في الدورة الثانية عشرة من «مهرجان أفلام السعودية»، التي يستضيفها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء»، من 26 يونيو إلى 2 يوليو 2026، تحت شعار «كل حكاية رحلة»، يحضر الفيلم الوثائقي بقوة ضمن برنامج يضم 50 فيلمًا من أكثر من 15 دولة. ويعرض المهرجان 27 فيلمًا في المسابقات الرسمية، إلى جانب ستة أفلام في العروض الموازية.
وتضم مسابقة الأفلام الوثائقية سبعة أعمال هي: «بقشة سعد» لمجبل الفرج (40 دقيقة)، و«ضباب البارود» لسعد طحيطح (17 دقيقة)، و«ضد السينما» لعلي سعيد (ساعة و58 دقيقة)، و«عمق» لعبد الرحمن صندقجي (41 دقيقة)، و«فريحة» لبدر الريمي (27 دقيقة)، و«مرجوج هزازي» لمشعل الثبيتي، و«نور» لعمر المقري (ساعة و34 دقيقة). كما تضم قائمة الأفلام الوثائقية خارج المسابقة فيلم الافتتاح «ملك الأكتاف» لمرام الخالدي، وفيلم العروض الموازية «خطى الذاكرة بين بلاد الفل والريحان» لأريج الغامدي، ومدّته 33 دقيقة و47 ثانية.
وتبدو موجة الأفلام الوثائقية في هذه الدورة أكثر التصاقًا بالمادة المحلّية، بكونها موضوعات تنبثق من تفاصيل الحياة. وكأنّ السينما هنا تبدأ مما تعرفه جيدًا، ثم تترك الحكاية تصل إلى الخارج بلغتها الخاصة. وينسجم هذا المسار مع دعم صناعة الأفلام ضمن برامج «رؤية المملكة 2030»، لتحويل الحكايات المحلّية إلى صور قابلة للمشاهدة.
وفي القائمة الآتية، نُضيء على أبرز الأفلام الوثائقية التي تجسِّد هذه الرؤية، وتُقدّم المادة المحلّية بأبهى حلة.
قائمة أبرز الوثائقيات في الدورة 12
«ملك الأكتاف»: حرفة البشوت
يفتتح «ملك الأكتاف» المهرجان من عالم البشت السعودي؛ من الخيط والغرزة ويد الصانع، إلى السوق والمناسبة التي يُرتدى فيها. ويُقدّم الفيلم، وفق برنامج الافتتاح، رحلة البشت من تفاصيل صناعته إلى حضوره في المحافل الاجتماعية والرسمية، مستعيدًا الحرفة اليدوية التي تمنح هذه القطعة هيبتها.
ويمنح اختيار «ملك الأكتاف» فيلمًا للافتتاح مكانة متقدِّمة ضمن الدورة الحالية.

«مرجوج هزازي»: ما بقي بعد الجدل
ينتقل «مرجوج هزازي» إلى ذاكرة أخرى، هي بدايات الإنترنت في السعودية. والفيلم هو التجربة المستقلة للمخرج مشعل الثبيتي بعد «قرن المنازل»، الفائز في الدورة الحادية عشرة بجائزة نخلة «جبل طويق» لأفضل فيلم عن مدينة سعودية.
ويركز العمل على تركي عمر، المعروف بلقب «مرجوج هزازي»، وهي شخصية ارتبط اسمها ببدايات الحضور الرقمي، والمنتديات، والاختراقات، والدهشة التي رافقت دخول الحاسب إلى الحياة اليومية. وتصفه تغطية حديثة بأنه يستعيد سيرة «الهاكر» الذي شغل الرأي العام، منذ بداياته مع الحاسب حتى شهرته الواسعة في مطلع الألفية.

قد يُختصر «مرجوج هزازي» في لقب «مخترق»، لكن الفيلم يختار السيرة. والسيرة هنا تمنح الشخصية حقها في التعقيد؛ شاب خرج من شاشة صغيرة، ثم أصبح جزءًا من ذاكرة جيل وهو يكتشف الإنترنت للمرة الأولى.
«خطى الذاكرة بين بلاد الفل والريحان»: الجسد حين يحمل الأرشيف
يأتي «خطى الذاكرة بين بلاد الفل والريحان» ضمن العروض الموازية، مضيفًا إلى خريطة الوثائقيات موضوعًا حساسًا هو الرقص النسائي التقليدي في الباحة وجازان. الفيلم وثائقي اجتماعي من إخراج أريج الغامدي، وتتقاطع مادته مع سؤال بحثي، إذ تسجل قاعدة بحوث جامعة لانكستر أطروحة دكتوراه للغامدي بعنوان «توثيق التراث الثقافي السعودي غير المادي: رقص النساء».

هذا النوع من التراث يعيش في الجسد. فلا يمكن تعليقه على جدار أو حفظه في صندوق زجاجي. إنه يُؤدَّى أمام الناس ثم ينتهي، ولذلك تمنح السينما هذه الرقصات فرصة إضافية للبقاء.
ويضع الفيلم النساء في قلب الذاكرة المصوَّرة، ويتعامل مع هذا التراث على أنه معرفة اجتماعية تُؤدَّى بالجسد. وحين تغيب هذه المعرفة، تختفي معها طريقة كاملة في تذكُّر المكان.
«عمق»: العامل الذي لا يراه السطح
في «عمق»، يتتبع عبد الرحمن صندقجي الغواص السعودي أحمد الجابر، الذي يعمل في صيانة أنابيب النفط تحت البحر. ويبدو موضوع الفيلم مهنيًا في بدايته، لكنه يقود المُشاهد إلى مهنة نادرًا ما تحضر في الصور العامة للاقتصاد والصناعة.
ويعمل عنوان «عمق» في اتجاهين: عمق البحر وعمق التجربة البشرية. فكل نزول إلى الماء يحمل سؤالًا عن الجسد والنَّفَس والخطر وحدود الاحتمال. وهنا تكمن قوة الفيلم؛ إذ يخرج العامل الخفي من حدود الوظيفة إلى فضاء الحكاية.

«ضباب البارود»: رقصة تعود بعد انقطاع
يتّخذ «ضباب البارود» من رقصة «المدقال» في محافظة النماص مادته الأساسية، ويقدّمها طقسًا جماعيًا يعود بعد انقطاع. وهنا تكمن قوة الفيلم؛ فالعودة تحمل معنى مختلفًا عن الاستمرار. فعندما تُؤدَّى رقصة بعد سنوات من الغياب، تصبح الحركة والبارود وترتيب الأجساد ونظرات المشاركين، عناصر يصعب حفظها في وصف مكتوب.

وتمنح الأفلام الوثائقية هذه المادة قيمة مختلفة، إذ تنطلق من أثر قائم ينتظر مَن يلتفت إليه. ففي الفيلم الوثائقي، يصبح المألوف قابلًا للدهشة. ولا تحتاج مثل هذه الموضوعات إلى تضخيم، لأنّ قوتها تكمن في قربها منا، وفي قدرتها على كشف ما اعتدنا تجاوزه. لكنها تبقى في حاجة إلى ذلك التأطير الإبداعي الذي يشبه ترتيب الكتب على رفوف المكتبة، لتسهيل الوصول إلى هذا الإرث.
اقرأ أيضا: «مرجوج هزازي»… من ذاكرة الإنترنت إلى ذاكرة السينما