كانت الأفلام المتوسطة الميزانية تمثّل العمود الفقري لهوليوود في العقود الماضية، لكنها شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا أمام التحوّل الكبير نحو الإنتاجات الضخمة وسلاسل الأفلام الشهيرة.
وليس ثمة تعريف ثابت لهذا النوع من الأفلام، إلا أنها، بشكل عام، تشغل الحيّز بين الأفلام المستقلّة أو ذات الطابع الفني التجريبي، وبين أفلام الميزانيات الضخمة. ويُقدّر البعض أن ميزانيتها غالبًا ما تتراوح بين 5 ملايين دولار و75 مليون دولار. ومن أبرز خصائصها أنها تستهدف جمهور البالغين، ولا تقتصر على تصنيف واحد، فقد تكون كوميدية، أو درامية، أو إثارة، أو جريمة، وتكون عناصر جاذبيتها القصة والأداء التمثيلي، وبذلك لا تحتاج إلى كثير من المؤثرات البصرية الخاصة.

وفي تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، كانت هذه الأفلام تحظى بحضور قوي في دُور السينما، كما كانت تحصد جوائز وترشيحات في أهم مهرجانات هوليوود، حيث كانت أفلام مثل «شاوشانك ريدمبشن»، و«جيري ماغواير»، و«إيرين بروكوفيتش»، و«ذا بلايند سايد» قد حققت المعادلة الصعبة بين النجاح التجاري والنقدي. ولعلّ المُشاهد العربي يذكر أنها كانت تستحوذ على جداول عرض القنوات الفضائية المخصَّصة للأفلام، كما كانت تحقّق أرباحًا كبيرة في المشاهدة المنزلية على أشرطة الفيديو، ولاحقًا أقراص الـDVD.
إلا أنها، في النهاية، تأثّرت بالتحدّيات الكبيرة التي واجهت السينما بشكل عام في العقد الماضي، من انتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومنصات المشاهدة، وحتى جائحة كوفيد-19. فلم تعد تحتلّ الصدارة في شباك التذاكر، وأصبح المُشاهد الذي يميل إلى هذه الأفلام مضطرًا إلى أن ينتظر الأفلام المستقلّة، أو موسم الجوائز، أو أن يجد بعضها على منصات المشاهدة، حيث تُدفن عادةً دون أي جهد في الترويج.

وقد أبدى عدد من العاملين في الصناعة السينمائية استياءهم من هذا الوضع، ومن أبرزهم المخرج الحائز على جائزة «الأوسكار» ستيفن سودربرغ، الذي عبَّر عن خيبته من الأداء المتواضع لفيلمه «بلاك باج» في شباك التذاكر العام الماضي، رغم المراجعات الإيجابية. وذكر لصحيفة «الإندبندنت» أنّ هذا النوع من الأفلام هو الذي بنى عليه مسيرته، وأنه إذا لم يعد هناك مكان للأفلام المتوسطة الميزانية التي يتصدّرها نجوم مشهورون، فهذا لا يبشّر بالخير للسينما. وسبق لروجر ديكنز، الذي يُعدّ من أشهر مديري التصوير في العالم، أن أعرب عن أسفه لهذا الوضع، فقد صرَّح لموقع «إندي واير»، عقب فشل فيلم «غولدن فينش»، بأنه عالم مختلف، حيث يوجد عدد قليل من الأفلام المتوسطة الميزانية، وأنه، لحُسن الحظ، لا تزال هناك مجموعة من الأفلام منخفضة الميزانية تتيح للجمهور تجربة شيء مختلف، في مقابل أفلام الأكشن وأفلام الأبطال الخارقين ذات الميزانيات الضخمة، لكن ليس ثمة كثير من الأفلام مثل «غولدن فينش».

لكنّ هذا العام حَمَلَ بادرة أمل، بعدما حقّق الفيلم الكوميدي «ذا دراما» أرباحًا عالمية تُقدّر بـ132 مليون دولار، فاقت ميزانيته التي بلغت 28 مليون دولار. وحاليًا، يستمر فيلم «ذا إنفايت» في تحقيق أرباح تجاوزت 40 مليون دولار عالميًا. وإن كانت شركة «أي 24» تُصنَّف شركة إنتاج مستقلّة، فإن المطّلعين يأملون أن يؤدّي هذا النجاح إلى إنعاش هذا النوع من الأفلام، وإعطائه الاهتمام الذي يستحقه، بما أن الجمهور لا يزال متعطّشًا لها.