فاصلة

مقالات

سبيلبرغ… من الدهشة إلى الخوف

Reading Time: 7 minutes

هل ثمة ستيفن سبيلبرغ قبل الحادي عشر من سبتمبر، وستيفن سبيلبرغ آخر بعده؟ سؤال يبدو عابرًا، لكنه كفيل بأن يعيدنا إلى التنقيب في تفاصيل أفلامه، بكلّ ما يرافق ذلك من متعة إعادة المشاهدة، خصوصًا في ضوء عرض أحدث أعماله، «يوم الكشف» الذي يبدو أشبه بخلاصة مكثّفة، لكلّ ما قاله سابقًا عن الفضاء والإشارات التي بعثته لنا، لكن هذه المرة بعين رجل على بُعد أشهر من بلوغ الثمانين، محمّلًا أسئلةً وهواجس. 

الكون بعين الطفل

في أفلامه الخيالية العلمية الأولى، التي أُنجِزت بين أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، بدا سبيلبرغ واحدًا من أكثر السينمائيين إيمانًا بفكرة اللقاء مع الآخر وحماسةً لها. لم يكن المجهول، في نظره، مصدرًا للخوف والتهديد بقدر ما كان وعدًا بالاكتشاف والتعلّم، في عالم مستعد لاستقبال ما يجهله. ففي «لقاءات قريبة من النوع الثالث»، لم تظهر الكائنات الفضائية كغزاة أو أعداء. بل كزوار يحملون احتمالات التواصل والتفاهم العابرة للغات. وبلغ هذا التصوّر ذروته في «إي. تي.»، حيث تحوّل الكائن الفضائي إلى صديق ورفيق طفولة، كاشفاً أجمل ما في الإنسان من قدرة على الاحتضان. كان سبيلبرغ ينظر آنذاك إلى الكون بعين طفل: المجهول يوقظ الدهشة، الاختلاف يثير الفضول، والعالم لا يزال بقعة يمكن الوثوق بها، رغم ما يكتنفه من أسرار.

Disclosure Day (2026)
Disclosure Day (2026)

سبيلبرغ «يوم الكشف»، هو إنسان آخر. ليس فقط لأن خمسة عقود تفصل بين المرحلتين، بما حملته من زلازل سياسية وأمنية واجتماعية وتحولات كبرى ومآسٍ جماعية في الولايات المتحدة والعالم، وإنما لأن الزمن نفسه غيّر زاوية النظر. فالنضج يبدّل أيضًا علاقة الإنسان بالمستقبل، ليصبح التأمّل فيه أكثر إلحاحًا، بعيدًا من الاكتفاء بعيش الحاضر.

فقدان البراءة

بين اللحظتين، تغيّر العالم كثيرًا. ولعلّ الحدث المفصلي كان سقوط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ذلك الجرح الذي أعاد تشكيل المخيال الأميركي وبدّل نظرة الثقافة الشعبية إلى المجهول والتهديد والخوف. ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال: «ماذا لو التقينا كائنًا آتيًا من عالم آخر؟»، بل أصبح: «هل نحن مستعدون لمواجهة فرضية أننا لسنا وحدنا في هذا الكون؟».

غير أن هذه النظرة لم تولد فجأةً. فقد بدأ التحوّل يتسلل تدريجًا إلى عالم سبيلبرغ مع مطلع الألفية الجديدة، قبل أن يتسارع بصورة حاسمة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو فرض نفسه انعكاساً لتحوّل أوسع أصاب الولايات المتحدة نفسها، ومعها هوليوود، التي فقدت شيئًا من براءتها القديمة. صار الخوف جزءًا من النسيج اليومي للحياة الأميركية، وتحوّل الهاجس الأمني إلى لغة سياسية وثقافية مهيمنة، فكان من الطبيعي أن يحضر ذلك على الشاشة. وإذا كان مصدر القلق كامنًا في الداخل، فكيف لا يمتد أيضًا إلى الخارج، وإلى كلّ ما نجهله؟

الريبة محل الطمأنينة

من هنا، لا بد من التمييز بين مرحلتين واضحتين في سينما سبيلبرغ الخيالية العلمية: الأولى تسبق الحادي عشر من سبتمبر، حيث يتصدّر الفضول والانبهار بالمجهول المشهد، وتبدو العلاقة مع الآخر قائمة على الرغبة في التواصل والاكتشاف. أما الثانية فتأتي بعد ذلك التاريخ المفصلي، حيث تحلّ الريبة محل الطمأنينة، ويطغى هاجس الأمن، ويغدو الآخر، أو حتى التكنولوجيا نفسها، احتمالًا دائمًا للتهديد.

A.I. Artificial Intelligence (2001)
A.I. Artificial Intelligence (2001)

يشكّل «ذكاء اصطناعي» الحلقة الواصلة بين هاتين المرحلتين. الفيلم الذي ورثه سبيلبرغ عن ستانلي كوبريك وعُرض عام 2001، قبل نحو شهرين من وقوع الهجمات، يبدو اليوم أشبه بعمل استشرافي التقط ملامح التحوّل الآتي، مع أنه أثار التباسًا وسوء فهم عند صدوره. يحتفظ الفيلم بكثير من تيمات سبيلبرغ المألوفة: الطفل الوحيد، التوق إلى الحبّ، الحلم بالانتماء، والرغبة العارمة في التواصل. لكنه، في الوقت نفسه، يفتح الباب على عالم قاسٍ، لم يعد التعاطف فيه أمرًا بديهيًا. فبطله ديفيد ليس إنسانًا، إنه روبوت صُمِّم كي يحب بلا شروط، فيما يعيش بين بشر يعجزون عن مبادلته ذلك الشعور، أو حتى الاعتراف بإنسانيته. 

كائن تراجيدي 

يصعب اختزال «ذكاء اصطناعي» في كونه مشروعًا غير مكتمل لكوبريك تولّى سبيلبرغ إنجازه بعد رحيل صاحبه. فالفيلم يبدو اليوم أشبه بلقاء استثنائي بين اثنين من أعظم السينمائيين: كوبريك، المفتون بأسئلة السلطة والكمال، وسبيلبرغ، الذي، منذ بداياته، جعل من العائلة والحاجة إلى الحبّ محورًا دائمًا لأفلامه. ومن تلاقي هاتين الرؤيتين وُلد واحد من أكثر أفلام الخيال العلمي تحريضًا على التفكير. 

A.I. Artificial Intelligence (2001)
A.I. Artificial Intelligence (2001)

لا ينشغل الفيلم بالعلاقة بين الإنسان والآلة بقدر ما يطرح سؤالًا وجوديًا: ماذا يحدث حين تصبح الآلة قادرة على الحبّ، فيما يعجز البشر عن مجاراتها في هذا الشعور؟ ديفيد، الطفل الآلي المبرمج على الحب غير المشروط، ليس بطلًا تكنولوجيًا ولا نموذجًا تنبؤيًا لعالم الروبوتات، بل كائن تراجيدي يبحث عن اعتراف يمنحه معنى لوجوده.

ملامسة أسئلة الوجود 

تجري الأحداث في مستقبل تفرض فيه الكوارث المناخية وإعادة تشكيل العالم قيوداً جديدة على الحياة البشرية، إلا أن هذه الخلفية المستقبلية لا تعدو كونها إطارًا لقصّة أشد قسوةً. فالعائلة التي تستقبل ديفيد كبديل موقّت لابنها المريض، لا تلبث أن تنبذه عندما يعود الابن الحقيقي إلى الحياة الطبيعية. ومنذ تلك اللحظة، يتخلّى الفيلم عن كثير من زخارف الخيال العلمي ليغوص في أسئلة الهجران والذاكرة والفقدان، وفي تلك الرغبة المستحيلة باستعادة حبٍ ضاع إلى الأبد.

A.I. Artificial Intelligence (2001)
A.I. Artificial Intelligence (2001)

الطفولة، التي لطالما شكّلت لدى سبيلبرغ لحظة تأسيسية للبراءة والاكتشاف، تتحوّل في «ذكاء اصطناعي» إلى قدر لا فكاك منه. ديفيد ليس طفلًا عابرًا في مسار الحياة، انه طفل أبدي، محكوم بالبقاء على حاله، فيما يواصل العالم من حوله التبدّل والانهيار والاختفاء. وبينما تمضي القرون وتتأكل الحضارات وتتغير أشكال الوجود، يبقى هو أسير الرغبة الأولى نفسها: أن يكون محبوبًا. لهذا كله، يحتفظ «ذكاء اصطناعي» بمكانة فريدة داخل عالم سبيلبرغ، كونه استطاع ملامسة أسئلة الوجود الأساسية، وذلك انطلاقاً من كائن خُلِق ليحب بلا حدود.

البشر في لحظة الانهيار

«حرب العوالم» محطة أخرى لا يمكن تجاوزها في سينما الخيال العلمي عند سبيلبرغ. فهذا ليس مجرد حكاية عن غزو فضائي، وإنما مسح بصري لعجز الإنسان أمام الكارثة حين تنقلب الحياة اليومية إلى حالة انهيار شامل. المخرج الذي تنقّل طوال مسيرته بين الخيال والمأساة والتاريخ، يقدّم هنا رؤية شديدة الفظاعة للعالم، حيث يتراجع الأمل أمام مشاهد الذعر الجماعي واقتلاع الإنسان من بيئته الآمنة. 

War of the Worlds (2005)
War of the Worlds (2005)

تقوم قوة الفيلم على منظور ضيق ومكثّف يتابع مصير عائلة تحاول النجاة وسط الفوضى. لا ينشغل بتفسير الغزاة أو البحث في دوافعهم، بقدر ما يركّز على سلوك البشر أنفسهم في لحظة الانهيار: الأنانية، الذعر، العنف، وغريزة البقاء حين تتجرد المجتمعات من انتظامها المعتاد. وهكذا يتحول الفيلم إلى دراسة مكثّفة في الإنسان وهو في أقصى درجات تفكّكه.

تجسيد رمزي لمخاوف معاصرة

يستثمر سبيلبرغ في الإمكانات البصرية والمؤثّرات إلى حدودها القصوى، مقدّمًا مشاهد ذات سمة كابوسية. غير أن البُعد التقني لا يطغى على البنية الفكرية للعمل، إذ تتقاطع داخله إشارات فلسفية تمنح هذا الخراب بُعداً يتجاوز ما نراه. في العمق، يعكس الفيلم تحوّلًا صارخًا في نظرة سبيلبرغ إلى مفهوم «الآخر». ولا يمكن فهم هذا التحوّل خارج السياق الثقافي والسياسي الذي أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. 

War of the Worlds (2005)
War of the Worlds (2005)

رغم استناده إلى رواية هربرت جورج ولز، ينتمي الفيلم بوضوح إلى مرحلة تاريخية تبدّلت فيها علاقة الأميركيين بفكرة الخطر والتهديد. لم تعد الكائنات الغازية مجرد كائنات خيالية، بل أصبحت أقرب إلى تجسيد رمزي لمخاوف معاصرة. لـ«حرب العوالم» تاريخ طويل من إعادة التفسير وفقًا لقلق كلّ حقبة. ففي أواخر الثلاثينات، تحوّلت عبر المعالجة الإذاعية الشهيرة لأورسون ولز إلى انعكاس لهلع أميركي متزايد من صعود الأنظمة الشمولية في أوروبا. وفي الخمسينات، أعيد توظيفها للتعبير عن هواجس الحرب الباردة والخطر النووي. أما نسخة سبيلبرغ، فتستمد توتّرها من مناخ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبح الإحساس بالوهن هو الطاغي.

ويتجلّى ذلك بوضوح في مشاهد النزوح الجماعي والوجوه المغطّاة بالغبار والركام، وهي صور تستحضر ذاكرة جمعية حديثة من دون أن يتحوّل الفيلم إلى كشف مباشر. يكتفي سبيلبرغ بخلق مناخ نفسي كثيف يتيح للمُشاهد إسقاط قراءاته الخاصة على ما يحدث.

War of the Worlds (2005)
War of the Worlds (2005)

لكن التحوّل الأعمق يظهر في موقع العائلة داخل عالم سبيلبرغ. ففي أفلامه السابقة كان المجهول، أو الكائن القادم من الخارج، يحمل وعدًا بالاكتشاف والانبهار. أما هنا، فقد تراجع هذا الوعد لمصلحة غريزة الحماية. لم يعد الأب معنياً بالمغامرة، ولكن بالنجاة وتأمين حياة مَن يعتمدون عليه.

معرفة مطلقة بالمستقبل

«تقرير الأقلية» يمثّل بدوره لحظة انتقالية في مسار سبيلبرغ، من سينما الدهشة والمغامرة إلى سينما الشكّ والحذر. تدور الأحداث في مجتمع نجح في خفض معدّلات الجريمة إلى ما يقارب الصفر، وذلك بفضل نظام استباقي قادر على التنبؤ بالجرائم قبل وقوعها. تبدو الفكرة، في ظاهرها، انتصارًا تقنيًا للعدالة، لكنها سرعان ما تنقلب إلى سؤال أخلاقي: هل يحق للسلطة أن تعاقب إنسانًا على فعل لم يرتكبه بعد؟ من هذه المفارقة ينطلق الفيلم في دراسة العلاقة بين الحرية الفردية وإكراهات الحتمية، مستندًا إلى قصّة قصيرة لفيليب ك. ديك، أحد أبرز كتّاب الخيال العلمي الفلسفي، إلا أن سبيلبرغ لا يكتفي بالاقتباس، وإنما يعيد تشكيل المادة الأصلية ضمن رؤية أوسع للعالم المعاصر. فالمجتمع الذي يصوّره لا يبدو بعيدًا من واقعنا. أنه أقرب إلى امتداد منطقي لهوس متصاعد بالمراقبة وجمع البيانات وتوقّع السلوكيات. وهكذا يغدو واضحًا أن التكنولوجيا في الألفية الثالثة لا تعمل بالضرورة على تحرير الإنسان، بقدر ما قد تساهم في تطويقه داخل شبكة من الاحتمالات التي تتحوّل تدريجًا إلى أحكام جاهزة.

Minority Report (2002)
Minority Report (2002)

يواصل سبيلبرغ انشغاله المركزي بمصير الفرد في مواجهة أنظمة تفوقه حجمًا وقوّة. فكما تناول في «ذكاء اصطناعي» حدود العلاقة بين الخالق والمخلوق، يعود هنا إلى مساءلة حدود السلطة حين تدّعي امتلاك معرفة مطلقة بالمستقبل. في كلتا الحالتين، يبرز شكّ عميق في فكرة الكمال: كمال التكنولوجيا، كمال الأنظمة، كمال المعرفة البشرية.

ماذا يكشف «الآخر» عن أنفسنا؟

رغم هذا كله، فإن اختزال سبيلبرغ في هذا التحوّل سيكون نوعًا من الإجحاف في حقّ تجربته الطليعية. فحتى في أكثر أفلامه تشاؤمًا، لم يتخلَّ تماماً عن السؤال الذي رافقه منذ بداياته: ماذا يكشف «الآخر» عن أنفسنا؟ ومن هنا يمكن النظر إلى «لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«حرب العوالم» باعتبارهما وجهين لحلم واحد. الأول يعكس أميركا الواثقة من ذاتها، تلك التي تنظر إلى السماء بشغف وفضول، مستعدةً لاحتمال اللقاء والانفتاح على المجهول. أما الثاني فيجسّد أميركا الجريحة القلقة، وهي ترفع النظر نفسه إلى السماء، لكن بعينين ممتلئتين بالخوف والريبة.

اقرأ أيضا: «يوم الكشف»… بداية آسرة ونهاية أقلّ إقناعًا

شارك هذا المنشور

أضف تعليق