل رحلة الجدة بيبي وحفيدتها إلى المدينة.
وتبدأ الرحلة بقصة جندي شاب يستقلّ سيارة الأجرة مع بيبي ولميعة، واضعًا ضمادة على إحدى عينيه. يخبر السائق بأنه كان يستعد منذ أشهر لهذه الرحلة ليذهب ويتزوّج في اليوم التالي، لكنه أصيب، قبل يوم فقط، بشظايا قنبلة إثر قصف أميركي استهدف قاعدتهم، فأُصيبت عينه.

تصل الجدة وحفيدتها إلى المدينة، وتتجوّلان في السوق، قبل أن تشتري الجدة فستانًا لحفيدتها من بسطة لبيع الملابس المستعملة. ثم تتوجّهان إلى مطعم صغير، حيث تلتقي الجدة امرأة من معارفها. وهناك، تتّفقان على أن تنتقل رعاية لميعة إلى المرأة وعائلتها، بعدما أصبحت الجدة عاجزة عن الاستمرار في رعايتها، إثر فقدان مصدر رزقها من الأرض التي كانت تزرعها في الأهوار.
لكن لميعة ترفض الاتفاق، وتتمسّك بالعيش مع جدتها، ثم تهرب من المكان. وتنطلق بيبي خلف حفيدتها، لكنها تفقد أثرها.

وفيما تمضي الطفلة لميعة تائهة في الشوارع، حاملة الديك «هندي» وحقيبتها، تلمح زميلها في الفصل سعيد (سجاد محمد قاسم) برفقة والده، الذي كان يستجدي المارة. يترك سعيد والده، ويرافق لميعة في رحلة البحث عن مكوّنات الكعكة.
تكشف جولة الطفلين، وما يواجهانه من مشكلات، جانبًا من ملامح الخراب الروحي الذي حلَّ بالعراق في تلك السنوات. فسعيد يتحايل على بائع عجوز ليسرق قليلًا من السكر والطحين، لكن أمره ينكشف، فيطاردهما البائع معًا. أما الجدل الذي يدور بين لميعة وسعيد حول مشروعية السرقة، فلا يكشف عن تدهور في القيم يبيح السرقة تحت وطأة الحاجة فحسب، بل يقدّم شاهدًا آخر على مفاعيل الخوف، عندما يصبح الدافع الوحيد الذي يجعل فتاة في التاسعة تتكبّد كل هذا العناء هو إعداد كعكة لاحتفال تقيمه مدرستها بعيد ميلاد الرئيس.
أما محاولة بائع طيور، بلسان معسول، استدراج الصغيرة بهدف انتهاك براءتها، فتوسّع نطاق أثر الاستبداد وتردّي القيم، حين تجعل الدكتاتورية وضحاياها من الأفراد شركاء في جريمة انتهاك الطفولة.
ويبلغ الفيلم ذروته بوفاة الجدة في المستشفى، قبل أن يُنقل جثمانها إلى قريتها في الأهوار، حيث تُدفن ليلًا بحضور الحفيدة لميعة وجيران القرية. وهنا، لا نُشاهد لميعة تبكي جدتها، إذ تنتقل الكاميرا مباشرة من المقبرة ومراسم الدفن إلى مشهد الجارة التي تطوّعت لإعداد الكعكة. وقد يكون هذا الانتقال أخطر ما في الفيلم؛ فإعداد كعكة لاحتفال مدرسي يصبح أكبر من أحزان طفلة في التاسعة من عمرها. إنها مهمّة تستدعي أن يحل أحد مكان من مات لإكمالها من دون إبطاء، حتى تُقدَّم الكعكة في موعدها.

ترى، ما الذي يدفع طفلة في التاسعة إلى تحمُّل كل هذا العناء لإعداد كعكة، وتجاوز أحزانها سريعًا بعد وفاة الإنسان الوحيد المتبقي في حياتها، من أجل إكمال مهمّة كلّفها بها معلم فظ، تتمثل في إعداد كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس؟ إنه الخوف. الخوف الذي أبقى ملامح وجهها جامدة، وحبس دموعها في أثناء دفن جدتها. والخوف الذي دفعها إلى الإصرار على إكمال المهمّة، رغم كلّ ما واجهته من مشكلات خلال رحلتها مع جدتها في البحث عن قليل من السكّر والطحين.
بهذه التفاصيل الصغيرة، ينجح الفيلم في إيصال رسالته الأهم عن العراق في تلك السنوات؛ بلد أنهكته الدكتاتورية والاستبداد إلى أقصى الحدود، حتى غدا الخوف الدافع الوحيد للناس، والغراء الذي يمسك بمجتمع بأكمله.

ومن أكثر ما يلفت في الفيلم الأداء المذهل للطفلة بنين أحمد نايف، وقدرتها على التعبير عن مشاعرها بعفوية من خلال ملامح وجهها. فقد وقع عبء الحكاية على كاهل هذه الصغيرة، لتوصل إلى المشاهد رسالة واحدة، وسط تفاصيل وصور متلاحقة لمجتمع أنهكته الحروب والحصار والدكتاتورية الجاثمة على صدره. ورغم أنها ممثّلة غير محترفة، فإنّ المخرج نجح في استخراج أفضل ما لديها، مقدّمًا أداءً عفويًا آسرًا، يجعلك تنسى أحيانًا أنك تشاهد فيلمًا.
أما كاميرا مدير التصوير تيودور باندورو، فقد تولّت الجزء الآخر من المهمة، إذ قدّمت بحساسية عالية صورًا متضادّة بين المَشاهد الخلّابة للأهوار، بمياهها الزرقاء وأضواء المشاعل المنعكسة على الزوارق، وبين المَشاهد الكئيبة لزواريب السوق وأحياء المدينة ومركز الشرطة والممرات الضيقة للمستشفى المتهالك، المكتظّ بالمرضى في جميع أرجائه. كما رسمت الأزقّة الضيقة والألوان الكالحة، التي غلب عليها اللون البني، إيحاءً بصريًا بمتاهة تاهت فيها خطى لميعة، وهي تركض مع رفيقها سعيد أو تمضي فيها على غير هدى.
ويتضاعف هذا الإحساس بالضياع في المشهد الذي تظهر فيه لميعة تسير على الجسر فوق النهر، فيما ترتفع الكاميرا تدريجيًا مبتعدة عنها، لتقدّم لقطة طويلة تؤكد هذا الشعور، مع تضاؤل أحجام السيارات والمارّة على الجسر.
فيلم جميل ومشوّق، يروي بالصورة وبراءة طفلة الوطأة الثقيلة للخوف، حين يغدو الدافع الوحيد لسلوك الناس في مجتمع وبلد تجثم على صدره دكتاتورية بغيضة. إنها بداية موفقة للمخرج حسن هادي، يضع بها قدميه بثبات على خريطة السينما العراقية والعربية.
اقرأ أيضا: «مملكة القصب».. كارت بوستال لعراق التسعينيات