فاصلة

حوارات

محمد طاهر: كنتُ أخاف الإخراج… حتى جاء «مشاكل داخلية 32B»

Reading Time: 7 minutes

بعد رحلة طويلة مساعدًا للمخرج إلى جانب أسماء بارزة في السينما والدراما المصرية، مثل محمد دياب، وعمرو سلامة، وكريم الشناوي، يخوض محمد طاهر تجربته الإخراجية الأولى بفيلم «مشاكل داخلية 32B»، الذي حقَّق حضورًا لافتًا في المهرجانات الدولية، بعدما حصد «التانيت الذهبي» في «مهرجان قرطاج»، وجائزة أفضل فيلم روائي قصير في «مهرجان تريبيكا»، قبل أن يُعرض ضمن الدورة السابعة من «مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أول فيلم».

في هذا الحوار الخاص مع «فاصلة»، يتحدَّث طاهر عن تأخره في خوض تجربة الإخراج، وتأثير المخرجين الذين عمل معهم، وكواليس صناعة الفيلم، ورؤيته للرقابة، ومشاريعه المقبلة.

«مشاكل داخلية 32B»
«مشاكل داخلية 32B»

رغم سنوات عملك مساعدًا للمخرج إلى جانب عدد من أبرز المخرجين، يرى البعض أنك تأخّرت في خوض تجربة الإخراج. ما تعليقكَ؟

لا أشعر بذلك، لكنني كنت أخشى اتخاذ خطوة أكون فيها مسؤولًا عن عمل كامل، لأنني كنتُ دائمًا أبحث، بشكل ما، عن الكمال، ولذلك كنتُ أتراجع خطوة إلى الوراء. ثم بدأت أتخلّى عن تلك الفكرة، وأدركتُ أنه لا ينبغي التمسّك بهذه النظرة المثالية، لأن الأسوأ من النقص هو ألّا تخطو الخطوة من الأساس.

عملتُ مساعدًا للمخرج وهي منطقة آمنة، لا سيما أنني كنت أعمل في المجال الذي أحبّه ومع مخرجين أحبهم. لكنني قرّرت أخيرًا أن أخوض هذه التجربة.

قبل عشر سنوات، عندما تركتُ عملي الأصلي في مجال التمويل والعلوم المالية، واتّجهت إلى الإخراج، لم يكن هدفي أن أصبح مساعدًا للمخرج فقط، وإنما أن أصنع أعمالًا أحبّها وأعبّر من خلالها عن نفسي وأفكاري، وأقدّم القصص التي أؤمن بها. لذلك اتّخذت خطوة الإخراج، لأنني لم أترك عملي لأصبح مساعدًا للمخرج فحسب.

اشتباك (2016)
اشتباك (2016)

عملت مع عدد من أبرز المخرجين… ماذا تعلّمتَ من كلّ تجربة؟

عملتُ مع مخرجين كبار وهم أيضًا أصدقاء أعزاء. عملت مع محمد دياب في فيلم «اشتباك»، وأكثر ما تعلّمته منه اهتمامه بالسيناريو والقصة، بغضّ النظر عن الجانب التقني. فعندما يخبره مدير التصوير، مثلًا، أنه يريد وضع الكاميرا بطريقة معينة، قد لا يكون على دراية كاملة بالمصطلح التقني، لكنه يعرف بدقة ما الذي يريد إظهاره على الشاشة.

أما كريم الشناوي، فعملت معه كثيرًا، وهو صديق عمري ورفيق رحلتي المهنية. بدأت معه، وتعلّمت منه الكثير في الإخراج وطريقة تعامله مع الممثلين، وغير ذلك. كما تعلّمت منه جانبًا إنسانيًا كبيرًا في تعامله مع فريق العمل، لا سيما وسط الضغط الكبير الذي نواجهه في ظروف التصوير القاسية، وفي مسلسلات رمضان تحديدًا. فهو يحرص دائمًا على أن يضع نفسه مكان كلّ فرد في الفريق ليخفف الضغط، ومع ذلك يلتزم بمواعيد التسليم، ويحافظ على مستوى عالٍ من الجودة، وهو أمر لم أره مع آخرين في مصر.

شاركتُ كريم في أعمال كثيرة، من موقعي مساعدَ مخرجٍ ومنتجًا منفذًا، وفي مَهمّات أخرى أيضًا. وكان يمنحني مساحة كبيرة للحركة، وهو ما أضاف إليّ خبرات واسعة، وفي الوقت نفسه لم أكن أشعر بضغط أن العمل سيُحسَب باسمي.

أما عمرو سلامة، فهو مخرج يصنع أفكارًا مدهشة، ويغامر دائمًا بطرح أفكار غير تقليدية. فمنذ شبابه، كانت لديه القدرة على إقناع المنتجين بخوض هذه المغامرات وصناعة أفلام بأفكار كبيرة. وعلى المستوى الشخصي، كان مصدر إلهام بالنسبة إليّ، لأنه لم يدرس السينما، ومع ذلك نجح في الإخراج وقدَّم أعمالًا ناجحة.

وعلمتُ مع أمير الشناوي مساعدَي مخرج في «اشتباك»، ثم قدّم أول أفلامه الوثائقية «كيلو 64»، وكنت أنا مصوّره ومُنتجه. هو أيضًا صديق رحلة، ويجمعنا تأسيس شركة لصناعة الأفلام الوثائقية، كما أنه شديد الدقة في عمله.

«مشاكل داخلية 32B»
«مشاكل داخلية 32B»

هل كنتَ قد حسمت قرار الإخراج قبل أن يرسل إليك هيثم دبور سيناريو «مشاكل داخلية 32B»؟

كنت أعمل مع كريم الشناوي في مسلسل «الهرشة السابعة»، وعندما وصلني السيناريو شعرتُ أننا تأخرنا كثيرًا في اتخاذ هذه الخطوة، لذلك قرّرتُ خوض التجربة.

عُرضت عليَّ فرص كثيرة ولم أشعر أنها تمثّل المساحة التي أستطيع أن أقدّم فيها أفضل ما لدي. فمثلًا، لا أستطيع خوض تجربة المسلسلات الشعبية، لأنها ليست منطقة أفهمها أو أشعر بارتباط بها. وكذلك الأعمال الكوميدية المرتكزة فقط على الإفيهات، فلم أشعر أنني سأنجح فيها. وكانت هناك أيضًا مشروعات أعجبتني، لكنها لم تكتمل.

ماذا جذبك في سيناريو «مشاكل داخلية 32B» منذ قراءتك الأولى؟

جذبني أنه شديد الواقعية، أو كما أحبّ أن أقول: «حقيقي». لم أكن أبًا حينها، لكنني رأيت هذه الشخصية في آباء أعرفهم جيدًا، وتعاملتُ معهم في حياتي، وكذلك باقي الشخصيات.

وبعد عرض الفيلم، تحدّثتُ إلى آباء ربّوا أبناءهم بمفردهم، وإلى بنات تربّين مع آباء من دون أمهات، وجميعهم قالوا إنه لمسهم كثيرًا وشعروا بأنه حقيقي.

الفيلم يناقش موضوعًا شديد الحساسية في مجتمعاتنا، وهو علاقة الأب بابنته في مرحلة البلوغ. كيف تعاملتَ مع هذه المنطقة؟

موضوعات الفيلم حسّاسة ومن الصعب الاقتراب منها، مثل مواجهة الأب لمرحلة بلوغ ابنته وسط غياب الأم. لكن الأمر لا يقتصر على مجتمعاتنا العربية، فقد لمستُ ذلك أيضًا في أفلام أجنبية. مهما بدا المجتمع منفتحًا، تظلُّ هناك موضوعات حساسة يصعب تناولها.

هل ترى أنّ غياب الحوار داخل الأسرة يجعل مثل هذه القضايا أشدّ تعقيدًا؟

في مجتمعاتنا العربية تربينا على الصمت. لم نعتد الحوار أو المصارحة بيننا وبين أهلنا، ولذلك نتعرَّف إلى هذه الأمور من مصادر ليست موثوقة، مثل الأصدقاء، أو الإنترنت، أو التجربة الشخصية، وهو ما قد يقود إلى نتائج كارثية.

أذكر في طفولتي أنه لدى مرور مشهد قبلة في فيلم، كان أحد أفراد الأسرة يطلب إغلاق التلفزيون أو تجاهُل المشهد. ومع الوقت، تترك مثل هذه المواقف حالة من الكبت داخل المجتمع.

«مشاكل داخلية 32B»
«مشاكل داخلية 32B»

الفيلم يمزج بين الكوميديا السوداء والدراما من دون الوقوع في التهريج. كيف حافظتم على التوازن؟

حافظنا على هذا الخيط الرفيع بقرار اتخذناه منذ البداية. اخترنا الكوميديا السوداء ليتلقّى الجمهور هذا الموضوع الحسّاس بصورة أبسط، بدلًا من زيادة تعقيده.

واتفقتُ مع هيثم دبور على عدم اللجوء إلى التهريج، وقد ساعدنا جميع الممثلين في ذلك. كانوا يشعرون بأنّ العمل يستحق الجهد، وتعاملوا معه بمسؤولية كبيرة.

بذلنا مجهودًا أكبر من المعتاد، رغم أنه فيلم قصير. أجرينا بروفات، وتحدّثنا كثيرًا عن الشخصيات وخلفياتها، وكان الخطّ الأساسي للفيلم جادًا وعفويًا، وليس كوميديًا.

«مشاكل داخلية 32B»
«مشاكل داخلية 32B»

تناولت السينما المصرية هذا النوع من القضايا في أفلام مثل «أسرار البنات»، لكن من زاوية درامية قاسية. هل اختلفت طريقة تناولها اليوم؟

الأمر يختلف من جيل إلى آخر. كان فيلم «أسرار البنات» صادمًا جدًا وقت عرضه، وأنا أيضًا عملتُ في مسلسل «لام شمسية»، وهو في النهاية عمل صادم.

الفكرة ليست في القضية نفسها، وإنما في طريقة تناولها وكيفية تقديمها للجمهور. فالأمر يتعلّق بالأسلوب والقرارات التي يتّخذها كل مخرج، ولا أعتقد أنّ هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة.

كيف نجحت في جَمْع هذا الفريق من الممثلين المعروفين في فيلم قصير؟

 أغلب أبطال الفيلم شاركوا فيه من أجل السيناريو، ووافقوا جميعًا على المشاركة من دون مقابل مادي، لأنهم أحبّوا الفكرة وآمنوا بها.

كما أنّ عملي سنوات طويلة مساعدًا للمخرج ساعدني على تكوين علاقات صداقة قوية معهم، لذلك لم أحتج إلى وقت أو مجهود كبير لإقناعهم.

كانت هنا شيحة رائعة. هي مَن رسمت ملامح الشخصية وطريقة كلامها. أخبرتني أنّ لديها مرجعًا للشخصية، وطلبتُ منها أن تريني إياه، فشاركتني مقطعًا على الإنترنت، واستخلصتُ منه الشخصية بالكامل بصورة مبهرة. شخصية يعود عمرها إلى أكثر من عشرين عامًا، ولا تزال حاضرة حتى اليوم.

أما جيسيكا حسام، فأعرفها وهي في الثامنة من عمرها، وكانت والدتها دائمًا سندًا لها. إنها فنانة موهوبة جدًا، وكان دعم والدتها لها خلال التصوير مهمًا.

أصبح «مشاكل داخلية 32B» أول فيلم مصري قصير يُشارك في «مهرجان تريبيكا»، بعد فوزه أيضًا بـ«التانيت الذهبي» في «مهرجان قرطاج». هل توقَّعتَ هذه الرحلة؟

 بعد انتهائنا من الفيلم، أرسلناه إلى أكثر من مهرجان عربي، لكنه لم يُقبَل في أيّ منها، وكان ذلك مُحبِطًا جدًا. ثم قُبِلَ في «مهرجان قرطاج» من حُسن حظنا.

كان استقبال الجمهور التونسي له مميزًا، وكان للمخرج أمير رمسيس دور في ترشيحه وإرساله إلى المهرجان. كما أخبرني كريم الشناوي أنّ جمهور «قرطاج» من أجمل الجماهير العربية، وكان مُحقًا.

أعاد هذا الاستقبال إلينا الثقة بالفيلم، وقلتُ لنفسي: طالما أحبَّه الجمهور، فلا بدَّ أنه فيلم جيد. لم أكن أنتظر أيّ جائزة، لكنّ الفوز بـ«التانيت الذهبي» شكَّل مفاجأة كبيرة وتعويضًا رائعًا لنا، كما فتح أمامنا أبوابًا جديدة.

أما الوصول إلى نيويورك والمشاركة في «مهرجان تريبيكا»، فكان حلمًا بالنسبة إليّ، لأنني عشتُ في المدينة مرحلةً من حياتي. كنت قد قدَّمتُ الفيلم إلى مهرجان آخر، ثم طلبتُ سحبه بعد قبوله في «تريبيكا». كانت مخاطرة كبيرة، لكنني قرّرتُ خوضها.

وبعد قبول الفيلم، اتّصل بي أحد مبرمجي المهرجان، وظلَّ يتحدَّث معي لأكثر من نصف ساعة، ليُخبرني كم أعجبهم. كما أشاد كثيرًا بأداء محمد ممدوح، وتحدَّث عن تفاصيل لم ينتبه إليها أحد في مصر.

وكان الفيلم من أوائل الأعمال التي اختارها المهرجان، وهو ما أسعدني كثيرًا. وفي العرض الأول، كانت القاعة ممتلئة بالجمهور، والمواقف نفسها التي ضحك عليها الجمهور التونسي، ضحك عليها الجمهور الغربي أيضًا.

توقعتُ أن يكون في القاعة عدد كبير من العرب، لكن لم يكن هناك سوى شخصين، وعندها شعرتُ أن الفيلم يحمل قصة إنسانية يمكن إسقاطها على أيّ مجتمع.

«مشاكل داخلية 32B»
«مشاكل داخلية 32B»

هل شاركتَ في كتابة «مشاكل داخلية 32B»؟

لم أكتب أيّ جزء من السيناريو. كنتُ فقط أناقش هيثم دبور في بعض التفاصيل، لكنني لم أشارك في الكتابة، لأن العلاقة بيننا قائمة على تفاهم كبير. أما في أعمال أخرى، فقد شاركت في ذلك، نعم.

أيهما أكثر تأثيرًا في صناعة السينما: الرقابة المؤسّسية أم الرقابة المجتمعية؟

 اعترضت الرقابة فقط على اسم «32B»، ولذلك اخترنا اسم «مشاكل داخلية» حتى يمرَّ الفيلم، ثم أضفنا إليه «32B» حفاظًا على الفكرة.

أعتقد أنّ الرقابة المؤسّسية غالبًا ما تنبع من الرقابة المجتمعية، لأنها تتوقّع ما قد يعترض عليه المجتمع. أما الرقابة المجتمعية نفسها، فمن الممكن أن تتقبّل الأفكار الجريئة إذا كان أسلوب تقديمها جيدًا، فالمهم هو كيف ينجح المخرج في إيصال فكرته.

أخيرًا، ما السينما الأقرب إليك؟ ومَن هم المخرجون الذين يشكلون مصدر إلهامكَ؟

أحبّ السينما الأميركية، وأعلم أنّ كثيرين قد لا يتّفقون معي في ذلك. كما أحبّ السينما الإيرانية والفرنسية. تستميلني السينما التي أستطيع أن أقدّمها، وأقصد بها المعادلة الأميركية التي تجمع بين الجودة الفنّية والمشاعر والقدرة على التواصل مع الجمهور.

أعشق ديفيد فينشر لأنه يصنع أفلام تشويق مليئة بالمشاعر. كما أعشق وودي آلن لأنه يقدّم كوميديا سوداء أحبّها كثيرًا.

اقرأ أيضا: السوسنة السوداء تتوج أبرز أفلام الدورة السابعة

شارك هذا المنشور

أضف تعليق