من تجربة شخصية عاشها مخرجه رامي قديح إلى فيلم سرقة لبناني يحوّل الانهيار المصرفي إلى حكاية عن الكرامة والتمرّد، يأتي «غضب» ليؤكد أنّ أكثر أفلام التشويق إثارةً قد تنطلق أحيانًا من أكثر التجارب الإنسانية إيلامًا.
شاهدتُ فيلم «غضب» خلال «مهرجان لندن السينمائي» 2026، وخرجت منه بإعجاب كبير. ليس فقط لأنه فيلم سرقة مشحون بالتوتر والحركة، أو لأنه يمنح المشاهد حكاية نسائية مختلفة، وإنما لأنه يحمل غضبًا حقيقيًا خلف أحداثه، لا يبدو مستعارًا من خيال كاتب يبحث عن حبكة مثيرة، وإنما يبدو متصلًا بواقع عاشه اللبنانيون وما زالوا يدفعون ثمنه حتى اليوم.
من وجع شخصي إلى حكاية سينمائية
لم تولد فكرة الفيلم من رغبة في تقديم فيلم جريمة تقليدي، وإنما من تجربة شخصية ارتبطت بالأزمة الاقتصادية والمصرفية التي عصفت بلبنان مؤخرًا. فقد وجد قديح وزوجته نورا ماريانا، التي تشاركه كتابة الفيلم وإنتاجه، نفسيهما أمام واقع لم يعد فيه الوصول إلى الأموال المودعة في المصارف أمرًا مضمونًا. وفي الوقت نفسه، احتاجت ماريانا إلى عملية جراحية خلال تلك الفترة الصعبة. وقد شرح الشريكان، في حديثهما عن الفيلم خلال «مهرجان البندقية»، كيف تحوّلت الظروف التي عاشاها إلى مادة للتفكير والكتابة.

رامي قديح… من الأفلام القصيرة إلى أول أفلامه الطويلة
وُلد رامي قديح في بيروت، وراكم خبرته السينمائية عبر سنوات طويلة من العمل في الأفلام القصيرة، قبل أن ينتقل إلى تجربته الروائية الطويلة الأولى مع «غضب». وتكشف هذه الخلفية عن مخرج لم يصل إلى الفيلم الطويل من فراغ، وإنما جاء إليه بعد مسيرة في تطوير لغته البصرية والسردية.
في «غضب»، تبدو بيروت مدينة تتسلّل أزماتها إلى تفاصيل الحياة اليومية، من انقطاع الكهرباء والضائقة المالية إلى التوترات التي خلّفتها الحرب الأهلية وما تلاها من انقسامات. وتظهر ملامح رؤية قديح أيضًا في المزج بين الكوميديا السوداء والتوتر والجريمة. فالشخصيات تتبادل النكات، وتتشاجر، وتعيش لحظات من الألفة والعبث، حتى وهي تواجه ظروفًا تهدّد حياتها. وهذه المساحة الإنسانية تمنع الفيلم من التحوّل إلى بيان سياسي مباشر، وتمنح شخصياته حياة تتجاوز الوظيفة التي تؤدّيها في الحبكة.
أما على المستوى البصري والإيقاعي، فيستفيد الفيلم من طاقة سينما السرقة، ومن حركة متوترة تجعل المدينة نفسها تبدو كأنها على وشك الانفجار. إنها مقاربة لا تخفي فوضاها، وتوظّفها لتقريب المشاهد اللبناني خصوصًا، والأجنبي عمومًا، من عالم لا تسير فيه الأمور وفق خطة محكمة، ولا تمنح فيه الحياة أبطاله ترف السيطرة على مصائرهم.

أختان في مواجهة المنظومة
تدور الحكاية حول «مارو»، وهي أم منفصلة تتحمّل مسؤوليات الحياة اليومية، وشقيقتها الصغرى «داليا»، التي تواجه تشخيصًا بالسرطان وتحتاج إلى المال لتلقّي العلاج. وحين تصطدم محاولة «مارو» سحب مدّخراتها برفض المصرف، يصبح الوقت عدوًا إضافيًا، فالمسألة لم تعد مجرّد خسارة مالية، وإنما حياة إنسانة تحبّها.
تبدأ خطة السرقة بالتشكّل، وتدخل شخصيات أخرى إلى المشهد، من بينها سائق الشاحنة «صن شاين»، الذي يحمل ماضيه صلات بالحرب الأهلية، و«حمزة»، الرجل المضطرب الذي يواجه مشكلاته وديونه الخاصة. ومع توسّع الخطة، لا يعود الخطر محصورًا في مواجهة المصرف، إذ يتشعّب إلى علاقات متوترة ومصالح متعارضة وقرارات يصعب التراجع عنها. ومن هنا يستمدّ الفيلم كثيرًا من قوّته، إذ لا يقدّم بطلتين خارقتين تخطّطان لعملية مثالية، وإنما يقدّم امرأتين عاديتين دُفعتا إلى زاوية ضيّقة، تحاولان إيجاد مخرج من واقع لم يترك لهما خيارات كثيرة.

جورج كلوني المنتج المنفّذ
من المحطات اللافتة في مسيرة «غضب» مشاركة الممثل والمخرج والمنتج الأميركي جورج كلوني بصفة منتج منفّذ، إلى جانب شريكه غرانت هيسلوف، عبر شركة «سموكهاوس بيكتشرز». وقد أسهم وجودهما ضمن فريق المشروع في تسليط مزيد من الضوء الدولي على الفيلم، الذي يجمع بين الإنتاج اللبناني والبرازيلي.
تكتسب هذه المشاركة دلالتها من طبيعة العمل نفسه. فكلوني الممثل ارتبط بأفلام سرقة شهيرة مثل «أوت أوف سايت» و«أوشن إلفن»، وهو يعرف جيدًا الإمكانات الدرامية التي يتيحها هذا النوع السينمائي. لكن «غضب» يستخدم أدواته الواقعية بأسلوب درامي مؤلم، بعيد كلّ البعد عن بهارات هوليوود الساحرة، ولعلّ هذا ما شدّ انتباه كلوني.
هذه الالتفاتة مهمة جدًا، خصوصًا لفيلم لبناني مستقل لمخرج يخطو خطواته بتأنٍّ. وتشير تغطية الفيلم إلى أنّ كلوني شاهد العمل وارتبط اسمه بدعمه بصفته منتجًا منفّذًا. غير أنّ الأهم في تناول هذه المحطة ليس الاكتفاء باسم نجم هوليوودي على الملصق، وإنما النظر إلى ما يمكن أن يتيحه هذا النوع من الدعم لفيلم مستقل، من توسيع دائرة الاهتمام به، وتعزيز فرص وصوله إلى المهرجانات والجمهور الدولي، ومنح حكاية متجذّرة في واقع لبناني فرصة للحوار مع مشاهدين يعيشون في سياقات مختلفة.

فيلم لا يخلو من الفوضى… ولا يحتاج إلى الكمال ليصيب هدفه
لا يعني الإعجاب بفيلم «غضب» أنه بلا عيوب. فقد قرأت في بعض المراجعات أنّ إيقاعه يطول أكثر مما ينبغي، وأنّ بعض تفاصيل الحبكة كان يمكن إحكامها بصورة أفضل. وفي المقابل، احتفت مراجعات أخرى بطاقة الفيلم، وبالعلاقة بين بطلتيه، وبقدرته على تحويل الغضب الاجتماعي إلى تشويق سينمائي حيّ. وهذا التفاوت في الاستقبال يوضح طبيعة الرهان الذي يخوضه قديح.
يختار كوديه الاقتراب من الفوضى التي يعيشها أبطاله. وقد تجعل هذه المقاربة بعض مشاهده أقل إحكامًا، لكنها تمنح العمل أيضًا شعورًا بأنّ الخطر لا ينتظر اكتمال الخطة، وأنّ الحياة لا تمنح الشخصيات دائمًا الوقت الكافي لترتيب أفكارها.
بالنسبة إليّ، كان ما جعل الفيلم تجربة محبّبة في «مهرجان لندن السينمائي» هو هذا المزيج بين التشويق والغضب والدفء الإنساني. لم أشعر بأنني أمام حكاية تريد أن تشرح لي أزمة لبنان من الخارج، وإنما أمام شخصيات تتحرّك داخلها، وتضحك وتخاف وتجادل وتحاول النجاة. وهذا فرق مهم بين فيلم يتّخذ من الأزمة موضوعًا له، وفيلم يسمح للأزمة بأن تتنفّس في نسيج حكايته.
من بيروت إلى العالم
بعد عرضه في «مهرجان البندقية» ضمن برنامج «سبوت لايت»، ومشاركته في «مهرجان تورونتو السينمائي الدولي»، اكتسب الفيلم حضورًا يتجاوز سياقه المحلّي. كما اختاره لبنان للمنافسة في سباق «الأوسكار»، في خطوة تضعه أمام جمهور أوسع وتمنح السينما اللبنانية فرصة إضافية لعرض حكاية تنطلق من واقعها الخاص وتتصل بأسئلة إنسانية مشتركة.
خرجتُ من الفيلم وأنا أفكّر في المفارقة التي بدأ منها… أن يصبح استرداد المرء لماله مغامرة إجرامية، وأن يتحوّل الحبّ إلى دافع للمخاطرة في عالم يضيق فيه هامش الاختيار. وفي هذه المفارقة، يجد الفيلم صوته الخاص… صوتًا غاضبًا، لكنه في الوقت نفسه متمسّك بالحياة رغم كلّ شيء.
اقرأ أيضا: «غضب» لرامي قديح… أكثر من فيلم سطو!