عام 1966، صنع الأميركي نورمان جويسون فيلمًا كوميديًا حمل اسم «الروس قادمون… الروس قادمون». تدور القصة الساخرة حول غواصة روسية أراد قائدها أن يدور حول الساحل الأميركي، فتعطَّلت الغواصة بجانب جزيرة أميركية صغيرة يسكنها مائتا شخص. وبدلًا من أن يحرج نفسه بطلب المساعدة من الأميركيين عبر الراديو، قرَّر أن يقوم بفعل غبي، فأرسل 7 رجال مسلّحين ليبحثوا عن محرّك كهربائي داخل الجزيرة. يُكشف أمر الرجال بالطبع، وتنتشر الأنباء عن مسلحين روس في أميركا، ثم تزداد الإشاعات خيالًا عن أنّ الروس قادمون من الجوّ والبحر والبرّ.
ما يحدث عقب ذلك يليق بنهاية فيلم كوميدي في الستينيات، لكن المهم: ماذا لو لم يأتِ الروس؟

لماذا نتحدَّث عن فيلم من ستينات القرن الماضي في مستهلّ حديثنا عن أحدث أفلام المخرج الأميركي جيمس غراي، «نمر من ورق – Paper Tiger»، من بطولة آدم درايفر، وسكارليت جوهانسون، ومايلز تيلر، والذي ينافس ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «كانّ» في دورته التاسعة والسبعين؟ وماذا يبقى من الحكاية لو لم يأتِ الروس؟
الأخ الأكبر
تدور قصة الفيلم حول أخوين أميركيين في ثمانينات القرن الماضي، في أحد ضواحي نيويورك. الأصغر مهندس متزوّج ولديه ولدان، من الطبقة المتوسطة، وتبدو أسرته عمومًا أسرةً أميركيةً تقليديةً. أما الأكبر، فهو رجل شرطة سابق يعيش وحيدًا بعد انفصال زوجته عنه. يملك الأخوان طموحات لتحقيق الحلم الأميركي: المال والسعادة. لكنّ الحلم يصطدم بكابوس.

يقرّر جيمس غراي أن يقدّم الأخ الأكبر لنا في مشهد افتتاحي، نتابعه فيه وهو يجلس في سيارته المرسيدس الفارهة خارج منزل أخيه الأصغر. يفاجئه وأسرته بزيارة متأخرة ليلًا، لكن الجميع يبتهج برؤيته، قبل أن يُفاجئهم بأنه أحضر سيارة شحن تنقل وجبة عشاء كبيرة من أحد المطاعم الشهيرة إليهم. يدخل العشاء محمولًا في أوانٍ كبيرة على أيدي عمال المطعم أنفسهم، الذين يسألون زوجة الأخ الأصغر: «هل لديكِ فرن؟».
الأخ الأكبر في عالم السوفييت يأتي كناية عن عين تراقب وتتجسَّس، عين إلهية في غضبها. لكن الأخ الأكبر هنا، في حكاية جيمس غراي الأميركية، والذي يقدم من خلاله آدم درايفر أحد أفضل أدواره في السنوات الأخيرة، هو عكس ذلك. رجل يحظى بالاحترام والمهابة، لكن الأهم بمحبة أخيه. رجل صاحب كاريزما، يُجيد الحديث، وكذلك الضحك. وهذا ما يقرّبه بشكل خاص من أبناء أخيه، الذين يجدون فيه العم الرائع الذي يرتدي بذلة سوداء، ويقود المرسيدس، ويملك كثيرًا من المال، ويحمل دائمًا مسدسًا مثبتًا عادة أسفل ساقه.

على جانب آخر، يملك الأخ الأكبر حكاية أخرى. فهو يعاني من الوحدة، ويملك طموحات مالية وأحلامًا تجمعه بأخيه، والفرصة تأتي من خلال شركة استشارات يريد تأسيسها لتقديم خدماتها في مجال الأمن البيئي، ويظنّ أنّ الفرصة مواتية لتقديم خدمات هذه الشركة لشركة تعمل في مساحة رمادية في صناعة النفط.
كل هذا جميل، لكن كيف تصبح الأحلام صعبة إذًا؟ وبالتالي تصبح الحكاية جديرة بالمشاهدة؟
متعة الفراشات
عنصر الجودة الأهم في فيلم جيمس غراي أنه مليء بالأحداث، ويستغل زمنه بشكل ممتاز سينمائيًا. كلّ مشهد يدفع الحبكة إلى الأمام، منذ البداية مع تقديم شخصيات الحكاية، وصولًا إلى تعرفهم على شركة النفط، ثم أثر الفراشة لفعل واحد يمكن وصفه بالغباء، يترتّب عليه كابوس ينهار بسببه عالم الأخوين.

زوج يرفض أن يستمع إلى نصيحة زوجته بأن يكمل عشائه، ويصرّ على أن يخرج برفقة أولاده في وقت متأخر. تكرّر الزوجة أن الأولاد لديهم مدرسة في اليوم التالي مبكرًا ويجب أن يناموا، ويردّ الزوج من دون اهتمام بأنّ الأولاد ليسوا صغارًا. هذا أمر ربما يحدث يوميًا في كلّ مكان في العالم، لكن عندما يحدث هنا تترتَّب عليه مصائب تلو مصائب.
ماذا لو لم يأتِ الروس؟
كلّ ما تحدّثنا عنه لا يتضمَّن أي إشارة إلى أنّ شركة النفط مملوكة لعائلة إجرامية روسية. نحاول أن نجرّد الفيلم من هذه التفصيلة، لأنّ وجودها لا داعي له سوى صور سينمائية أميركية مستهلكة، وهي ما يشتت الفيلم عن نقطة تميزه.
حكاية «نمر من ورق» تحمل في داخلها معالجة حسّاسة لعلاقة أخوين يحبّ كل منهما الآخر بطريقته. معالجة يمكننا من خلالها تأمُّل صور مختلفة للذكورة، بين ذكورة أخ أكبر يشعر بذاته من خلال ظهوره بشكل شبه مسرحي، وكذلك من خلال إظهار القوة والرعاية، ويعوض بذلك فشل زواجه ووحدته، وذكورة أخ أصغر متحقّق على أنه زوج وأب، ويملك عملًا حقيقيًا، لكنه يشعر بعدم الأمان وبحاجته إلى أن يظهر أكثر مما هو عليه، فقط ليصبح رائعًا في عيون أبنائه مثل أخيه الأكبر.

كل ذلك مع وجود نموذج نسائي مثير للاهتمام، الزوجة التي تؤدّي من خلالها سكارليت جوهانسون دورًا خارج إطار ما نراه منها عادة؛ سيدة قوية وأم مُحِبّة تدير الحياة، لكنها تشعر بأنّ كل هؤلاء الرجال أضعف من أن يساعدوها حين تحتاج إلى ذلك، فتخفي عنهم سرَّ الخطر الأكبر الذي يهدّد هذه العائلة، وتقرّر التعامل معه وحدها. ودعني أخبرك أنه ليس الروس.
يحضر الروس في الفيلم على هيئة استدعاء ثقافي وسياسي جاهز عن أشرار مضمون شرّهم، يظهرون مثل أشرار من قصص الكوميكس، بملامح وحركات تفيض شرًا، وليسوا بشرًا. الروس هنا مجرّد محفز لتطوّر كل شخصية في طريقها، وهذا أمر حتمي، لكن ربما لو لم يأتِ الروس لانتهت تلك الحكاية بالشكل نفسه.
اقرأ أيضا: مستعمرة ليون سانغ ـ هو: الزومبي كاستعارة عن مخاطر الذكاء الاصطناعي