كانت عودة أستاذ السينما الكورية الجنوبية بارك تشان ووك بفيلم جديد في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، من بين أكثر الأحدث ترقبًا، ويا لها من عودة!
قصة «لا خيار آخر /No other Choise» نموذجية، تروي المنافسة الشرسة، والتغييرات التي أحدثها وصول الرخاء منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على الأقل، والاختلافات الاجتماعية والكراهية، والامتيازات التي لا نهاية لها داخل النظام الرأسمالي. يتناول «تشان ووك» قصته من منظور الأغنياء، الذين يرتجفون من فكرة أنهم لم يعودوا كذلك، ومن التضاؤل المعروض من الوظائف.

بعد مسيرة مهنية امتدت لأكثر من 25 عامًا في صناعة الورق، يعيش مان-سو «لي بيونغ-هان» حياة مثالية: منزل واسع، زوجة محبة «سون يي-جين»، طفلان، وكلبان وفيان. رجل يظن أنه نال كل شيء. لكن حين يتلقى خبر فصله من العمل، تنهار منظومته الهادئة بضربة قاسية. يعد أسرته بأنه سيجد وظيفة خلال ثلاثة أشهر، لكن الواقع يخذله: 13 شهرا من الفشل، مقابلات عقيمة، ونفاد مكافأة نهاية الخدمة.
في مواجهة خطر الانهيار المالي وفقدان مكانته، يكتشف مان-سو أن السوق لا يرحم، وأن الوظائف القليلة المتاحة تذهب لمن هم أفضل منه. وهنا، يتولد داخله منطق جديد: «إن لم يكن الأفضل، فليكن الوحيد» مدفوعاً بيأسه، يبدأ في تصفية منافسيه واحدًا تلو الآخر!

«لا خيار آخر»، تأمل مُلح في ديناميكيات العمل المعاصر، والآليات المنحرفة لما بعد الرأسمالية التي تُجبرنا على التحرك كأشخاص يائسين. ومع ذلك، فإن هذا التأمل ليس صاخبًا ولا تعليميًا، بل هو جزء من فيلم إنساني، حيث يظل العنصر المحوري دائمًا هو البعد النفسي للشخصيات، وبردود أفعالهم تجاه المجتمع من حولهم، والتي ستقود مان-سو إلى أشكال من التدمير الذاتي. وإذا كان فعل القتل، والأفعال المشكوك فيها أخلاقيًا، قد تم إشباعها في الماضي في سينما «تشان ووك»، بهالة صدمة متعمدة. فإن العنف والقتل في «لا خيار آخر» يقدم بنبرة ساخرة، لنشوة الفعل الدموي.
يمكن وصف سينما «تشان ووك» بأنها مفرطة، في الكتابة، والإخراج، والتشابك، والتراكمات، والتناقضات، وبالتالي في طبيعتها الميكانيكية، والوتيرة الصارمة والفوضوية التي تتطور بها حبكات أفلامه، فبدلاً من أن تتكشف، تتراكم وتتشابك قطعة قطعة. في جديده يثبت نفسه مرّة أخرى أنه نقطة مرجعية للديناميكيات السينمائية والوعي الكبير بالكاميرا، والإخراج، وطريقة تقديم الفيلم كوسيط سمعي بصري. الكثير يحدث داخل كلّ مشهد، تتضمن لقطات، مكالمات الفيديو دائماً شيئًا في الخلفية لا يراه المتصل، مخفيًا وسريًا. تحتوي كلّ لقطة على شيء أكثر من المعتاد، حتى عندما يريد بطل الرواية رمي مزهرية من سطح لقتل شخص ما، فإنها تتسرب بعض الماء عليه، مما يأخذ القصة إلى مكان آخر. إنه انتصار للسينما والإلهام. كل ذلك داخل الكوميديا، وهو النوع الذي يميل الأكثر كسلًا إلى الاعتقاد بأنه لا يرتبط بالضرورة بإخراج قوي، بل يعتمد على الكتابة والتمثيل، والذي يُظهر بارك بدلاً من ذلك أنه يمكنه تحويله إلى قمة الفكاهة الإخراجية. هناك نكات مبنية بصوت يظهر في نقطة معينة، مع حوار لا يمكن سماعه لأن الموسيقى عالية جداً، مع قتال مصمم لإثارة الضحك، أو حتى مع لقطة تضع الأبطال في موقف، نظرًا لعلاقات القوة الخاصة بهم، يكون مضحكًا.

على امتداد السرد، يتهاوى النظام الأخلاقي لشخصية غير قادرة على مواجهة تحديات الحياة بمسؤولية واضحة. وفي ظل الضغوط الهائلة التي يفرضها النظام المؤسسي في كوريا الجنوبية على العاملين، يظل العنف هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للتنفيس، بل الترياق الوحيد في مواجهة الانهيار. فيلم «لا خيار آخر» يُجسّد هذا الواقع، ويقدّمه من منظور درامي وموضوعي شامل، ليصبح بوابة إلى عالم غريب ومضطرب. في هذا العالم، لم يعد العنف مجرد رد فعل غاضب أو تعبير عن قلق مكبوت، بل تحوّل إلى سلوك وقح، يتسلل إلى الحياة اليومية كأداة للبقاء. وهكذا، لا يكتفي الفيلم بتشريح أزمة فردية، بل يرسم ملامح مجتمع بأكمله، حيث تتآكل القيم تحت وطأة الحاجة، ويصبح الانحراف الأخلاقي نتيجة منطقية لنظام لا يرحم.
اقرأ أيضا: «بوغونيا»… لانثيموس يُحكِم صيغته الذهبية في 20 عامًا