خلال السنوات الأخيرة، انتقلت السينما السعودية من مرحلة «إثبات الوجود» إلى مرحلة «ترسيخ حضورها». ولم يقتصر هذا التحوّل على زيادة عدد الأفلام، فقد رافقه تدفّق كبير في الدعم المادي، وتوسّع في المنصات، وحضور لافت في المهرجانات الدولية. لكن هذا الصعود السريع وضع صنّاع الأفلام، ولا سيما الجيل الشاب، أمام سؤال صعب، وهو: كيف يمكن للفيلم السعودي أن يصل إلى العالم من دون أن يفقد لغته وهويته الثقافية؟
هاجس العالمية بات فخًا تقع فيه بعض الأعمال، حين تحاول منذ البداية أن تبدو «عالمية»، فتخفّف لهجتها، وتُنعّم شخصياتها، وتعيد تشكيل بيئتها لتصبح أكثر قابلية للتصدير.
وغالبًا ما تكون النتيجة عملًا تائه الهوية؛ لا يُشبه الخارج بما يكفي، ولا يُشبه الداخل بصدق.
العالمية في السينما لا تُصنع بالتخلّي عن الروح المحلّية.
وحين نتحدَّث عن هذه الروح، فنحن لا نقصد اللهجة أو شكل الملابس والبيوت فقط، بل الذاكرة الاجتماعية التي يحملها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية؛ في الكرم، والخوف، والرجاء، والكرامة، والمجاملة، والغضب، وحتى الصمت.
وعندما ينجح الفيلم في التقاط هذه التفاصيل، لا يعود حكاية فحسب، بل يصبح مرآة تعكس المجتمع للعالم من دون تكلُّف.
والهوية المحلّية لا تتجلّى في الكلمات وحدها، وإنما في منظومة القيم التي تحكم الشخصيات أيضًا. فطريقة اتخاذ القرار، وشكل العلاقة مع الأسرة، وحدود الفردية، ومفهوم الوفاء والواجب والانتماء، كلّها عناصر تصنع دراما مختلفة، حتى وإن تشابهت الحبكات.
وتبرز هنا أهمية اللغة المحلّية، فهي ليست وسيلة للحوار فقط، وإنما وعاء ثقافي يحمل ذاكرة المجتمع. فالكلمة المحلّية، حين تأتي في سياقها الصحيح، تمتلك ثقلًا عاطفيًا لا تضاهيه أي ترجمة حرفية.
ولنبتعد عن السينما قليلًا، ونتذكر إعلان وزارة الحرس الوطني «عشرة واحد» الذي يوثّق قصصًا حقيقية من بطولات الحد الجنوبي. تبرز فيه عبارة «تكفى يا عوضة» بوصفها مفتاحًا لفهم الهوية الدرامية للعمل. لم تكن العبارة مؤثّرة بسبب غرابتها اللغوية، بل لأنها خرجت من سياق درامي صادق، ومن ذاكرة شعبية تعرف معنى الاستنجاد والانكسار والرجاء في كلمة واحدة. فقوتها لم تكن في اللهجة وحدها، وإنما في التاريخ العاطفي الذي تحمله داخل المجتمع.
وهذا ما يجعل بعض المفردات المحلّية عصيّة على الترجمة الكاملة، ليس لأنها أكثر تعقيدًا من الناحية اللغوية، بل لأنها مُحمَّلة بثقافة كاملة. فكلمة مثل «على هالخشم» لا تعني الموافقة فقط، إذ تحمل معانيَ الاحتواء والالتزام والشهامة، وكأنّ قائلها يضع ثقله كلّه لخدمتك.
وحتى العبارات اليومية البسيطة، مثل «يصير خير»، تحمل أبعادًا شعورية ودرامية يصعب نقلها حرفيًا. فهي قد تأتي طمأنينة اجتماعية ورجاءً بالفرج، وقد تكون تسويفًا دبلوماسيًا لإنهاء نقاش معلَّق، وفي مواقف أخرى تتحول، بنبرة هادئة، إلى رفض مبطن واعتذار ذكي، أو حتى وعيد مستتر يُغيّر اتجاه المشهد بالكامل.
ولذلك، فإنّ أكثر الحوارات السينمائية بقاءً في الذاكرة لا تُكتب غالبًا من برج أدبي مرتفع، وإنما تُلتقط من الحياة نفسها؛ من مجالس كبار السنّ، أو من بيت عائلي، أو من طريقة شخص بسيط في قول «أبشر» وهو يخفي خسارته الكاملة.
لكن الاعتزاز باللغة والثقافة لا يعني تحويل الفيلم إلى استعراض للهجة أو إلى فلكلور شعبي سطحي. فبعض الأعمال تقع اليوم في الاتجاه المعاكس، إذ تستخدم الروح المحلّية بوصفها زينة بصرية أو كاريكاتيرًا اجتماعيًا، فتتحول اللهجة إلى أداء استعراضي، بدل أن تكون امتدادًا طبيعيًا للشخصيات.
فالأصالة لا تعني أن يسمع المشاهد كلمات شعبية فحسب، بل أن يشعر بأنّ الشخصيات تنتمي فعلًا إلى هذا العالم، وتعيش ضغوطه، وتفكر بمنطقه، وتتّخذ قراراتها انطلاقًا من قيمه.
ومن هنا يمكن فهم بعض الإشكالات التي تظهر أحيانًا في عدد من الأعمال السعودية الحديثة.

فعلى سبيل المثال، يُقدّم فيلم «مندوب الليل» للمخرج علي الكلثمي صورة بصرية مميزة لمدينة الرياض وتحوّلاتها الليلية، لكنه يختار تقديم بطله في عزلة اجتماعية حادّة، تقترب من نماذج الفرد المعزول الشائعة في السينما الغربية أكثر مما تستند إلى الامتدادات الاجتماعية التي تشكل، في كثير من الأحيان، جزءًا من الواقع المحلّي.
ويظهر التوتر ذاته، بصورة مختلفة، في «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر. فالفيلم يستثمر بيئة صحراوية شديدة المحلّية، لكنه يستعير في بعض لحظاته أنماطًا من التعبير والانفعال أقرب إلى أفلام الإثارة النفسية العالمية، ممّا خلق مسافة بين البيئة المحلّية وطريقة تمثيلها دراميًا، وجعل حضور المكان، أحيانًا، أقوى من حضور الشخصية نفسها.

أما فيلم «القيد» للمخرج حسام الحلوة، فقد أولى عناية كبيرة بالصورة البصرية، من مَشاهد الصحراء الواسعة وثلوج نيوم إلى زوايا الكاميرا التي منحت العمل حضورًا بصريًا لافتًا. وإنما هذا الحضور لم يقابله القدر نفسه من التعمُّق في البنية النفسية والاجتماعية للشخصيات.
ورغم انتماء الأحداث إلى بيئة بدوية، فإنّ بعض الحوارات والدوافع الدرامية بدت أقرب إلى قوالب أفلام الويسترن التقليدية منها إلى العلاقات والقيم التي شكّلت المجتمعات البدوية السعودية تاريخيًا.
وهذا يطرح سؤالًا حول مدى قدرة الفيلم على الموازنة بين الاستفادة من الأنماط السينمائية العالمية والحفاظ على صوته المحلّي.
ولا تعني هذه الملاحظات أنّ السينما السعودية تعاني أزمة هوية، أو أنها مُطالَبة بالانغلاق على نفسها. فالسينما، بطبيعتها، فنّ يقوم على التبادل والتأثر المستمر. لكن السؤال يبقى: متى يصبح التأثّر إثراءً للتجربة؟ ومتى يتحول إلى إضعاف للصوت المحلّي؟
ولعل هذه الفجوة بين المكان والروح ليست وليدة المصادفة، بل ترتبط أيضًا بتحولات أوسع شهدتها الصناعة السينمائية السعودية خلال السنوات الأخيرة.
فقد ازداد حضور معامل تطوير النصوص (Labs) والمنصات الدولية في المشهد المحلّي، وهي خطوة مهمة أسهمت في رفع جودة الكتابة، ومنحت الكتّاب أدوات احترافية لفهم البناء الدرامي وتعميق الشخصيات. لكنّ التحدّي يظهر حين تُنقل بعض أساليب الكتابة الجاهزة من بيئات مختلفة من دون إعادة تكييفها مع خصوصية المجتمع المحلّي.
فالشخصيات لا تصنعها الحبكة وحدها، وإنما تصوغها البيئة التي نشأت فيها، وطبيعة علاقاتها الأسرية والاجتماعية، والقيم التي تؤثّر في قراراتها. وحين تُبنى هذه الشخصيات وفق منطق درامي لا يشبه واقعها، قد تبدو مقنعة على الورق، لكنها تفقد شيئًا من صدقها على الشاشة.
وقد ينتج عن ذلك نوع من «الترجمة الفكرية»، فتتحدَّث الشخصيات بلهجة محلية، لكنها تتحرّك أحيانًا بانفعالات أو دوافع لا تنتمي بالكامل إلى البيئة التي يفترض أنها تُمثّلها. وهنا لا تعود القضية قضية لغة فحسب، بل تصبح قضية رؤية كاملة لكيفية تمثيل المجتمع على شاشة السينما.
ولهذا تبدو أكثر التجارب السعودية قُربًا من الناس هي تلك التي لا تحاول تفسير المجتمع، بقدر ما تحاول الإصغاء إليه.

ويُعد فيلم «هوبال» مثالًا يستحق التوقّف عنده، لكنه يقودنا هذه المرة إلى نتيجة مختلفة. فقد نجح في بناء عالم سعودي شديد المحلّية؛ في الصحراء، والإبل، والخيام، والعلاقات اليومية، وحتى في طريقة حديث الشخصيات. وبالنسبة إلى المشاهد السعودي، كانت هذه التفاصيل كافية لصنع ارتباط عاطفي حقيقي بالمكان.
لكن هذا الصدق المحلّي وحده لم يكن كافيًا ليمنح الفيلم حضورًا عالميًا واسعًا. فالمشكلة لم تكن في البيئة، بل في البناء الدرامي. إذ بدت الشخصيات وكأنها تتحرّك لخدمة السرد أكثر مما تتحرك بدوافعها، كما أن القصة لم تمنحها المساحة الكافية للتنفس والنمو، بما يجعل المشاهد، مهما كانت ثقافته، يرافقها حتى النهاية. وهنا يتضح أن المحلّية ليست وصفة جاهزة للعالمية، بل تحتاج إلى قصة تمنحها الحياة.

وعلى الجانب الآخر، يُقدّم فيلم «نورة» تجربة معاكسة. فقد حظي بحضور عالمي لافت في مهرجان «كان»، لكنه أثار لدى بعض المشاهدين المحليين شعورًا مختلفًا. فالفيلم لا يفتقد البيئة المحلّية ولا قصته الأساسية، لكنه انشغل بتقديم المجتمع للمُشاهد الخارجي أكثر من انشغاله بترك الشخصيات تكشف هذا المجتمع بنفسها، وأن نتعرّف إلى هذا العالم من خلال أفعالها وتحولاتها.
وعندها تصبح المحلّية مادة تُشرح، لا تجربة تُعاش، وهي شعرة رقيقة قد تعيد تشكيل علاقة المشاهد بالفيلم كلّه.
ولعل هذا التباين بين تجربتَي «هوبال» و«نورة» يفتح بابًا لنقاش ضروري حول معادلة التوازن الصعبة: هل نبحث عن الاعتراف الخارجي قبل أن نبني جسورنا مع الجمهور المحلي؟
وينعكس هذا السؤال في ميل بعض الأفلام إلى البحث عن الاعتراف الخارجي قبل بناء علاقتها مع جمهورها المحلّي، وكأنها تنتظر أن تعود محملة بتقدير المهرجانات أو الإشادات الدولية.
ولا تكمن المشكلة في المهرجانات نفسها، فقد أسهمت في صناعة تاريخ مهم للسينما العالمية، بل في أن يصبح المُشاهد المحلي متلقيًا متأخرًا لعمل كان يفترض أن يبدأ حواره معه أولًا.
فالمهرجانات تمنح شرعية نقدية، لكن الجمهور هو من يمنح السينما شرعيتها الوجودية.
والسينما السعودية اليوم، بعدما خطت خطوات واعدة نحو المحافل الدولية بأعمال التقطت هوية المكان بصدق، لا ينقصها أن تصبح «أكثر عالمية»، بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الثقة بنفسها، من دون أن تتخلّى عن لغتها وذاكرتها الاجتماعية.
فالمُشاهد العالمي لا يبحث دائمًا عن قصة تشبهه، وإنما عن شعور صادق يستطيع أن يلمسه في أي قصة مكتملة الأركان، حتى وإن لم يعرف ثقافتها أو يتحدث لغتها.
وكلما اقترب الفيلم من عالم صنّاعه وناسه بصدق، ازدادت فرصته في الوصول إلى الآخرين. فالمحلّية ليست عائقًا أمام المهرجانات الدولية أو العالمية، بل غالبًا ما تكون الطريق الأقصر إليها، متى صيغت دراميًا بصدق، لا وفق وصفات جاهزة أو حسابات مُسبقة.
اقرأ أيضا: هيفاء المنصور… المخرجة التي راهنت على السينما قبل أن تولد