فاصلة

أخبار وتقارير

هيروكازو كوريدا: الأطفال أذكى من أيّ ذكاء اصطناعي

Reading Time: 4 minutes

نظم مهرجان كان السينمائي مؤتمرًا صحفيًا للفيلم الياباني «Sheep in the Box» للمخرج هيروكازو كوريدا، المشارك في المسابقة الرسمية للنسخة الـ 79، بحضور أبطال العمل الممثل دايجو ياماموتو، والممثلة هاروكا أياسي. جاء المؤتمر عقب العرض العالمي الأول للفيلم على مسرح قصر المهرجانات مساء السبت، والذي حظي بتصفيق حار استمر لمدة ثلاث دقائق ونصف.

تتناول قصة الفيلم سيناريو تخيليًا يدور في المستقبل القريب حول زوجين يعيشان في حالة من الفجيعة والفقر بعد خسارة ابنهما، وفي محاولة لملء هذا الفراغ الوجودي، يقرران إدخال كائن بشري اصطناعي (روبوت) إلى حياتهما، يتمتع بنفس المظهر الخارجي وبصمة الصوت الفريـدة التي كان يمتلكها طفلهما الراحل.

هيروكازو كوريدا

افتتح المخرج هيروكازو كوريدا حديثه بتقديم الشكر والامتنان للصحافة والحضور الغفير، معربًا عن تأثره البالغ بهذا الاستقبال. وأوضح كوريدا أنه بالرغم من عدم كونه متخصصًا أو خبيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أنه تابع باهتمام النقاشات والجدالات الدائرة حوله. وأكّد أن دافعه الأساسي من وراء كتابة هذه القصة وصناعة الفيلم هو حث المشاهدين على التساؤل المستمر حول ما يشكّل جوهر إنسانيتنا في ظل التقدم التكنولوجي المتسارع.

وردًا على ملحوظة نقدية أشارت إلى غياب مظاهر الحنان والمحبة الملموسة بين الزوجين، والتركيز بدلاً من ذلك على إبراز الزواج كمؤسسة مقارنة بعلاقة الأم بالروبوت أو الأب بالابن، أكّد كوريدا أن وصف العلاقة الحميمة يختلف من مخرج وكاتب لآخر. وأوضح أن جمود مشاعر الزوجين نابع من كون الزمن قد توقف بهما تمامًا لمدة عامين بعد الفقد.

هيروكازو كوريدا
Sheep in The Box

وأضاف المخرج الياباني أن اللحظة التي ينظر فيها الزوج لصور زوجته القديمة المبتسمة، تبرر تقبّله لفكره استدعاء هذا الكائن الاصطناعي، مدفوعًا برغبته في رؤية ابتسامتها مجددًا. وأشار إلى أن قدوم هذا الطفل يمثّل محفزًا خارجيًا يكسر جمود الوقت ويجعلهما مستعدين للعودة لبعضهما مجددًا.

عند سؤاله عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكّل تهديدًا أو خطرًا على مهنة التمثيل، فضّل الممثل دايجو ياماموتو عدم تقديم إجابة قاطعة، معربًا عن فضوله لطرح السؤال على الذكاء الاصطناعي نفسه ليرى كيف سيعرّف شخصية «دايغو»؛ هل سيعتبره ممثلًا أم كوميديًا أم شيئًا آخر.

وأكّد ياماموتو أن وجود الذكاء الاصطناعي له تأثير عملي كبير على حيواتنا، لكنه شدد على أن جوهر الإنسانية يكمن في القدرة على طرح عدد لا حصر له من الأسئلة، وفي حقيقة «أن يعذبنا الشك». وأعرب عن أمله في ألا يختفي هذا التساؤل الإنساني الأصيل أبدًا، مقتبسًا مشهدًا من الفيلم تظهر فيه الأم وهي تراقب ابنها يصنع نماذج بيديه وتؤكد له أن أثمن ما في الحياة هو طرح الأسئلة.

هاروكا أياسي
هاروكا أياسي

وفي ردها على هذا الطرح وعن تجربتها داخل هذا العالم الغريب والحميم، أوضحت الممثلة هاروكا أياسي أنها أجرت بحثًا معمقًا حول محاولات التكنولوجيا لمساعدة البشر في تجاوز الفقد. وأكدت أنه بمجرد اختفاء الإنسان الآلي، فإن ما يتبقى هو الآثار الملموسة للوجود، معتبرة أن هذه الآثار الملموسة وذكريات الأحبة الراحلين هي ما يميّز تجربة الحزن والفقد الإنساني. وأشارت إلى أن الزوجين اختارا العودة لحياتهما اليومية بدلًا من البقاء في الغابة، مما فتح أمامهما آفاقًا جديدة لتجاوز الحزن.

وحول دورها، أشارت أياسي إلى أنها جسدت شخصية أم فقدت ابنها وتوقف بها الزمن، مما جعلها غير منسجمة مع مشاعرها أو مشاعر زوجها لفترة من الوقت. وأوضحت أن ظهور هذا الكائن الآلي مكّن الزوجين من إعادة بناء الرابطة بينهما، ومنحهما الفرصة للتعامل مع المشاعر المتناقضة والمكبوتة والتطلع للمستقبل، مما ساهم في تجاوز جمود التفكير وفتح منظور جديد. واختتمت بأن هذا الكائن يدفع بطلة العمل لطرح شتى أنواع الأسئلة، ورغم التوتر مع العالم الخارجي، فإنه يمنحها فرصة للاستمرار في الحياة، لافتة إلى أن الذكاء الاصطناعي والفيلم نفسه قد يمكّنان البشر من التساؤل حول طبيعة علاقتهم بالعالم.

وحول اختيار شخصية الأم لتكون مهندسة معمارية تمتلك تقديرًا فائقًا للطبيعة وتناقضًا مع عجز الذكاء الاصطناعي؛ كشف كوريدا أن هذا القرار جاء مدفوعًا برغبته في تصوير الإبداع والذكاء الكامنين في الأشجار والغابات، مستشهدًا بكتاب قرأه حول إمكانية وجود قنوات تواصل بين الأشجار. وعبّر عن إعجابه بالمقارنة والترابط بين حياة البشر وآليات تواصلهم، وبين الطريقة التي تتواصل بها الأشجار بروابط مقدسة، رابطاً ذلك بالشعور الإنساني عند رحيل الأبناء عن منازلهم، وهو ما جعل مهنة الهندسة المعمارية جسرًا مثالياً للأم للارتباط بالغابة.

وفيما يتعلق ببناء شخصية الروبوت الطفل وصفاته، أشار المخرج إلى أنه رصد بالفعل مشاريع لرواد أعمال في الصين يعملون على الذكاء الاصطناعي لإحياء الموتى رقميًا عبر الأرشيف والمحادثات. وأثار كوريدا علامة استفهام أخلاقية حول مدى حق الأحياء في التلاعب بذكريات الراحلين، مبينًا أنه جعل هذا الأمر محورًا رئيسيًا للعمل؛ حيث أراد للصبي الصغير أن يتحرر من قيود برمجته، ورغم تزويده بالمعلومات، إلا أنه يُظهر معرفة تفوق المتوقع، تمامًا كالأطفال الحقيقيين الذين يتجاوزون في تربيتهم مجرد برمجيات الذكاء الاصطناعي.

ريمو كواكي
ريمو كواكي

وفي مداخلة خاصة بالطفل ريمو كواكي حول طبيعة أدائه وتعاونه مع المخرج هيروكازو كوريدا، وعما إذا كان قد تلقى توجيهات محددة للسير بطريقة معينة أو أداء الحوار بأسلوب مبرمج؛ كشف كواكي أن المخرج لم يمنحه أي تعليمات محددة أو صارمة، ولم يطلب منه التحدث بطريقة معينة، بل كان توجيهه الدائم له هو: «كن أنت.. كن على طبيعتك»، مؤكدًا أن تجربة العمل معه لم تشهد الكثير من التوجيهات الجافة بل اعتمدت على العفوية.

شارك هذا المنشور

أضف تعليق