فاصلة

مراجعات

مستعمرة ليون سانغ ـ هو: الزومبي كاستعارة عن مخاطر الذكاء الاصطناعي

Reading Time: 3 minutes

دأب مهرجان كان السينمائي، وفق تقليد سينفيلي جميلي، على برمجة أفلام غالبا ما تنتمي لسينما النوع، في إطار «عروض منتصف الليل» فأضحت من أكثر المواعيد المنتظرة من قبل المهرجانيين. بفضل أفلام أحدثت ضجة كبيرة وغدت من كلاسيكيات السينما مثل «ترينسبوتينغ – Trainspotting» أو «مرثية حلم –Requiem for a Dream» رسخ هذا القسم مكانة خاصة له، كموعد لعرض تجارب قوية وصادمة، من أفلام الزومبي إلى أعمال مغرقة في اللااعتيادية.

في دورة هذا العام بُرمج «مستعمرة – Colony» للمخرج الكوري يون سانغ ـ هو الذي اتخذ من فيلم الزومبي تخصصًا منذ النجاح النقدي والجماهيري الكبير لرائعته «قطار بوسان» التي عرضت بدورها في قسم «عروض منتصف الليل» في 2016 ولعب دورًا حاسمًا في خلق نوع فرعي جديد يسمى K-zombie أو الزومبي الكوري.

Colony (2026)
Colony (2026)

يدور «مستعمرة» حول سي-جونغ (جيانا جون)، أستاذة في مجال التكنولوجيا الحيوية تحضر مؤتمرًا في مجال تخصصها، لكنها تشهد صراعًا بين مدير المختبر والأخصائي سو يونغ-تشول الذي ينشر فيروسًا في المبنى بعد أن يحقن نفسه بمضاده. يتحول المشهد إلى كارثة عندما ينطلق الفيروس المتحور سريعًا ويتحول المصابون به إلى زومبي زاحف، فتقوم السلطات بإغلاق المرفق بالكامل، ويُحاصر الناجون ليواجهوا تحدي البقاء على قيد الحياة والقبض عن سو يونغ-تشول حيًا لأنه أمل المصابين الوحيد في الحياة. 

أولى ضربات المعلم في «مستعمرة» أن المخرج ـ كاتب السيناريو يبتكر تنويعة جديدة من فيلم الزومبي ترتكز على تصور مجموعة الزومبي كمستعمرة مستوحاة من نمط عيش مجتمعات النمل في مجموعات تتواصل وتتبادل المعلومات عبر الفيرومونات واللمس، وهو نفسه نظام اشتغال الفيروس الذي طوره العالم المضطرب نفسيًا سو يونغ-تشول، سعيًا إلى دفع البشرية إلى مرحلة تطورية جديدة.

Colony (2026)
Colony (2026)

عكس مفاتيح النوع الاعتيادية التي تنص على أن الزومبي كائن يهيم بلا روح، لا عقل ولا إحساس له، مدفوعًا فقط بغريزة العض، فإن زومبي المستعمرة يطور مهارات جديدة عبر اقتسام المعلومات بين أعضاء المجموعة. هكذا، بعد أن بدأوا بالزحف على أربع، يقفون فجأة منتصبين ليمشوا على قدمين، ثم يتعلمون كيف يتعرفون على البشر الحقيقي وتفريقه عن صورته على المجسمات والشاشات. كيف لا نرى في مشهد بديع لمجموعة زومبي منجذبة للوحة إشهارية إلكترونية تحية لمعلم النوع جورج روميرو وبالأخص عمله «فجر الموتى – Dawn of the Dead» (1978) الذي يدور في مول تجاري وينتقد النزعة الاستهلاكية عماد الثقافة الرأسمالية؟

لطالما اتخذ المخرجون الزومبي كاستعارة لانتقاد معتقدات وأنساق متفسخة في نسيج مجتمعاتهم الأصلية واستكشاف مخاوف واختلالات عصرهم، على غرار نزعة خوض الحروب والعنف ضد الأقليات المطالبة بالحقوق المدنية. ولعل الطريقة التي يتطور بها الزومبي في «مستعمرة» من خلال التحرك في مجموعات وتحديث معرفتهم الجماعية، إلى جانب سلسلة العدوى التي لا يمكن وقفها، تذكرنا بمجتمعاتنا المعاصرة، حيث يتم تبادل المعلومات بشكل آني عبر الأجهزة الذكية وبالأخص بطريقة اشتغال برامج الذكاء الاصطناعي عبر تزويد ذاكرتها بمعلومات تستقيها وتعالجها ثم تخزنها لتوظفها من  جديد سعيا لفعالية أكبر وانتشار أوسع.

Colony (2026)
Colony (2026)

ولعل شخصية يونغ-تشول تحاكي رموز الفيودالية الحديثة أو التكنوفيودالية وبحثهم عن نفوذ أكبر عبر اقتناء وتطوير وسائل تبادل معلومات أكثر جاذبية وتوجيهها لخدمة أهدافهم وأجنداتهم، تمامًا كما يسخر عالم البيولوجيا الزومبي لخدمته. وكأن طرح الفيلم يحذر من أن تتحول الأنظمة التي تتطور، وتنمو، وتفكر من خلال الوعي الجماعي وتلقي تحديثات من المركز من وسائل لتسهيل التواصل إلى وابل على البشر قد يقود إلى انتفاء الشخصانية وفقدان الحس النقدي.

تتعقد مهمة الناجين في «مستعمرة» لأنهم غير قادرين على التنبؤ بسلوك أو أنماط هجوم الزومبي المتطور ما يخلق لعبة من الفعل وردة الفعل بين الجانبين يبرع المخرج في جذب خيوطها بفضل حس التشويق وبراعته في الحكي البصري التي يدين بها إلى تكوينه وبداياته كمخرج لسينما التحريك. كالعادة في أغلب سيناريوهات سانغ هو، تمثل الشخصيات ميكروكوسم للمجتمع الكوري : أب وابنته، زوجان، أخ وأخت، طالبات إعدادي، وموظف حكومي/رجل أعمال أناني. هذه نماذج تمكنه من طرق قضايا مفصلية للمجتمع الكوري وثقافته مثل الطبقية وظاهرة الإجهاد المفرط في العمل. لكن السؤال الكوني العميق الذي تطرحه كل أعمال الزومبي يظل: «ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟». 

اقرأ أيضا: «المباراة»… فيلم يُشرّح أسطورة مارادونا وموقعة القرن

شارك هذا المنشور

أضف تعليق