فاصلة

مراجعات

«أب، أم، أخت، أخ»… موسيقى جيم جارموش العائلية

Reading Time: 4 minutes

غاب جيم جارموش عن صالات العرض ستة أعوام منذ فيلمه الأخير «الموتى لا يموتون The dead don’t die» الذي كان حتى أيام قليلة مضت أحث أفلامه المستقلة التي يواصل فيها تجريب أفكاره التي يسخر فيها أحيانًا من النماذج والقوالب المحفوظة في صناعة السينما.

لكنه عاد إلى الشاشات من جديد بأحدث أفلامه المعروضة في مهرجان فينيسيا في دورته الجديدة، الثانية والثمانين، الجارية فعالياتها الآن. ليقدم فيلمه الجديد «أب، أم، أخت، أخ Father Mother, Sister Brother» الذي يعود فيه بثلاث حكايات عن العائلة.

يشبه الفيلم أفلام جارموش القديمة المكونة من حكايات عدة يجمعها موضوع واحد وجمل حوارية متكررة سواء كانت نكات أو أسئلة وجودية، وهنا رغم أن جارموش لا يقدم جديدًا يختلف عن عالمه بشكل عام، إلا أن هذا الفيلم بالتأكيد يمحي بشكل ما الأثر السيء لفيلمه السابق، الذي حاول فيه استخدام تركيبة أفلام الموتى الأحياء «زومبي» ليسخر من نوعية أفلام الموتى الأحياء، لكن نتج فيلم لا يصل إلى أي مكان ولا يقول أي شيء متماسك.

«هل يمكن أن نشرب نخب الماء؟» هذا واحد من الأسئلة التي يستخدمها جارموش في فيلمه الأحدث في كل الحكايات التي تبدأ بأخ وأخته، يزوران والدهما بعد فترة من وفاة والدتهما. نبدأ بالأخ والأخت بينما يذهبان في عربية فارهة حديثة مزدوجة المحرك إلى الأب غريب الأطوار، الذي يستقبلهما بغرابة ويحاول أن يظهر لهما مدى فقره المدقع وسوء حياته، ويقدم لهما الماء كواجب ضيافة في إشارة إلى فقره أو كما نفهم من السياق بخله. يجلس ثلاثتهم لتبدأ حوارات تذكر بأفلام أخرى لجارموش مثل «ليلة على الأرض Night on Earth» و«قهوة وسجائر Coffee & Cigarettes» فالأب يدِّعي شيئًا، وتحاول الأخت دائمًا إثبات أنه يكذب بشكل ما، بينما يبدو الأخ متغافلًا عن حقيقة أن والده يخبئ شيئًا ما. وهو تغافل ربما يحدث في كل علاقة عائلية، لأن لا أحد يتحمل عواقب الحقيقة، ويفضل الناس ذلك التجاهل لتلك الصغائر من أجل إمضاء ولو لحظات سعيدة مع أب يبعد عنهم مئات الأميال.

"أب، أم، أخت، أخ".. حكايات طيبة عن العائلة
Father Mother Sister Brother (2025)

لا أعلم لماذا أيضًا قفز إلى ذهني مثال هو ربما بعيد كل البعد عن ذلك الأب في الحكاية، وهو شخصية الأب المُلغزة في رواية «اختراع العزلة» لبول أوستر، إذ كان والده في تلك المذكرات شخصية لا يمكن معرفة ما يدور بداخلها، وشبهه أوستر بشخصية تعددت طبقاتها الخارجية حتى أخفت تمامًا كل ما يدور بداخله، وربما الأمر في فيلم جارموش مشابه لذلك، مع فارق أن الأب هنا تظهر ألغازه في إطار كوميدي خفيف، لا يجعلنا نشعر بمدى الثقل الذي ربما تعيشه شخصيتي الأخ والأخت، بسبب البعد العاطفي والعملي لذلك الأب.

ننتقل إلى الحكاية الثانية فنرى ثلاث سيدات، أم روائية مشهورة وابنتين واحدة تحاول أن تشبه والدتها تمام الشبه والأخرى تختلف عنها كليًا. يجتمع ثلاثتهم في موعد سنوي لشاي ما بعد الظهيرة مع أمهم المقيمة في دبلن – يغير جارموش المدينة مع كل حكاية وهو تغيير ربما يكون شكليًا- وخلال ذلك الموعد وما يسبقه في رحلت الابنتين في المدينة وصولًا إلى بيت الأم، يتكشف لنا مدى الاختلاف بينهما، ثم يظهر الاختلاف أكبر من خلال تناول الطعام والشراب وحتى طريقة خلع كل ابنة لمعطفها. كلها تفاصيل صغيرة يحكي من خلالها جارموش عن أشياء يمكننا كلنا فهمها ونراها دائمًا في كل عائلة، وهي رغم صغرها إلا أنها تخبرنا عن حقيقة تلك العلاقة، يجعلك تستدل وتتعقب كيف كانت نشأة هؤلاء الأبناء والبنات مع آبائهم وأمهاتهم.

"أب، أم، أخت، أخ".. حكايات طيبة عن العائلة
father mother sister brother (2025)

الحكاية الأخيرة تدور في باريس، وهي ربما الحكاية الأكثر ديناميكية من حيث مواقع التصوير، إذ نتجول أكثر بكثير مع الأخ والأخت، التوأمان اللذان فقدا والديهما في حادث طيران، لكنهما لا يتكلمان عن الموضوع بأي حزن أو أسى، إذ تختلف تلك الحكاية، فلا يظهر فيها أي نوع من التحسر على علاقة الأبناء بالآباء، بل نرى العكس، نوع من الامتنان للأب والأم اللذين منحا تربية آمنة محبة لأبنائهما، حتى وإن لم يكونا شخصين مثاليين في الحقيقة. لكن ذلك الاختلاف في مواقع التصوير، ونوع علاقة العائلة في مقابل الحكايتين الأولى والثانية ربما يشعر بنوع ما من التغيير الغريب، لكن حسب كلام جارموش ذاته، فإن تلك الحكايات الثلاث هي عن علاقات عائلية مع آباء وأمهات بعيدين، سواء بالسكن أو بالعواطف أو حتى الموت، لكنها بالتأكيد الحكاية الأقل ترابطًا وتماسكًا في الفيلم.

"أب، أم، أخت، أخ".. حكايات طيبة عن العائلة
Father Mother Sister Brother (2025)

لكن ما الذي يمنح تلك الحكايات متعتها في فيلم جارموش الأحدث؟ أعتقد أن الإجابة يمكن تحديدها في ثلاث نقاط. أولاها هو طريقة الحوار الغريبة بعض الشيء بين الشخصيات، والكلمات المتشابهة في كل حكاية ما يجعلها أشبه بـ «إيفيه» لفظي متكرر، إضافة إلى التفاصيل الصغيرة للشخصيات بينما يتصرفون أو يتحدثون.

ثانيها هي الألوان، إذ يستعمل جارموش – خاصة في الحكاية الثانية – نوعًا من الألوان المتكررة في ملابس الشخصيات الثلاثة – البنتين وأمهما- ولكن بدرجات وتنسيقات مختلفة، ما يمنح إحساسًا بتشابه وتواصل موجود مهما اختلفت الشخصيات. فنرى في الحكاية الثانية ثلاثة تدريجات للأحمر، تلبس الأم أحمر قاتم ذا ملمس واضح، ما يوحي بشخصيتها القوية الفخمة المتكلفة، وترتدي الابنة الصغرى لونا أحمر فاقع لتيشيرت لا يبدو عليه أنه ثمين، لكنه يوحي بشخصيتها المرحة، بينما ترتدي الابنة الكبرى المتشبهة بوالدتها بلوفر أحمر يختبئ خلف قميص أزرق فاتح وبنطلون رمادي، فيبدو أن حبها للحياة يختبئ وراء مظهر هادئ كما هي شخصيتها.

"أب، أم، أخت، أخ".. حكايات طيبة عن العائلة
father mother sister brother (2025)

الشيء الثالث الذي يجعل الفيلم ممتعًا، يتوقف على المشاهد نفسه، ومدى مشاهدته لأفلام جارموش السابقة وإدراكه لعالمه المتكون من الشخصيات العادية ذات التصرفات الغريبة بعض الشيء، والدراما الخاصة به حيث لا يحدث شيء كبير أبدًا. وهذا الشيء تحديدًا ربما يكون هو الأكثر متعة بين نقاط تميز الفيلم الثلاثة، إذ أن محبي جارموش يعلمون جيدًا أنه ليس أعظم مخرج في العالم، ولا ينافس أبدًا على أي مساحة تفوق بصري، لكنه دائمًا يشغل مساحة مخرج مستقل يغرد خارج السرب بحريته المفرطة في حكيه لحكاياته العادية وحبه لشخصياته العادية المذهلة.

اقرأ أيضا: «بوغونيا»… لانثيموس يُحكِم صيغته الذهبية في 20 عامًا

شارك هذا المنشور