فاصلة

مقالات

20 درسًا لبافل بافليكوفسكي

Reading Time: 21 minutes

في هذا النصّ المطوّل، يعود المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، البالغ 68 عامًا، إلى مسيرته بأكملها، من طفولته في بولندا الشيوعية، وصدمة الهجرة إلى إنكلترا وألمانيا، مرورًا باكتشافه السينما ملاذًا ثم فنًا، وصولًا إلى تجربته في الأفلام الوثائقية، التي شكّلت مختبرًا لأسلوبه الروائي. ويُقدّم صاحب «إيدا» و«حرب باردة» و«أرض الأجداد»، الفائز بـ«أوسكار» وجائزتين في «مهرجان كانّ السينمائي»، رؤيته لعلاقة الذاكرة بالمنفى، والأسطورة بالتاريخ، والسياسة بالحكاية البصرية، كما يكشف فلسفته في الكتابة والإخراج، واختيار الممثلين، وبناء الصورة، والمونتاج، والاقتصاد السردي، مؤكدًا أنّ السينما فنّ اكتشاف ما يمكن الاستغناء عنه. وهذه شهادة نادرة لفنان يرى أنّ الفيلم يُكتشف تدريجيًا في أثناء إنجازه، وأنّ الصورة السينمائية، حين تبلغ أقصى درجات النقاء، تصبح أبلغ من أي كلام.

Fatherland
Fatherland (2026)

1 – «إنكلترا التي تخيّلتها من خلال الروك أند رول كانت تختلف جذريًا عن إنكلترا في الواقع»

«غادرتُ بولندا مهاجرًا إلى إنكلترا، ثم لاحقًا إلى ألمانيا. كنت في الرابعة عشرة من عمري، وكانت تجربة شدشدة الصعوبة؛ صدمة حقيقية هزّت كياني. خلال طفولتي في بولندا، حلمتُ بالسفر وبموسيقى الروك أند رول، كما يفعل كثير من المراهقين. لطالما كنتُ موسيقيًا، بطريقة أو بأخرى، والموسيقى تؤدّي دورًا بالغ الأهمية في أفلامي. عزفتُ البيانو كثيرًا، وفي مرحلة من المراحل أسّستُ فرقة. في وارسو، كنت مولعًا بثقافة الـ«مودز» وكلّ ما ارتبط بها. واقتنيتُ نسخًا مقرصنة من تسجيلات فرقة «سمول فايسز» و«ذا كينكس»، إلى جانب أعمال فرق أخرى كثيرة.

لذلك، عندما سمعتُ أننا قد نسافر إلى لندن لقضاء عطلة، غمرتني السعادة. واكتشفتُ لاحقًا أنها لم تكن مجرّد عطلة، بل إننا لن نعود إلى بولندا. تلقيتُ صدمة كبيرة، ولا سيما أنني لم أكن أتحدّث الإنكليزية، باستثناء ترديد كلمات الأغنيات التي أحبّها من دون أن أفهم معناها. فجأة، وجدتُ نفسي في إنكلترا، وقد أُرسلتُ إلى مدرسة داخلية، حيث كانوا يعاملونني كما لو أنني أحمق، بسبب جهلي باللغة الإنكليزية.

وكانت إنكلترا، حتى قبل خروجها من الاتحاد الأوروبي، أكثر «بريكستية» مما يمكن أن نتخيّل. لم تكن قد تصالحت بعد مع الثقافات الأخرى، ولا حتى مع ثقافة أوروبا نفسها. إنكلترا التي تخيّلتها من خلال الروك أند رول كانت شيئًا، أما إنكلترا في الواقع فكانت شيئًا مختلفًا تمامًا. وقد تركت هذه التجربة المؤلمة جرحًا عميقًا في داخلي.

ثم عشتُ صدمة أخرى، حين اكتشفتُ أن والدتي تزوّجت رجلًا إنكليزيًا، وهو أمر لم يخبرني به أحد. في تلك الأثناء، كان والدي الذي فرَّ من بولندا بعد الطلاق، قد استقرّ في ألمانيا. وبما أنني لم أستطع التأقلم مع الحياة في إنكلترا، أُرسلتُ للإقامة معه. وهكذا، توجب عليّ تعلّم الألمانية، وارتياد المدرسة، والتكيُّف من جديد مع بيئة مختلفة. عشتُ بدايات درامية بكلّ معنى الكلمة.

اليوم، حين أستعيدُ تلك السنوات، تبدو لي بولندا التي عشتُ فيها أول 14 عامًا من حياتي أشبه بفردوس مفقود، أو بمدينة فاضلة استقرّت في ذاكرتي. وأظنّ أنّ كثيرًا من أفلامي كانت، من دون أن أعي، محاولات لاستعادة ذلك العالم وبعثه إلى الحياة من جديد. ولفترة من الزمن، لم يكن في وسعي حتى العودة إلى بولندا، لأننا غادرناها بصورة غير قانونية. وفي النهاية، قلتُ لنفسي: إذا كان قدري أن أظلّ غريبًا طوال حياتي، فمن الأفضل أن أكون غريبًا في لندن. ولذلك عدتُ إليها لأعيش فيها وأتابع دراستي».

2 – «لم يخطر في بالي أنّ السينما شيء يصنعه بشر، بل إنها عالم قائم بذاته»

«حضرت السينما في حياتي منذ البداية. كانت الشاشة عالمًا آخر يمكن للمرء أن يهرب إليه. عندما كنتُ تلميذًا في وارسو، كثيرًا ما كنّا نتغيّب عن المدرسة ونذهب إلى السينما، لأنّ دُور العرض كانت تقدّم عروضًا طوال النهار. وكانت هذه العروض قد خُصّصت أساسًا للعمّال الذين يخرجون من العمل ليلًا. فالدولة الاشتراكية كانت تبرمج العروض ابتداءً من العاشرة صباحًا، ولذلك، إذا هربتَ من المدرسة، كان في إمكانك أن تمضي يومًا كاملًا في مشاهدة الأفلام.

في تلك المرحلة، لم يخطر في بالي أنّ السينما شيء يصنعه بشر. كنت أراها عالمًا قائمًا بذاته، موجودًا بصورة مستقلّة عن عالمنا. وأتذكر أنني كنتُ مهووسًا بفيلم «سقوط الإمبراطورية الرومانية»، أول فيلم أحببته حبًا حقيقيًا، وكانت بطلته صوفيا لورين. وكلما رأيتُ عنوانه في برامج العروض، تفحّصتُ الإعلانات لأعرف أي سينما في ضواحي وارسو تعرضه، فأقفز إلى الترامواي وأذهب لمشاهدته مرة جديدة.

A Hard Day's Night (1964)
A Hard Day’s Night (1964)

ثم اكتشفتُ لاحقًا أنّ هناك أفلامًا أهم. وكان «ليلة يوم شاق» حدثًا استثنائيًا بالنسبة إليّ، ولا سيما بسبب ولعي الكبير بالروك أند رول. وفي الواقع، كانت بولندا إحدى الدول القليلة في أوروبا الشرقية التي كانت تعرض أفلامًا غربية، أعني أفلام الغرب الأميركي حرفيًا، مثل «الرجل الذي قتل ليبرتي فالانس» لجون فورد.

في المقابل، لم تترك السينما البولندية نفسها أثرًا كبيرًا فيّ في تلك المرحلة. كنتُ أبحثُ عن عوالم أخرى كانت السينما قادرة على أن تضعها أمامي، فيما كانت السينما البولندية عاجزة عن ذلك. وتلقّينا أيضًا جرعات متواصلة من السينما الروسية، حتى إنني أُصبت لمدّة بما يُشبه الرهاب منها، إلى أن اكتشفتُ في مرحلة لاحقة أنها تضم روائع سينمائية. لذلك، لم يكن الأمر اكتشافًا للسينما بقدر ما كان هروبًا إليها».

3 – «يوم بدأتُ أفهم أنّ السينما ليست وسيلة للهروب إلى عالم آخر»

«خلال السبعينات، بدأتُ أدرك أن السينما فنّ حقيقي. كنت قد بدأتُ الدراسة، ومنشغلًا بالكتابة وممارسة التصوير الفوتوغرافي. واكتشفتُ السينما الأميركية المستقلّة، وكان «سائق التاكسي» لمارتن سكورسيزي تجربة مفصلية.

سائق التاكسي
Taxi Driver (1976)

كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها السينما فنًا يصنعه شخص بوعي كامل، فتتآلف الصورة والموسيقى والحكاية والأداء والوجه الإنساني لتشكّل كُلًا واحدًا. جمع الفيلم هذه العناصر ببراعة مذهلة، وحمل أيضًا تيارًا أدبيًا عميقًا، تتقاطع فيه أصداء «رسائل من أعماق الأرض» لدوستويفسكي مع الواقع الحضري الأميركي المعاصر، فتحوّلت المناظر الطبيعية إلى مناظر للروح. فجأةً، قلتُ لنفسي: يا إلهي، هذا هو الفن… الآن فهمت!

وفي المرحلة نفسها تقريبًا، اكتشفتُ أول فيلمين لترنس ماليك. ومرة أخرى، كان ذلك التزاوج الاستثنائي بين الصورة والموسيقى والشِّعر. ومع ذلك، لم أكن أتصوّر بعد أنّ إنجاز مثل هذه الأفلام أمر يمكن لإنسان أن يفعله، لكنني بدأتُ أفهم أنّ السينما ليست مجرّد وسيلة للهروب إلى عالم آخر.

ثم، في أوائل الثمانينات، عشتُ ما يشبه لحظة كشف. كنت أدرس اختصاصًا لا علاقة له بالسينما، عندما صادفتُ الأفلام الوثائقية البولندية المنتمية إلى ما عُرف باسم «السلسلة السوداء»، وهي تيار سينمائي انخرط فيه مخرجون مثل مارسيل ووزينسكي، وكشيشتوف كيشلوفسكي، وفويتشيخ فيشنيفسكي، وكان معظمها محظورًا.

وعام 1981، أُتيح عرضها أخيرًا، بعدما وصلت حركة «تضامن» إلى السلطة، فأُفرج عن الأفلام الممنوعة. هزّني ذلك الاكتشاف في الأعماق. لم تكن مجرد تقارير صحافية مصوّرة، وإنما نظرات خلّاقة إلى العالم، صُوّرت على شريط 35 ملم بعناية فائقة. بل إنّ بعض المشاهد كان مرتبًا أو معاداً بناؤه. ولم تكن تنتمي إلى الوثائقيات التجريبية أو التسجيلية الصرفة التي كانت سائدة في التقليد الأنغلوساكسوني، بل ولّدت لديّ رغبة عارمة في التعامل مع الواقع بطريقة إبداعية».

4 – «حاولتُ أن أتراجع خطوة إلى الوراء، وأنظر إلى ما يحدث من منظور أبعد عن اللحظة الآنية»

«في المرحلة نفسها تقريبًا، عملتُ على أطروحة دكتوراه، لكنها لم تكن تتقدّم إطلاقًا. لذلك التحقتُ بورشة محلّية للسينما، وتعلّمتُ كيفية استخدام كاميرا «سوبر 16»، وكانت آنذاك من طراز «بوليكس»، وهكذا انطلقتُ في تصوير أفلام صغيرة.

وأود أن أوضح أنها لم تكن أفلامًا وثائقية، وإنما أفلام شاعرية متكلّفة، حسنًا أنها اختفت اليوم. لكنها منحتني ذلك الجوع إلى السينما، كما زوّدتني بالحد الأدنى من المعرفة التقنية.

وعندما أدركتُ أنني لن أنهي الدكتوراه لأنها لن تقودني إلى ما أريده، تقدّمتُ بطلب للعمل في «هيئة الإذاعة البريطانية»، التي كانت آنذاك مؤسّسة رائعة، تعجّ بالطاقات وروح التجريب. وهناك حصلتُ على ما يُشبه برنامجًا تدريبيًا. ثم، وبمحض المصادفة، التقيتُ أحد المسؤولين عن تكليف المشاريع، وكان أكثرهم غرابة، واسمه نايجل وليامز. عرضتُ عليه بعض الأفكار لأفلام كنت أودّ إنجازها، ولسبب لا أستطيع الخوض فيه، بدا متحمّسًا لها جميعًا.

وفي اليوم التالي، كنت قد ربطتُ حزامًا لحفظ النقود حول خصري، واستقللتُ الطائرة إلى روسيا لإنجاز فيلم وثائقي عن الشاعر الروسي المدمن على الكحول فينيديكت ييروفييف، الذي كنتُ أعشقه. طبعًا، أنا أختصر القصة. ولا شك في أنّ الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا، لكنني أروي لكم النسخة التي تصلح للحكاية.

ما حاولتُ أن أفعله في أفلامي الوثائقية، ولم يكن ذلك قرارًا واعيًا بقدر ما كان حدسًا أدركه الآن بأثر رجعي، هو أن أسير عكس التيار، وأبتعد عن التناول الصحافي التقليدي لأي موضوع. ليس بهدف معارضته، لأنّ ذلك لا جدوى منه، وإنما بهدف تقديم الحالة نفسها وفق شروط مختلفة تمامًا، ومن زاوية نظر أخرى.

Serbian Epics (1992)
Serbian Epics (1992)

وهذا ما فعلته في «ملاحم صربية» عن حصار سراييفو. فقد استطعتُ إقناع القسم الأدبي في الـ«بي بي سي» بتمويل فيلم لا يكاد يمتُّ بصلة إلى الأدب، باستثناء أنه يتناول الشِّعر الملحمي الشفهي، وأنّ رادوفان كاراديتش، مجرم الحرب وزعيم صرب البوسنة والهرسك، يتحدَّر من عائلة اشتهرت بالشعراء الملحميين.

وخلال قراءتي لهذه الملاحم الصربية، التي تعود إلى العصور الوسطى واستمرّت حيّة حتى يومنا هذا، اكتشفتُ أهمية صناعة الأساطير: كيف تُولد، وكيف تُبنى الهوية الوطنية من خلالها. ثم اكتشفتُ أنه، حول سراييفو، في مواقع المدفعية الصربية، كان هناك عازفو آلة موسيقية شعبية تقليدية ينشدون الملاحم وهم يعزفون عليها، ويروون القصص نفسها عن معركة كوسوفو التي وقعت قبل ستمائة عام.

أدهشني أن أرى كيف يمكن لهذين المستويين من الواقع أن يندمجا في مستوى واحد. لذلك أنجزتُ فيلمًا عن صناعة الأسطورة، لكنه كان أيضًا عن شكل ذلك الواقع: مدينة أوروبية حديثة ومتعدّدة الأعراق تتعرَّض للحصار على يد أناس كانوا، جزئيًا، أفرادًا في الجيش اليوغوسلافي، أو في نسخة متنكرة منه، لكنهم كانوا يحملون أيضًا إرثًا قويًا من التقاليد الشعبية الريفية.

Serbian Epics (1992)
Serbian Epics (1992)

أنجزتُ «ملاحم صربية» من دون تعليق صوتي، كما هي الحال في معظم أفلامي لوثائقية، بل في جميعها. واعتمدتُ على الصورة والصوت، وبعض المونولوغات التي يؤدّيها المشاركون فيه. وقد تحوّل إلى وثيقة لم يفهمها أحد تقريبًا في ذلك الحين. اعتبره الناس عملًا شديد الغرابة، وكانوا يسألونني: «إلى أي طرف تنتمي؟ هل أنت مع هؤلاء أم مع أولئك؟».

وبالطبع، كانت المجازر تُرتكب هناك بالفعل، لكنني كنتُ أشعر بأنّ أخبارها كانت تملأ وسائل الإعلام باستمرار، وتُعرض بالطريقة نفسها مرة بعد أخرى، من دون أن تضيف جديدًا. أما أنا، فحاولتُ أن أتراجع خطوة إلى الوراء، وأنظر إلى ما يحدث من منظور أبعد عن اللحظة الآنية».

5 – «تعلّمتُ أن أفكّر بسرعة وأتّخذ قراراتي في اللحظة نفسها، وألا أنظر إلى الفيلم على أنه عمل أدبي فقط»

«تجربتي في الأفلام الوثائقية أثّرت في أفلامي الروائية، وأفادتني إلى أبعد حدّ، لأنها أولًا انتشلتني من أفلامي القصيرة المتكلّفة. اضطررتُ إلى أن أرفع عيني عن نفسي، وأبدأ بالنظر إلى العالم. فهذه الأفلام تعلّمك كيف ترى العالم بعين فوتوغرافية. فإذا صوّرتَ الشيء بهذه الطريقة سيعني أمرًا، أما إذا صوّرته بطريقة أخرى فسيروي قصة مختلفة تمامًا.

كما يُعلّمك المونتاج الإيحائي أو الحذفي ألا يكون المونتاج في خدمة الحكاية وحدها. بعض الناس يعملون بهذه الطريقة، أما أنا فكنتُ أحاول أن أخلق في تلك الوثائقيات شيئًا أكثر إيحاءً وشعرية.

وقد علّمني ذلك أيضًا أن أفكّر بسرعة، وأتخذ قراراتي في اللحظة نفسها، كما منعني من النظر إلى الفيلم على أنه عمل أدبي فقط، أو مجرّد ترجمة للكتابة الأدبية. فالفيلم كائن حيّ، يتجسّد من خلال الصورة والصوت والمونتاج.

بافل بافليكوفسكي
بافل بافليكوفسكي

أنجزتُ معظم أفلامي الوثائقية على مراحل. عادةً ما كنتُ أصوّر لمدّة عشرة أيام تقريبًا، أو بقدر ما تسمح به الموازنة. في ذلك الوقت، كنا نصوّر على شريط سينمائي، لذلك كانت جميع أفلامي مصوَّرة على 16 ملم. ثم أعود إلى غرفة المونتاج، وأبدأ العمل على المادة التي جمعتها. كان الأمر أشبه برسم أولي للفيلم. أنظر إليه وأقول لنفسي: «حسنًا، الآن عليّ أن أكتشف ما هو الفيلم الحقيقي».

ولم يكن السبب أنّ حدسي الأول تجاه المشروع كان خاطئًا، بل لأن المونتاج يجعلك تفهم تدريجيًا الشكل الذي ينبغي أن يتّخذه الفيلم. لذلك كنت أصوّر أفلامي الوثائقية على مرحلتين، وأحيانًا على ثلاث، وبين كلّ مرحلة وأخرى أترك وقتًا للمونتاج والتفكير والتخيّل.

ونقلتُ هذه الطريقة إلى أفلامي الروائية. أكتبُ شبه سيناريو يكون مجرّد وسيلة لتحقيق غاية، وهي في الأساس تأمين التمويل. وسيناريوهاتي عادةً مقتضبة جدًا. وإذا بلغ السيناريو 60 صفحة، فهذا يُعدّ ترفًا بالنسبة إليّ. أحاول دائمًا أن أشرح للمنتجين والمموّلين أنّ السيناريو ليس سوى إطار عام أو خريطة تقريبية. وأغلب الظن أنّ البداية والوسط والنهاية ستبقى كما هي، وكذلك المَشاهد الأساسية التي نعرف أنها ضرورية. لكن هناك كثيرًا من المشاهد التي لا تكون سوى مسودات أولية، أطوّرها في أثناء التصوير».

6 – «أحد أسباب حيوية أفلامي الوثائقية أنّ أوروبا الشرقية كانت قد انفتحت لتوّها»

«العالم الذي أنجزتُ فيه أفلامي الوثائقية، بين عامَي 1988 و1995، كان لا يزال عالم ما قبل الثورة الإعلامية. أما اليوم، فكلّ شيء يُصوَّر طوال الوقت، ومن كلّ زاوية ممكنة. لم يعد هناك ذلك الشعور المثير بأنك تلتقط شيئًا فريدًا حدث في تلك اللحظة وحدها، وأنك الشخص الوحيد الذي التقطه، أو الوحيد الذي اكتشف تلك الزاوية بالذات.

ولهذا، ومع الثورة الرقمية، ابتعدتُ تدريجيًا عن الفيلم الوثائقي. فالإعلام موجود في كلّ مكان الآن. وكان أحد الأسباب التي جعلت أفلامي الوثائقية زاخرة بالحياة بالنسبة إليّ أن أوروبا الشرقية كانت قد انفتحت لتوّها. كان ذلك بعد غورباتشوف، في حدود عامَي 1987 و1988، وفجأةً أصبحتُ قادرًا على العودة إلى بلدان لم يكن في إمكاني دخولها سابقًا. كما أتيحت لي الفرصة لأن أواجه بعض القضايا التي بقيت عالقة في داخلي.

Serbian Epics (1992)
Serbian Epics (1992)

حتى «ملاحم صربية» و«حصار سراييفو» كانا على نحو غير مباشر فيلمين عن بولندا، وعن صناعة الأساطير، وعن المعارك التاريخية الشهيرة. وكانا أيضًا عن الصراع بين الريف والمدينة، بين الحضارة الحضرية ونمط آخر من الحضارة ظلَّ حيًا بفضل المجتمعات الريفية وبفضل الشعراء.

أما في زمننا الحالي، فلا أعرف كيف يمكن أن أتعامل مع الفيلم الوثائقي. كلّ شيء انتقل إلى الفضاء الرقمي، وما يحدث في العالم بات يتجسَّد إلى حد بعيد داخل واقع رقمي أكثر من وجوده في الواقع المادي.

الأفلام الوثائقية التي تثير اهتمامي اليوم هي أفلام آدم كرتيس، لأنها تعتمد على مواد أرشيفية يُبنى منها خيط شِعري وفكري متماسك. لذلك، لا أظنّ أنني سأعود إلى الوثائقي. ثم إنّ هذا النوع من الأفلام شاق جدًا، فأنت تختفي شهورًا طويلة بعيدًا من كل شيء…».

7 – «ليس كلّ ما هو مكتوب في السيناريو يصلح للتصوير»

«كيف تجعل شيئًا ما يعني أكثر مما يبدو عليه؟ كيف تتجاوز الشيء لتصل به إلى معنى أعمق؟ حاولتُ أن أطبّق مبادئ مثل هذه في أفلامي الروائية.

أهم ما منحني إياه العمل الوثائقي هو الثقة. شجَّعني على الابتعاد عن الأدب، والاعتماد على غرائزي، والتفكير بسرعة، والقول لنفسي: حسنًا، هذا ما خطَّطنا له، وهذا ما رسمناه في الـ«ستوري بورد»، لكنني أدركُ الآن أنه لا فائدة منه. فالسؤال التالي هو: ماذا نفعل الآن؟ كيف نُغيّر المسار؟

قد تكون الأمور على ما يرام خلال البروفات، لكنها يجب أن تتفاعل مع الواقع عندما يبدأ التصوير فعليًا، وهذا ما لا يحدث دائمًا. الخلفية الوثائقية منحتني هذه القدرة، وحملتني إلى شجاعة التفكير بسرعة.

بدأتُ أسأل نفسي باستمرار: هل يعجبني هذا؟ هل يفيد؟ هل يحمل نبضًا حقيقيًا؟ ولأنني أشاهد كثيرًا من الأفلام، من بينها أفلامي، أسأل أحيانًا: كيف لم يلاحظوا أنّ الأمر الفلاني لا يعمل كما يجب؟ ليس كلّ ما هو مكتوب في السيناريو يصلح للتصوير. فالتجربة الوثائقية تُعلّمك أن تبقى خفيف الحركة، مستعدًا للتغيير على الدوام».

8 – «في البداية، يكون الجميع ضدّك، ثم يقولون: نعم، نعم… لقد آمنا بك منذ البداية»

«الفيلم الذي سبق «الملاذ الأخير» كان قصيرًا بعنوان «توكرز»، ومثّل مرحلة انتقالية مهمة في مسيرتي. أنجزته مع صديقي أيان دنكان. كلّ ما أردناه هو أن نروي حكاية من دون كلّ الهراء الذي كانت تفرضه دراما الـ«بي بي سي» في ذلك الوقت. وأقصد بذلك الشروح التمهيدية، والحوار التفسيري، وغالبًا الحوار الرديء.

Twockers (1998)
Twockers (1998)

لذلك حاولنا أن نقدّم فيلمًا داخل فضاء محدود جدًا: موقع تصوير رائع في مجمّع سكني شعبي في شمال إنكلترا، في منطقة غرب يوركشاير. صوّرنا الفيلم كلّه بلقطات ثابتة، على نحو يشبه إلى حدّ ما فيلم «إيدا»، لكن بعدسات أوسع.

لم يكن لدينا سوى حكاية من خمس صفحات. صوّرناه وفق تسلسل الأحداث، ولذلك كنّا نبنيه تدريجيًا، مشهدًا بعد مشهد. وعملنا مع ممثلين غير محترفين، لكننا اخترناهم بعناية شديدة. كانوا يتمتّعون بحضور تعبيري استثنائي، ولم يكونوا مجرّد نماذج اجتماعية، وإنما أشخاص حقيقيون.

كانت تلك هي المرحلة الانتقالية الحقيقية، وقد نجحتُ. بل إننا تمكّنا من إقناع الـ«بي بي سي» بتمويل المشروع، لأنها كانت تظنّ أنه فيلم وثائقي، ولم تدرك أنه سيتحوّل في النهاية إلى روائي. يبدو أنني كنتُ بارعًا دائمًا في خداع الناس… أولاً، يكون الجميع ضدّك، لكن بعد أن تنجز العمل، يصبحون سعداء ويقولون: «نعم، نعم… لقد آمنا بك منذ البداية»».

9 – «عندما تضع الحكاية داخل سياق سياسي، من الأفضل أحيانًا ألا تضع السياسة في المقام الأول»

«هاجرتُ في زمن مختلف تمامًا. غادرتُ أوروبا الشرقية يوم كان النظام الشيوعي لا يزال في الحكم، وكانت الكتلة الشرقية قائمة، وكان الوصول إلى البلدان الأخرى أسهل بكثير مما أصبح عليه لاحقًا. لذلك، لم أعش التجربة التي يعيشها المهاجرون اليوم، كما أنّ الأعداد كانت مختلفة تمامًا.

Last Resort (2000)
Last Resort (2000)

أصبح «الملاذ الأخير»، بالنسبة إلى النقاد فيلمًا عن أزمة اللاجئين. لكن بالنسبة إليّ، لم يكن الأمر على هذا النحو. إنه، قبل كلّ شيء، فيلم عن زوجين. وغالبًا، عندما تمتنع عن تناول قضية ما بصورة مباشرة، فإنها تحضر بقوة أكبر، لأنها تظهر بصورة طبيعية.

لاحظتُ ذلك في معظم الأفلام: عندما تضع حكاية داخل سياق سياسي، فمن الأفضل، في بعض الأحيان، ألا تضع السياسة في المقام الأول، حتى يبدو الفيلم صادقًا، ولا يتحوّل إلى خطاب وعظي.

كان هناك لاجئون في مارغيت آنذاك، وقد اختير جميع الكومبارس من بينهم، ممن كانوا يقيمون في تلك الفنادق المتواضعة والمتهالكة. وكانت الخلفيات التي جاؤوا منها مختلفة تمامًا: غجر من سلوفاكيا، ولاجئون من أفغانستان، وآخرون قدِموا من أنحاء مختلفة من العالم. وكان الجميع يحلمون بالذهاب إلى لندن.

أتذكر أنني أمضيتُ وقتًا طويلًا مع مجتمع الغجر السلوفاكي. وقبل بدء التصوير، أجريتُ بحثًا مطولًا، واكتفيت بالوجود في المكان، محاولًا فهمه والتقاط روحه. وكانت خريطة الأمكنة بالنسبة إليهم تكاد تكون أسطورية.

لكنني شعرتُ أنّ هذا الوضع سيتفاقم أكثر فأكثر، وأنّ أعداد اللاجئين ستزداد باستمرار. وكانت فكرة هذه المدينة المنعزلة والمنفصلة عن العالم تبدو لي كأنها صورة من المستقبل. وقد شاهد ألفونسو كوارون «الملاذ الأخير»، وكان في ذلك الوقت يفكر في إنجاز «أطفال الرجل»، وأظن أنه وجد صلة بين الفيلم والطابع الديستوبي الذي يحمله».

10 – «اختيار الممثلين يُشبه البحث عن مواقع التصوير… تصل إلى مكان ما، وفجأةً تشعر: آه… هذا هو المكان»

«أحاول أن أُحسن اختيار الممثلين. أقضي وقتًا طويلًا في اختبارات الأداء، مع الحرص على أن أتمتّع بحرّية اختيار مَن أراه مناسبًا.

Last Resort (2000)
Last Resort (2000)

أنجزنا «الملاذ الأخير» بموازنة ضئيلة، وهذا منحني حرّية البحث عن ممثلة روسية حقيقية، بدلًا من الاستعانة بممثلة مثل نيكول كيدمان لأداء دور روسية. لذلك، أجريتُ بحثًا عميقًا، وسافرتُ إلى روسيا، والتقيتُ دينا كورزون، إلى جانب ممثلات أخريات.

بحثتُ عن ممثلات لديهن أطفال، لأنني اعتقدتُ أنّ الأم ستعرف بالفطرة كيف تتصرَّف مع طفل أمام الكاميرا. كان لدينا طفل، لكنه كان خجولًا أكثر ممّا يجب، فأدركتُ أنه لن يصلح للدور.

ثم صادفتُ ممثلة أخرى في سانت بطرسبرغ. لم تكن جيدة، لكنها كانت أمًا لطفل رائع. أمضيتُ معهما يومين نتجول معًا، وأتذكر أنني قلتُ في سرّي: ليتني أتخلّص منها وأحتفظ بطفلها فقط. ثم أخبرني أحدهم أنه لم يكن ابنها. لقد استطاع أن يقنعني بأنهما أم وابن طوال يومين كاملين. وكان يقول بكلّ صدق: «إني فخور جدًا بأمي، هي ممثلة رائعة».

عندها قررتُ أن أُسند الدور إلى ذلك الصبي. ولم تكن لغته الإنكليزية جيدة، لذلك اضطررنا إلى قضاء بعض الوقت في إنكلترا لتحسينها.

في النهاية، اختيار الممثلين مسألة حدسية. يُشبه إلى حد كبير البحث عن مواقع التصوير. تصل إلى مكان ما، وفجأةً تشعر: «آه… هذا هو. هذا هو المكان». والمهم أن توسّع دائرة البحث، فلا تعتمد فقط على مديري اختيار الممثلين الذين يعرفون مسبقًا النموذج الذي تعتقد أنك تبحث عنه. عليك أن تبحث بنفسك وتتفاعل مع الأشخاص الذين تكتشفهم.

وهذا ينسحب أيضًا على مواقع التصوير. فكلّ شيء يتعلّق بالصور والوجوه وأرواح البشر. أُنجز هذا الفيلم بموازنة تكاد تكون معدومة، لكنه يستند بالكامل إلى الوجوه والمناظر الطبيعية. وعندما أشاهده اليوم، ألاحظ أننا لم نستخدم أي حركات تقنية معقّدة أو استعراضية».

11 – «الممثلون يحتاجون إلى أن يثقوا بك أنتَ، لا بالنصّ فقط»

«لا أحب البروفات، وأفضل أن أمضي بعض الوقت مع الممثلين. نجري التمارين، لكن ليس على هيئة تدريبات دقيقة، وإنما وسيلة للاقتراب من المادة. نُجرب الأمور ببساطة: «دعونا نرَ كيف يمكن أن ينجح هذا… كيف ستؤديه أنت؟…»، إلخ. نمشي داخل المَشاهد، وكل شيء يبقى تقريبيًا. ليست في نيتي أن أثبت أي شيء بصورة نهائية قبل بدء التصوير.

لكنني أحرص على أن أقضي معهم وقتًا كافيًا، وأدخلهم إلى عالم الفيلم، بحيث يعيشونه فعلًا. ولا ينبغي لهم أن ينشغلوا بأعمال أخرى خلال التصوير. عليهم أن يكونوا منغمسين بالكامل ويعيشوا الفيلم معي.

الوقت هو العنصر الحاسم. فهو الذي يجعل الناس يشعرون بالارتياح تجاه بعضهم بعضًا. ولا سيما عندما تعمل على فيلم لا يعتمد كثيرًا على سيناريو مكتمل، أو عندما يكون السيناريو في حالة تغيُّر مستمر، فإنّ الممثلين يحتاجون إلى أن يثقوا بك أنتَ، لا بالنصّ فقط».

12 – «لم يُنجز الفيلم، فأخذتُ تلك القصة بأكملها وأدرجتها في فيلم آخر»

«كان «صيف من الغرام» فيلمًا عن الحب، أما النظام الطبقي فلم يكن سوى الخلفية. وخلال عملي في بريطانيا، حاولتُ دائمًا أن أتجنّب السوسيولوجيا، لأنها قد تتحوّل إلى عبء ثقيل يخنق السينما البريطانية. لذلك، صحيح أن هذا الفيلم يتناول الطبقات الاجتماعية إلى حدّ ما، لكنه يتحدّث أيضًا عن السلوك البشري والألعاب التي نمارسها في علاقاتنا، وعن موازين القوة بين الناس، وعن المناظر الطبيعية، وعن الوجوه. لقد ذهب بهذه العناصر إلى مدى أبعد.

بعدما حصد «الملاذ الأخير» بعض الجوائز، أدركتُ أنني أصبحت أتمتع بحرّية أكبر. وفجأة، أصبحت الموازنة التي أعمل ضمنها تتراوح بين مليون ومليون وثمانمائة ألف جنيه إسترليني. أصبح الإنتاج أكبر، والتصوير أكثر إحكامًا من الناحية التنظيمية.

My Summer of Love (2004)
My Summer of Love (2004)

ومع ذلك، ظلَّ «صيف من الغرام» يُنجز إلى حد بعيد خلال العمل، ومن داخل عملية التصوير نفسها. عملتُ مجددًا مع بادي كونسيدين. وكانت شخصيته مستوحاة من شخص حقيقي كنت أرغب ذات يوم في إنجاز وثائقي عنه. كان واعظًا مسيحيًا من جماعة «ولادة جديدة»، ويريد أن يضع صليبًا ضخمًا فوق قمة جبل، على تل كان يُعتقد أنه مسكون بالأرواح، حيث شُنق عدد من الساحرات في الماضي. وهذه قصة معروفة.

فكرتُ في أن أنجز وثائقيًا عن عملية حمل ذلك الصليب الهائل إلى قمة التل، لكنني لم أحصل على الترخيص اللازم. والغريب أنهم رفضوا منح الإذن بوضع الصليب، لأن المجلس المحلّي اعتبره «مشروع تطوير جديد»! ولذلك لم يُنجز الوثائقي، لكنني أخذتُ تلك القصة بأكملها وأدرجتها في «صيف من الغرام».

The Woman in the Fifth (2011)
The Woman in the Fifth (2011)

13 – «بعد هذه التجربة، أدركتُ أنه على المخرج أن يحترم إلى حدّ ما توقّعات المُشاهد»

«جاء «سيدة الطبقة الخامسة» بعد انقطاع طويل أعقب «صيف من الغرام». كنتُ قد بدأتُ العمل على فيلم آخر، لكنني اضطررتُ إلى إيقافه لأسباب شخصية. ثم أمضيتُ نحو خمس سنوات أعتني بأطفالي، لأنني كنت أبًا أعزب مدّةً من الزمن.

وخلال تلك السنوات، كتبتُ مشاريع كثيرة، من بينها النسخة الأولى من «إيدا»، وحتى «حرب باردة»، لكنني كنت أمرُّ بمرحلة صعبة، بعد انقضاء خمس سنوات من دون أن أنجز أيّ فيلم.

ثم جاءني منتجون فرنسيون بهذه الرواية، التي، وفق التعبير الفرنسي، تنتمي إلى «أدب القطار»، أي رواية شعبية خفيفة من تلك التي تُباع في محطات القطارات أو المطارات. وقالوا لي: «ربما تستطيع أن تُأفلمها». ولأنها لم تكن تشبهني البتة، إذ كانت رواية تشويق، فيها جرائم قتل وغموض، قلتُ لنفسي: «ربما يكون من المثير أن أنجز فيلمًا لا يمتُّ إليّ بصلة»، فقررتُ خوض التجربة.

وكان أطفالي قد غادروا إلى الجامعة، وأصبحتُ حرًا في الذهاب إلى باريس والبدء بالعمل على الفيلم. حاولتُ أن أتعامل معه كما لو أنه فيلم عادي، لأنني، عمومًا، عندما أنجز أفلامًا، أضع فيها كلّ شيء… كلّ ما أحب: الموسيقى، والصوت، والوجوه… أما في هذا الفيلم، فقد قلتُ لنفسي: «سأنجز فيلم جانر».

لكن المفارقة أنني خلال العمل عليه، بدأتُ أفكك تدريجيًا كلّ ما يجعله فيلم نوع. ألغيتُ جرائم القتل، وأظنّ أنّ جريمة واحدة فقط صمدت. وبدأ الفيلم كلّه ينتقل شيئًا فشيئًا إلى داخل رأس البطل، فتحوّل إلى تجربة غريبة. كان من المفترض أن يكون وسيلة للابتعاد عن هواجسي المعتادة، لكنه أصبح، يا للمفارقة، فيلمًا شخصيًا جدًا.

لكن طابعه الهجين كان صعبًا على المتفرّجين. لم يكن واقعيًا ولا فانتازيًا. وبعد هذه التجربة، أدركتُ أنه على المخرج أن يحترم إلى حدّ ما توقّعات المُشاهد».

14 – «أن تعمل أولًا مع شخص، ثم مع آخر، وتلتقط كثيرًا من الصور، وتضعها جنبًا إلى جنب، وتحاول أن تفهم كيف سيتطوّر الفيلم بصريًا»

«أمضيتُ وقتًا طويلًا أتجوّل في باريس، محاولًا أن أجعلها تبدو أقل شبهًا بباريس، وأكثر شبهًا بحالة نفسية. وهذا أمر غريب، لأن التصوير في باريس مكلف جدًا، ولذلك يرغب الجميع في أن يُظهر للمُشاهد بوضوح أن الفيلم صُوّر في باريس. يُراد من الجمهور أن يعلم أن الفيلم صُوّر هناك. أما أنا، فكنت أبحث عن شيء آخر.

وكان معي مهندس ديكور رائع، بونوا بارو، وكان هو أيضًا مهتمًا جدًا بهذا النوع من المقاربة الوثائقية. لذلك أمضينا وقتًا طويلًا نتنقل في باريس على دراجة نارية، وهي أفضل وسيلة للتجوّل في المدينة، نبحث عن الملامس البصرية، ونلتقط الصور، ونشتري بعض القطع مباشرة من أصحابها.

ثم جاء دور الكاميرا، ومدير التصوير الذي انضم إلى المشروع لاحقًا، فبدأنا نتأمّل مواقع التصوير، ونحدّد كلّ شيء، أي عدسات سنستخدم، وكم سيكون عمق المجال، وأين ينبغي أن تتحرّك الكاميرا. ومرة أخرى، كان الأمر أشبه بعلاقة حبّ ثلاثية.

هذه طريقة معينة في العمل: أن تعمل أولًا مع شخص، ثم مع آخر، وأن تلتقط كثيرًا من الصور، وتضعها جنبًا إلى جنب، وتحاول أن تفهم كيف سيتطوّر الفيلم بصريًا.

عندما أشاهد الفيلم اليوم، أشعر بأنه أصبح غريبًا عني، وينتمي إلى مرحلة محدّدة جدًا من حياتي. أحاول أن أتذكر كيف تكوّن كلّه، لكنني ابتعدتُ عنه كثيرًا منذ ذلك الحين.

The Woman in the Fifth (2011)
The Woman in the Fifth (2011)

كان إيثان هوك منخرطًا بالكامل في الفيلم. إنه ممثل شديد الذكاء، ولذلك فهم منذ اللحظة الأولى أين نحن، وما الذي تمرُّ به الشخصية. كما أضاف إلى الدور كثيرًا من عناصره الخاصة، فأصبح يعني له شيئًا على المستوى الشخصي أيضًا.

فهو لا يتحوّل جذريًا طوال الفيلم. الفيلم نفسه هو الذي يتغيّر، أما هو فيبقى، إلى حد كبير، الشخص ذاته. وقد كنت محظوظًا بالعمل مع شخص ليس ممثلًا بارعًا فحسب، وإنما كاتب أيضًا. ولهذا استطاع أن يفهم بسهولة حالة الكاتب الفاشل؛ وهي الحالة التي يعيشها بطل الفيلم، ويتخيّلها بعمق. لم تكن هناك استراتيجية محدّدة، بل كان الأمر ببساطة تعاونًا وثيقًا جدًا».

15 – «معظم عملي مخرجًا، بعد مرحلة التحضير والغوص أعمق فأعمق في الشخصية واستيعاب تفاصيل المرحلة الزمنية، يتمثّل في نحت الأداء»

«معظم قصصي تتولّد من قصتين مختلفتين. وفي هذه الحالة، استُلهمت شخصية إيدا من ذلك الكاهن، بينما استلهمتُ شخصية واندا من امرأة التقيتها في أوكسفورد، وكانت مدّعية عامة.

والأخيرة شخصية مرَّت بمراحل مختلفة في حياتها. ففي شبابها، كانت ماركسية لينينية متحمّسة ومتعصّبة، قمعت مأساتها الشخصية، وتركت، بطريقة ما، طفلها في عهدة شقيقتها. ففي تلك المرحلة، لم تكن العائلة تعني لها كثيرًا أصلًا. وكانت عضوةً في التنظيم الشيوعي السرّي. وبعد الحرب، أصبحت جزءًا من النخبة الجديدة، تحمل في داخلها حياة كاملة لم تُحسم بعد.

ثم تظهر إيدا، فتقلب كلّ ذلك رأسًا على عقب. وهذه، بالنسبة إلى الكاتب، مادة مثالية لشخصية قوية، وفرصة رائعة لممثلة عظيمة كي تستكشفها. ولحُسن الحظ، كانت لديّ ممثلة عظيمة.

Ida (2013)
Ida (2013)

أغاتا كوليشا ممثلة استثنائية، ذكية جدًا، وقادرة على أن تكون شاعرية ورقيقة عند الحاجة. إنها من النوع النادر من الممثلين الذين يغوصون داخل الشخصية، ثم يستطيعون، في اللحظة التالية، أن يخرجوا منها وينظروا إلى الصورة الكاملة.

ولهذا، مرة أخرى، كان الوقت هو العنصر الأساسي. فمعظم عملي مخرجًا، بعد مرحلة التحضير، والغوص أعمق فأعمق في الشخصية، واستيعاب تفاصيل المرحلة الزمنية، يتمثّل في نحت الأداء.

ولأنها ممثلة تقدّم كثيرًا، فإنّ كل ما كنت أحتاج إليه أحيانًا هو أن أقول لها: «أقل… أقل… أقل هنا… وربما أكثر قليلًا هناك». وكانت تُقدّر هذا الأسلوب كثيرًا. بعض الممثلين ينزعجون عندما تمنعهم من «التمثيل»، لكنها كانت تتقبّل ذلك، بل تفهمه تمامًا. وكانت تدرك أنّ «الأقل يعني الأكثر» في هذا الفيلم، فكلّ شيء يحدث في الداخل.

ماذا عساي أن أقول؟ إذا كانت لديك شخصية جيدة على الورق، أو في مخيلتك، ثم وجدتَ الممثلة المثالية لها، فلا شيء يمكن أن يوقفك».

16 – «أختبر أفكاري على الناس باستمرار. فالجميع، إلى حدّ ما، يشاركون في كتابة الفيلم، حتى ابنتي»

«أنظر إلى الكتابة السينمائية بكونها عملية مرنة ومتغيّرة. فالسيناريو، بالنسبة إليّ، لا يصل أبدًا إلى صيغة نهائية مُغلقة. ثم إنّ الأمر يعتمد أيضًا على هوية الكاتب المشارك.

Ida (2013)
Ida (2013)

في حالة «إيدا»، كانت ريبيكا لينكيفيتش، وهي كاتبة مسرح بريطانية تحمل لقبًا بولنديًا، لكنها ليست بولندية. أمضينا وقتًا طويلًا نعمل على نسخة من «إيدا»، وكان علينا أن نكتب نحو ستين صفحة من السيناريو للحصول على التمويل. وكان الأمر يشبه جلسة علاج نفسي.

لم أشعر أنني في حاجة إلى كاتبة مشاركة لأنّ الفيلم يتمحور حول شخصيات نسائية. لا، لم يكن هذا السبب. كلّ ما في الأمر أنني أدركتُ، مع الوقت، أنّ أفضل الأفكار تولد من الحوار. إنه لأمر بائس أن تكون وحيدًا وأنت تكتب، إلا إذا كنت كاتبًا استثنائيًا يستطيع أن يعمل وحده.

أما أنا، فأعتقد أنّ الخيال، والذاكرة، واللاوعي، كلّ ذلك يصبح أكثر خصوبة عندما تكون في حوار مع شخص آخر. ولذلك، فإنّ الكتابة المشتركة بالنسبة إليّ هي حوار في المرحلة الأولى من الفيلم، عندما يكون علينا أن نولد السيناريو. ثم يستمر هذا الحوار خلال التحضير، ثم خلال التصوير، ثم مع بقية أعضاء الفريق؛ مع مهندس الديكور، ومدير التصوير، والممثلين. المهم هو أن يبقى الحوار مستمرًا.

فالإنسان يكتشف في داخله أشياء أكثر بكثير عندما يكون هناك مَن يردّ عليه بالأفكار، ويعيدها إليه بطريقة مختلفة. على الأقل، هكذا أنا.

Fatherland (2026)
Fatherland (2026)

في آخر فيلم أنجزته، كان لديّ نوعان من الكتّاب المشاركين. كان يانوش غلوواكي الشريك الأساسي، لكنه، في الحقيقة، لم يكتب شيئًا. كان يأتي فقط ليُعيد إليّ الأفكار. أكتب، ثم أدعوه بين الحين والآخر، فيبدي ملاحظاته، ثم نُطلق العنان لخيالنا، وندوّن بعض الأفكار.

وكان لدي أيضًا متعاون آخر في السيناريو، يختلف تمامًا عن يانوش. كان يقدّم لي نوعًا آخر من الملاحظات، مع تفكير أعمق في البنية الدرامية.

في النهاية، المسألة كلها هي أن تُبقي العملية مفتوحة وحيّة. أما هذه القداسة التي يحيط بها البعض السيناريو، أو أي توصيف صارم لوظائف العاملين في الفيلم، فأنا أميل دائمًا إلى معارضتهما. أحاول أن أُبقي كلّ شيء مفتوحًا. فالجميع، إلى حدّ ما، يُشاركون في كتابة الفيلم، حتى ابنتي.

أختبر أفكاري على الناس باستمرار. من المهم عقد هذه الجلسات، واللقاء بالآخرين بصورة دورية. ولكي أختصر الكلام، فإنّ كل شيء يعتمد على الظروف، لكن الأهم هو أن تجد الفكرة أولًا، ثم تنفخ فيها الحياة، وتجعلها تنبض. وغالبًا ما يحدث ذلك عندما ترويها بصوت مرتفع، أو تعبث بالحوار، أو تلعب بالوضع الدرامي نفسه».

17 – «لا يمكنك أن تتوقّع من الجمهور أن يرى الفيلم بالطريقة التي تراه أنتَ بها. فكلّ شخص يحمل معه خياله وذكرياته الخاصة، ويدخلهما إلى الفيلم»

«في «سيدة الطبقة الخامسة»، كنتُ نوعًا ما أتحسَّس الطريق، أبحث عن الاتجاه، وربما يظهر ذلك في الفيلم نفسه. أما في «إيدا»، فنزعتُ كلّ شيء إلى أبسط شكل ممكن.

عرفتُ منذ البداية أنها ستكون فيلمًا بلقطات ثابتة، وأدركتُ أنها ستُبنى، باستثناء اللقطتين الأخيرتين، على هذا الأسلوب. وعرفتُ أيضًا أنها ستكون بفورما صورة مربّعة.

Ida (2013) | ČSFD.cz‏
Ida (2013)

تجري أحداث «إيدا» في الستينات، لكنها مرتبطة جزئيًا بذكرياتي. السيارة التي تقودها واندا، على سبيل المثال، أحبّها كثيرًا. وجزء كبير من هذا العالم جاء ببساطة من حبّي لهذه التفاصيل التي كانت موجودة في المتاجر.

معظم الناس يرون هذا العالم بائسًا وكئيبًا، أما بالنسبة إليّ، فهو حنين صافٍ. وبالطبع، لا أقصد الغابة والقبر تحديدًا. فالأمر يعتمد على الشخص الذي ينظر.

لا يمكنك أن تتوقّع من الجمهور أن يرى الفيلم بالطريقة التي تراه أنت بها، فكلّ شخص يحمل معه خياله وذكرياته الخاصة، ويدخلهما إليه».

18 – «صناعة السينما هي عملية اكتشاف لما لا تحتاج إليه في الفيلم. ومع كلّ فيلم أنجزه، أصبحتُ أعرف أكثر الأشياء التي لا أحتاج إليها فعلًا»

«كان «إيدا» أشبه بصلاة. أما «حرب باردة»، فهو عن حبّ درامي. إنه عن الصراع، وعن التناقض، وعن التباين داخل الصورة نفسها، من خلال الضوء، ولكن أيضًا من خلال تصادم عوالم مختلفة تمامًا، ومواجهات بين ظروف متباعدة.

كنت أريد الموسيقى أن تحمل الفيلم بأكمله. لذلك يبدأ الفيلم بصوت أحادي، عندما نكون في بولندا، ثم يبدأ الفضاء الصوتي بالاتساع شيئًا فشيئًا. لقد استخدمتُ هنا جميع الوسائل المتاحة. ومع ذلك، لا يزال البعض يقول إنه فيلم بولندي ضيّق بالأبيض والأسود. يبدو أنه من المستحيل الإفلات من هذه الصورة النمطية.

Cold War (2018)
Cold War (2018)

الأبيض والأسود في هذا الفيلم مختلفان تمامًا عما في الأفلام البولندية. فهذا فيلم عن صراع مستمرّ، وعن علاقة مستمرّة وحية، وعن تصادم عوالم: الشرق والغرب، والريف البولندي، وباريس، ويوغوسلافيا، التي هي في هذا الفيلم مدينة سبليت. لقد ألقيتُ بكلّ شيء في هذا الفيلم.

صديق لي، وهو كاتب مسرحي، وصفه على هذا النحو: «هناك قصة موجودة في الخارج، قصة كاملة قائمة بذاتها، وأنت لا تعرض لنا منها إلا ما تريد عرضه، وما تتذكره أنت، بينما تبقى القصة نفسها موجودة موضوعيًا خارج الفيلم».

نعم، بهذا المعنى، يشبه الفيلم بعض الأفلام الوثائقية التي قد تصوّرها على مدى خمسة عشر عامًا. لا تحصل إلا على إمكانية الوصول إلى بعض المعطيات، ثم تحصل على إمكانية الوصول إلى معطيات أخرى. وفي حالتي، حصلتُ على الوصول إلى الأجزاء التي كانت تهمّني حقًا؛ تلك التي كانت تحمل ملمسًا وطبقات، والتي يمكن روايتها بصريًا وموسيقيًا.

فأدركتُ أيضًا أنك لست مضطرًا إلى شرح كلّ شيء بالتفصيل. وخصوصًا عندما يتعلّق الأمر بالحبّ، فالناس يُسقطون تجاربهم ومشاعرهم الخاصة على هذا النوع من القصص، ويمكنك أن تثق بقدرتهم على تخيّل الباقي.

كما اكتشفتُ أيضًا، وهذا شيء تتعلّمه مع كلّ فيلم جديد، أنّ صناعة السينما هي عملية اكتشاف لما لا تحتاج إليه في الفيلم. ومع كلّ فيلم أنجزه، أصبحتُ أعرف أكثر الأشياء التي لا أحتاج إليها فعلًا.

كثيرًا ما أقرأ الكتب، حتى بعض الروايات العظيمة، وأتجاوز صفحات كاملة كي أصل إلى المقاطع المهمّة. وحتى عندما أشاهد أفلامي القديمة، وهذا نادرًا ما يحدث، أتنقل سريعًا حتى أصل إلى اللحظات التي أحبّها. ثم أدرك: في الحقيقة، لم أكن في حاجة إلى كلّ تلك الأشياء الأخرى. لكن المشكلة كانت أنني لم تكن لديّ ثقة كافية لأحذفها.

هذه هي طريقتي في العمل. في المقابل، أحبّ أيضًا الأفلام التي تأخذ وقتها لتشرح كلّ شيء بالتفصيل. لذلك، لا يتعلّق الأمر بوجود طريقة صحيحة وأخرى خاطئة، بل عليك أن تكتشف بنفسك ما يناسبك، وتكتشف مَن أنت، وما هي ذائقتك. وبالطبع، فإن ذائقتك نفسها تتغيَّر وتتطوَّر مع الوقت».

19 – «لديّ ميل فطري إلى تجنُّب المَشاهد غير الضرورية، أو تلك التي أشعر بالملل وأنا أشاهدها»

«سيناريوهاتي قصيرة نسبيًا، ولذلك يكون لديّ منذ البداية إحساس بأنّ الفيلم لن يتحوّل إلى عمل مترهّل وطويل وممتدّ. أفلامي الأربعة الأخيرة كلّها تقريبًا في حدود 83 دقيقة. وتصل إلى هذا الطول بصورة طبيعية.

لديّ ميل فطري إلى تجنُّب المشاهد غير الضرورية، أو تلك التي أشعر بالملل وأنا أشاهدها. ولديّ نزعة طبيعية إلى التكثيف، وإلى الإيحاء بأكبر قدر ممكن من دون إظهار كلّ شيء. وتبدأ هذه العملية منذ مرحلة الكتابة.

ثم، خلال التصوير، أقوم عادةً بالمونتاج في رأسي. أبدأ في تكوين إحساس بما يحتويه الفيلم بالفعل، ولذلك يمكنني لاحقًا أن أتجنّب تصوير مَشاهد غير ضرورية، إذا أدركتُ أننا حصلنا على المعلومة أو الفكرة بطريقة أخرى.

وخصوصًا المَشاهد التي لا داعي لها إلا من أجل شرح الأشياء، فهذه نادرًا ما تكون مَشاهد جيدة. لذلك، قد تكون مواقع التصوير الخاصة بي أماكن فوضوية قليلًا، لأنّ الأشياء تتغيّر باستمرار. وقد تصل صفحات جديدة من السيناريو صباحًا، لكنني أملك سيطرة كاملة في غرفة المونتاج».

20 – «السؤال الذي أطرحه دائمًا هو: كيف تصنع صورة تبقى في الذاكرة؟ منذ «إيدا»، أصبحتُ أثق بالصورة أكثر بكثير»

«أحاول الابتعاد عن القوالب المُستهلكة. أُصاب دائمًا بالإحباط عندما أشاهد فيلمًا مبنيًا بالكامل على بنية اللقطة واللقطة المعاكسة، حيث يكون كلّ شيء مؤطرًا بطريقة مرتّبة ونظيفة.

لذلك، السؤال هو: كيف يمكن أن تكسر هذه القواعد من دون أن تصبح متكلّفًا؟ قد يرى البعض أنّ هذا النوع من المقاربة يحمل شيئًا من التصنّع، لكن بالنسبة إليّ، الأمر يتعلّق بإرباك المشاهد قليلًا، وبربط الشخصية بالخلفية، وربط الخلفية بالعالم الموجود خلفها.

بافل بافليكوفسكي من كواليس Ida (2013)
بافل بافليكوفسكي من كواليس Ida (2013)

السؤال الذي أطرحه دائمًا هو: كيف تصنع صورة تبقى في الذاكرة؟ منذ «إيدا»، أصبحتُ أثق بالصورة أكثر بكثير. عندما شاهدته مجددًا بالأمس، أدركتُ كم أنّ الحركة قليلة جدًا، والدخول إلى الغرف والخروج منها قليل. فأنت ببساطة تنتقل إلى الصورة المهمّة، إلى الصورة الأقوى، ومع ذلك تظلّ القصة تعمل وتصل إلى المُشاهد.

بعض الناس ينفرون من هذا الأسلوب، ويقولون إنه شديد الشكلانية أو بارد. لكنني أجد أنه إذا كان هناك إحساس حقيقي في العمق، فإن التكوين البصري لا يبعد المشاعر، بل على العكس، يعزّزها. فالصورة التي تكون قليلًا على الحافة، وتحمل تعبيرًا بصريًا قويًا، يمكن أن تجعل الأثر العاطفي أكبر، شرط أن تكون العاطفة موجودة أصلًا.

لكنني لم أضع يومًا نظريات حول هذا الأمر. إنها ببساطة الطريقة التي أعمل بها».

اقرأ أيضا: «أرض الأجداد»… توماس مان يعود إلى الركام

شارك هذا المنشور

أضف تعليق