فاصلة

مراجعات

«ووكر»… الفيلم الذي دمَّر مسيرة مخرجه في هوليوود

Reading Time: 3 minutes

بحلول عام 1987، كان البريطاني أليكس كوكس من ألمع المخرجين في هوليوود، إذ تحوّل فيلمه «ريبو مان» إلى ما يُعرف بـ«كالت كلاسيك»، وهي الأفلام ذات القاعدة الجماهيرية المخلصة، كما قلب فيلمه «سيد أند نانسي» مفاهيم أفلام السيرة الذاتية. وبعد هذه النجاحات، كانت «يونيفرسال» على استعداد لإنفاق الملايين على مشروعه المقبل «ووكر»، إلا أنه أصبح آخر أعماله في الاستوديوهات الأميركية.

يعود كوكس هنا إلى أفلام السيرة الذاتية، بالتعاون مع كاتب السيناريو الأميركي رودي وورلتز، بنسخة أكثر جنونًا. تدور أحداث الفيلم حول شخصية وليام ووكر (إد هاريس)، المحامي المغامر الذي شنّ مع مرتزقته حملات للاستيلاء على أجزاء من أميركا الوسطى في القرن التاسع عشر، إيمانًا منه بعقيدة «القدر المتجلّي»، وهي فكرة سياسية انتشرت في ذلك الوقت، مفادها أنّ أميركا مقدّر لها التوسُّع والسيطرة على أراضٍ جديدة.

Walker (1987)
Walker (1987)

يبدأ الفيلم بمعركة في المكسيك خلال إحدى محاولات ووكر الفاشلة للسيطرة على منطقة سونورا، فتتطاير الأشلاء مثل الدمى مع وَقْع موسيقى لاتينية خفيفة، ومن هذا المشهد تتحدَّد نبرة الفيلم الهزلية غير المعتادة لأفلام السِّير التاريخية. بعد خسارة خطيبته، يوافق ووكر على عرض كرولينوس فاندربيلت (بيتر بويل)، وهو من أكثر الشخصيات نفوذًا في أميركا، بالسفر مع رجاله إلى نيكارغوا لمساعدة حلفائه في السيطرة على ممرات الشحن البحري تحت ذريعة نشر الديمقراطية.

ولا يحتاج المُشاهد إلى وقت طويل ليدرك أنّ الفيلم لن يقدّم بطله بالطريقة المعتادة من تمجيد ووقار، بل إنه ليس بجانب ووكر وقيمه على الإطلاق؛ فتارةً تسخر الشخصيات نفسها من وليام ووكر، وتارةً من روايته الصوتية التي تناقض ما يحدث. والسخرية هنا تطال الإمبريالية الأميركية كذلك. ففي أحد المَشاهد الطريفة يصادف الجيش رجلًا إنجليزيًا يرسم لوحته بهدوء، فيسأل الرجال: إلى أين هم ذاهبون؟ فيردّ أحدهم بفخر: «نحن نحرّر البلاد من أجل الديمقراطية». فيجيب الإنجليزي: «لا بدَّ أنكم أميركيون».

Walker (1987)
Walker (1987)

وينجح إد هاريس في أداء الشخصية ببراعة، حيث يُظهر الجوانب المظلمة والمهيبة في شخصية وليام ووكر، مثل مشهد دخوله إحدى قرى نيكارغوا وسط وابل من الرصاص بثبات جنوني، وإنما لا يتوانى عن إظهار الجوانب المثيرة للشفقة، وتحوّله من مغامر طموح إلى طاغية مصاب بجنون العظمة.

والفيلم، الذي صُوِّر في نيكارغوا بالتعاون مع الحكومة الساندينية، اعتمد على المؤثرات العملية ليضفي جوًّا من الحيوية والفوضى، ويجعله أقرب إلى روح المكان الذي كان يعاني وقتها الحرب الأهلية.

Walker (1987)
Walker (1987)

ولا يعبأ الفيلم بالدقة التاريخية، فتزداد المشاهد عبثية مع تقدُّم أحداثه، فتجد بعض الشخصيات تشرب الكولا وتتصفَّح مجلتَي «نيوزويك» و«التايم»، وتصل هذه المفارقات إلى ذروتها في الجزء الأخير، عندما يلقي وليام ووكر خطبته العصماء عن أنّ أميركا لن تترك نيكارغوا أبدًا، وتهبط الطائرات المروحية العسكرية لإجلاء مَن يحملون الجوازات الأميركية فقط، وهي محاولة من المخرج لتقريب الماضي والحاضر. كما تعزّز موسيقى الفيلم هذا التوجّه، فهي من تأليف جو سترمر، عضو فرقة «البنك روك» «ذا كلاش»، وتضفي عليه نزعة تمرّدية.

كل ذلك يأتي لخدمة رسالة الفيلم الرئيسية، التي لا يترك المخرج فيها مجالًا للمواربة أو الغموض، بل يعتمد على الإسقاط المباشر؛ ففي أثناء شارة النهاية، تُعرض مقاطع إخبارية حديثة لتصريحات الرئيس الأميركي رونالد ريغان وضحايا ميليشيات الكونترا التي دعمتها حكومته، ليكون الفيلم إدانة للتدخّلات الأميركية على مرّ العصور.

Walker (1987)
Walker (1987)

بعد الانتهاء من إنتاج الفيلم، عجزت «يونيفرسال» عن التسويق لهذا الفيلم الغرائبي الجريء سياسيًا، الذي يتصادم بشكل مباشر مع التغطيات الإخبارية الحالية، ممّا أدّى إلى فشله الذريع في شباك التذاكر وسحبه سريعًا من التداول، ووصف أليكس كوكس نفسه بأنه أصبح – وفق تعبيره – مدرجًا في القائمة السوداء. ويقول الناقد الشهير جوناثن روزنبام، الذي كان رأيه عن الفيلم أكثر توازنًا من الهجمات التي تعرَّض لها عند عرضه، إنّ الفيلم، رغم فوضويته وإفراطه، يمثّل بيانًا راديكاليًا بشأن تورط الولايات المتحدة الأميركية، فيوجه «صفعة قوية ومرحَّبًا بها». 

ومع ذلك، استمر أليكس كوكس في العمل خارج هوليوود؛ في أميركا الجنوبية وبريطانيا. وأُعيد اكتشاف فيلم «ووكر» وتقديره عند صدوره على أقراص الـ«دي في دي» من إنتاج «كرايتريون»، فيبدو أنّ الزمن أنصفه، من كونه مشروعًا فوضويًا متهوّرًا إلى أحد أهم الأفلام السياسية في الثمانينات. 

اقرأ أيضا: «أحمر وأسود»… عندما أكلت هوليوود نفسها في كلاسيكيات لوكارنو

شارك هذا المنشور

أضف تعليق