فاصلة

مراجعات

«مرزوق»… البطولة ذات القوائم الأربع

Reading Time: 4 minutes

تدور قصة فيلم «مرزوق»، الذي عُرض للمرة الأولى في «مهرجان أفلام السعودية»، حول حمار يحمل هذا الاسم. وأثناء مشاهدتي، وجدت نفسي أتأمّل معنى «مرزوق». فالاسم في العربية علم مذكر جاء بصيغة اسم المفعول من الفعل «رزق»، ويعني من أنعم الله عليه بالرزق والخير والبركة. لكن الفيلم بدا كأنه يمنح الاسم دلالة أخرى؛ فمرزوق ليس فقط من رُزق، بل مَن يرزق غيره أيضًا. يُرزق بحب العائلة، ويمنحها قوت يومها، ويزرع الفرحة في قلوب الأطفال، ليصبح جزءًا من العائلة وركنًا أساسيًا في حياتها، وأكثر من مجرّد حمار يعمل في المزرعة.

تدور أحداث «مرزوق» حول عائلة داود التي تعيش في قرية هادئة، وتقضي حياة بسيطة تعمل في مزرعتها برفقة حمارها الذكي «مرزوق»، الذي يساعدها على كسب قوت يومها. لكن عندما يواجه داود ظروفًا تغيّر حياته، تتأثر العائلة بأكملها وتبدأ علاقتها بمنزلها وبـ«مرزوق» في الانكشاف تدريجيًا، بطريقة إنسانية عميقة ومؤثّرة.

مرزوق (2026)
مرزوق (2026)

ويضع الفيلم «مرزوق» في مكانة محورية داخل الأسرة؛ فهو يحمل الطعام إلى الآخرين، وتعتمد عليه العائلة في تفاصيل حياتها اليومية. لكنه ليس حمارًا عاديًا، إذ يقدّمه بقدرات تكاد تكون خارقة؛ يعرف طريقه وحده، ويذهب ويعود من دون مرافقة، ويتمتّع بفطنة تجعل حضوره يتجاوز كونه وسيلة للعمل. ثم تقع حادثة تقلب حياة عائلة داود رأسًا على عقب، لتكشف حجم اعتمادها عليه، وتبدأ رحلتنا في فهم مكانته، بوصفه فردًا يحمل ثقلًا اجتماعيًا وعاطفيًا داخل العائلة.

التقيت مصادفةً بالمخرج حسين المحفوظ، وسألته سؤالًا لم يستغرق سوى ثوانٍ: هل استلهمت الفيلم من «Au Hasard Balthazar»؟ فأجاب بالنفي، وأضاف أنّ أستاذته في الجامعة أوصته بمشاهدته، لكنه كان قد كتب نصّ «مرزوق» قبل أن يراه. عندها لم يعد يشغلني سؤال التأثير المباشر، بل سؤال آخر بدا أكثر إثارة: كيف تتقاطع أفلام مختلفة خرجت من ثقافات وتجارب متباعدة في اختيار الحيوان نفسه ليحمل هذا الثقل الدرامي؟

وأعادني هذا السؤال أيضًا إلى فيلم «EO»، وقبله «Au Hasard Balthazar». ثلاثة أفلام، وثلاثة حمير، وثلاث حكايات مختلفة تمامًا. فما الذي يجعل الحمار تحديدًا وسيطًا سينمائيًا بهذه القوة؟

ربما لأنه أكثر الحيوانات التصاقًا بالإنسان من دون أن يمتلك صوته. يعمل بصمت، ويحمل الأثقال، ويتلقّى الأوامر، ويعيش على هامش الحكاية، رغم أنه أحد أسباب استمرارها. وجوده دائم، لكنّ الاعتراف به نادر. لذلك، حين تمنحه السينما موقع البطولة، فإنها لا تدافع عن الحيوان بقدر ما تتّخذه مرآةً للإنسان.

Au hasard Balthazar (1966)
Au hasard Balthazar (1966)

في «Au Hasard Balthazar»، يصبح الحمار شاهدًا على خطايا البشر وقسوتهم، متنقّلًا من يد إلى أخرى، بينما يتغيَّر الناس ويبقى هو ثابتًا في براءته. وفي «EO»، يتحوّل إلى عين تتجوّل في عالم مضطرب، ترى الإنسان من الخارج، فتكشف عبثه وعنفه وحدوده الأخلاقية. أما في «مرزوق»، فلا يحمل الحمار العالم كلّه على ظهره، بل يحمل عالمًا أصغر؛ عائلة كاملة تعتمد عليه في رزقها واستقرارها. لذلك، فإنّ أيّ تغيُّر يصيبه لا يمسّ الحيوان وحده، بل يهزّ بنية الأسرة.

والحمار أيضًا لا يعرف التمثيل. لا يبالغ في التعبير، ولا يبحث عن البطولة، ولا يملك لغة يشرح بها ألمه، سوى ما تكشفه الكاميرا حين تركز عليه. وكلّ ما يفعله أنه يكون حاضرًا أمامها. ولهذا تبدو مأساته أكثر صدقًا؛ فالمُشاهد هو مَن يملأ الصمت بالمعنى، وهو مَن يُسقط مشاعره على هذا الكائن الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

مرزوق (2026)
مرزوق (2026)

ولهذا أعتقد أنّ سرَّ الحمار في السينما لا يكمن في كونه حيوانًا مختلفًا، بل في أنه أقرب الكائنات إلى الإنسان من دون أن يُنافسه على مركز الحكاية. إنه الكائن الذي يخدم الجميع ويُنسى بسهولة، وعندما تضعه الكاميرا في المقدّمة، تكتشف أن الإنسان، لا الحمار، هو موضوع الفيلم الحقيقي.

وعندما تُلقى في وجوهنا شتيمة «حمار»، نتلقّاها غالبًا إشارةً إلى الغباء أو البطء في الفهم، لأنّ الصورة الشائعة في أذهاننا اختزلت هذا الحيوان في نهيقه، وفي كونه دابّة صبورة تُحمَّل ما لا تطيق من الأسفار والأمتعة، من دون الالتفات إلى ما يقدّمه فعلًا. وإنما هذه النظرة ليست مُنصفة تمامًا. فالحمار لم يكن يومًا مثالًا على العجز أو الفشل في أداء ما يُطلب منه، بل كان عبر التاريخ أحد أكثر الحيوانات اعتمادًا عليها في حياة الناس اليومية. فقد رافق الإنسان في القرى والطرقات والأسواق، وساعده في نقل المؤن والمياه والحطب، وقطع معه المسافات الوعرة حين تعجز الوسائل الأخرى، وظلَّ يؤدي عمله بهدوء وصبر وثبات.

مرزوق (2026)
مرزوق (2026)

بعيدًا عن دلالاته الرمزية، ينجح فيلم «مرزوق» أيضًا على المستوى الدرامي. فنتابع عائلة داود، المكوّنة من الأب والأم وطفليهما، وهي عائلة بسيطة تعيش في قرية صغيرة، يغلب على تفاصيل حياتها الدفء، والرضا بالقليل، والفرح بالأشياء اليومية. وينجح الفيلم في استحضار أجواء القرى السعودية القديمة، ليس من خلال الديكور فحسب، بل عبر العلاقات الإنسانية التي تربط أفراد العائلة، حتى يشعر المتلقّي أنهم يعيشون فعلًا على قلب رجل واحد. وقد صنعت هذه الحميمية ارتباطًا عاطفيًا مع الشخصيات، حتى لدى مَن لم يعش تلك المرحلة.

أداء ماجد السيهاتي أحد أبرز عناصر الفيلم؛ إذ يضفي على الشخصية طاقة وحضورًا يجعل الكوميديا تنبع من الموقف، لا من المبالغة، وهو ما منح العمل خفّة محبَّبة من دون أن يفقد طابعه الإنساني. ورغم أنّ الجانب الدرامي في الفصل الأخير بدا بحاجة إلى مزيد من الإحكام، مع وجود بعض الفجوات في تطوّر الأحداث، فإنّ ذلك لم يكن كافيًا لإضعاف التجربة. فالقصة وطريقة تنفيذها والحميمية التي تغلف شخصياتها، جعلتني أتجاوز كثيرًا من تلك الملاحظات، لأخرج من الفيلم بشعور أنني عشتُ مع هذه العائلة أكثر ممّا شاهدتها، وأنّ «مرزوق» لم يكن مجرّد حمار في الحكاية، بل قلبها النابض.

اقرأ أيضا: «مرجوج هزازي»… من ذاكرة الإنترنت إلى ذاكرة السينما

شارك هذا المنشور

أضف تعليق