هناك لحظات في السينما تتجاوز حدود الشاشة وتذكّرنا بالسبب الذي يجعلنا نحبّ مشاهدة الأفلام وسط جمهور حيّ يتفاعل مع كلّ تفصيل. بالنسبة إليّ، كانت إحدى أبرز هذه اللحظات خلال عرض فيلم «ذا ديبيوه» في الدورة السبعين من «مهرجان لندن السينمائي»، الذي اختير ليكون فيلم الختام. ففي مشهد تلقي فيه جوليان مور مونولوغًا استثنائيًا، وجدت نفسي أمام جمهور اندفع إلى التصفيق وقوفًا قبل انتهاء المشهد. لحظة مثل هذه يصعب تجاهلها، لأنّ قوة الأداء تذكّرنا بأنّ التمثيل، حين يصل إلى ذروته، قادر على انتزاع استجابة عفوية وصادقة من المشاهدين.

رهان ناضج على جيسي آيزنبرغ في تجربته الإخراجية الثالثة
الفيلم من كتابة جيسي آيزنبرغ وإخراجه، ويتناول حكاية «مونا فريدمان»، ربّة منزل ستينية تعيش حياة رتيبة تشعر خلالها بأنّها غير مرئية، حتى بالنسبة إلى أقرب الناس إليها. لكن عندما تحصل على دور صغير في مسرحية غنائية محلّية، تبدأ رحلة غير متوقَّعة لاكتشاف ذاتها، سرعان ما تتحوّل إلى هوس بالتمثيل وإثبات قدرتها على تقديم شيء يستحق الانتباه. ومن خلال هذه الحكاية، يطرح الفيلم هذا السؤال: ما الذي يحدث للإنسان عندما تتاح له أخيرًا فرصة أن يكون مرئيًا ومسموعًا بعد سنوات من التجاهل؟
ما يميّزه أنه يتعامل مع فكرة بسيطة، لكنّ التنفيذ والأداء أضفيا عليها عمقًا تحفيزيًا، عن امرأة تكتشف شغفها في مرحلة متأخّرة من حياتها. صحيح أنّ نقطة الانطلاق تبدو مألوفة، لكنّ آيزنبرغ يدفع حكايته تدريجيًا نحو جوانب أكثر غرابة واضطرابًا. ويصبح الحدّ الفاصل بين اكتشاف الذات وفقدان السيطرة على النفس أكثر هشاشة. فالمسرح هنا يمثّل مساحة للهروب من واقع بائس، وبيئة تعيد تشكيل شخصية «مونا»، وتكشف عن مشاعر مكبوتة ظلّت حبيسة سنوات طويلة من الصمت والمجاملة والتنازل.

جوليان مور وإجماع على ترسيخ مكانتها في سباق أفضل أداء لهذا العام
مهما كانت أفكار الفيلم طموحة، فإنّ جوليان مور هي العنصر الذي يمنحه قوته الحقيقية. فهي تمتلك قدرة استثنائية على تجسيد شخصيات تبدو هشّة من الخارج، بينما تخفي وراء هدوئها عالمًا من الألم والغضب والرغبات التي لم تتحقّق. وفي دور «مونا»، تبدأ مور بتجسيد امرأة تكاد تعتذر عن وجودها، بابتسامة متردّدة ونظرات توحي بأنها اعتادت أن تكون آخر من يُلتفت إليه، ثم تبني تحوّلًا تدريجيًا يجعل الشخصية أكثر جرأة.
المونولوغ الذي تقدّمه مور هو قلب هذه التجربة، والمشهد الذي يصعب بعده النظر إلى بقية الفيلم بالطريقة نفسها. فما يبدأ تمرينًا تمثيليًا بسيطًا يتحوّل إلى انفجار عاطفي، تنكشف خلاله طبقات من الإحباط والخذلان والوحدة. ولا تعتمد على المبالغة لإيصال انفعال الشخصية، وإنما توظّف نبرة صوتها ونظراتها وتغيّرات ملامحها، لتجعلنا نشعر بأنّ شيئًا ظلّ مكبوتًا طويلًا بدأ أخيرًا يجد طريقه إلى الخارج. وعندما يقابل الجمهور المشهد بتصفيق وقوفًا في القاعة، كما حدث خلال العرض الذي حضرته، يصبح التفاعل نفسه جزءًا من تجربة الفيلم.
وهنا تكمن قيمة مور بوصفها فنانة، لا ممثلة تقدّم أداءً جيّدًا في فيلم جديد فحسب. فمنذ تعاونها مع روبرت ألتمان في «شورت كتس»، وبول توماس أندرسون في «ماغنوليا» و«بوغي نايتس»، وتود هاينز في «فار فروم هيفن»، وألفونسو كوارون في «تشيلدرن أوف مِن»، أثبتت قدرتها على الانتقال بين عوالم سينمائية مختلفة من دون أن تفقد خصوصيتها. وهي لا تبحث عن تكرار نجاح سابق، إذ تستطيع أن تجعل من كلّ شخصية فرصة جديدة لاختبار حدودها، سواء في الدراما النفسية أو الكوميديا أو الأعمال التي تمزج بين السخرية والألم.

الكيمياء بين مور وجياماتي
ولا يقلّ بول جياماتي أهمية في نجاح التجربة، إذ يقدّم شخصية المخرج المسرحي «جيري»، الرجل الحادّ والمزاجي الذي يدفع «مونا» إلى تجاوز حدود راحتها. وتمنح العلاقة بينهما الفيلم جانبًا إضافيًا من التعقيد، لأنّ «جيري» لا يظهر معلّمًا مثاليًا، وإنما يظهر مغرورًا ومكروهًا. ومن خلال هذه العلاقة، يطرح آيزنبرغ تساؤلات حول دور المخرج في استخراج أفضل ما لدى الممثل، والحدّ الفاصل بين التوجيه الفني والتلاعب بمشاعر الآخرين. كما يضيف جياماتي حضورًا كوميديًا حادًا يوازن اندفاع مور، ويمنح مواجهاتهما بعضًا من أكثر لحظات الفيلم حيوية.
مَواطن جمال ونواقص لم تكن في محلّها
إخراجيًا، يقدّم آيزنبرغ تجربة مختلفة عن أعماله السابقة، إذ يبتعد عن الواقعية الهادئة التي ميّزت بعضها، ويقترب من عالم أكثر اصطناعًا ومبالغة. تتحرّك الكاميرا باستمرار داخل الكواليس والممرّات، بينما تتبدّل الأجواء البصرية كلّما ازداد انغماس «مونا» في دورها. ويستفيد الفيلم من غرابة المسرح المجتمعي، بما يحمله من طموحات تفوق إمكاناته، وشخصيات تتعامل مع إنتاج محدود كما لو أنها تقف على أكبر مسارح العالم. وتضيف هذه السخرية طاقة واضحة إلى الفيلم، من دون أن تمنعه من التعامل بجدية مع حاجة الإنسان إلى الفنّ، وإلى مساحة يستطيع فيها التعبير عن نفسه إذا أُتيحت له الفرصة.
مع ذلك، لا تخلو التجربة من بعض التعثّرات. فالفيلم يتنقّل بين الكوميديا الساخرة والدراما الإنسانية والاضطراب النفسي، لكنه لا ينجح دائمًا في تحقيق الانسجام بين هذه النبرات. ففي بعض اللحظات، تبدو المبالغة مقصودة وفعّالة، بينما تخلق في لحظات أخرى مسافة بين المشاهد والشخصيات، خصوصًا عندما يتخلّى العمل عن واقعيته لمصلحة مشاهد أكثر غرابة. كما أنّ بعض الشخصيات المحيطة بـ«مونا» لا تحظى بالعمق نفسه الذي تمنحه مور لشخصيتها، ما يجعل الفيلم يعتمد عليها بدرجة كبيرة للحفاظ على توازنه العاطفي.

حضور الفيلم في موسم الجوائز
وبالنظر إلى موسم الجوائز، تبقى جوليان مور الاسم الأبرز الذي يستحق المتابعة. فقد أثار أداؤها اهتمامًا نقديًا منذ العروض الأولى، وارتبط الفيلم بالحديث عن فرص عودتها إلى سباق «الأوسكار». وأرى أنّ احتمال ترشيحها لجائزة أفضل ممثلة يستحق أن يؤخذ بجدية، خصوصًا أنّ الدور يتيح لها مساحة واسعة تجمع بين الكوميديا والتحوّلات النفسية والانفجارات العاطفية.
أمّا فرص الفيلم في فئتَي أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلي، فستعتمد على قدرته على الحفاظ على زخمه خلال موسم الجوائز، ومدى استجابة «الأكاديمية» لمغامرته الفنية رغم بعض التفاوت في نبرته.
ومن اللافت أنّ الفيلم من إنتاج إيما ستون وزوجها ديف مكاري، عبر شركتهما «فروت تري». وفي حال ترشّح الفيلم لجائزة «الأوسكار» لأفضل فيلم، سيرتفع رصيد إيما ستون إلى ثمانية ترشيحات قبل تجاوزها سنّ السابعة والثلاثين، ممّا يجعلها تتخطّى الرقم الذي حقّقته ميريل ستريب آنذاك، بوصفها أصغر امرأة تصل إلى هذا العدد من الترشيحات في مثل هذا العمر.
وفي شهادة شخصية أكتبها وأنا لا أزال تحت تأثير الفيلم، أحيانًا لا تحتاج إلى فيلم خالٍ من العيوب كي تغادر قاعة السينما وأنت منبهر. يكفي أن يمنحك لحظة واحدة تشعر فيها بأنّ الشاشة اختفت، وأنّ الممثل الذي أمامك لم يعد يؤدّي دورًا، وإنما يعيش حياة كاملة في تلك الدقائق. بالنسبة إليّ، كانت تلك اللحظة من نصيب جوليان مور، وكان تصفيق الجمهور وقوفًا شهادة حيّة على قوة ما قدّمته.
اقرأ أيضا: «Tender Loving Care»… مايك لي يودّع السينما بحكاية عن الحبّ والحياة