حضر المخرج البلجيكي لوكاس دونت مؤتمرًا صحافيًا في مهرجان «كانّ» السينمائي، عقب العرض الرسمي لفيلمه الجديد «Coward» المُشارك في المسابقة الرسمية للدورة الـ79.
وشهد المؤتمر حضورًا إعلاميًا واسعًا لمناقشة أبعاد الفيلم الذي يمزج بين قسوة الحرب العالمية الأولى ورقَّة المشاعر الإنسانية، إلى جانب كواليس الرؤية الفنّية والسياسية التي قادت صنّاعه إلى إعادة إحياء صور منسيّة من التاريخ البلجيكي، وتسليط الضوء على مفاهيم المقاومة عبر الفنّ وتفكيك الصور النمطية للذكورة في زمن الحروب.
تدور الأحداث عام 1916، إبان الحرب العالمية الأولى، حيث يتوق «بيار»، الجندي الشاب الوافد حديثًا إلى جبهة القتال، إلى إثبات جدارته وشجاعته. وخلف خطوط العدو، يلتقي بالجندي «فرنسيس»، الذي يقرّر مواجهة الموت والدمار عبر رفع معنويات رفاقه من خلال تقديم عروض مسرحية واستعراضية غنائية.
وبينما يستمرّ العنف الضاري من حولهما، يحاول الرجلان إيجاد سُبل للهروب من ويلات الحرب، ولو للحظات، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية وعاطفية عميقة تختبر مشاعر الحبّ والصداقة في أحلك الأوقات.
دوافع اختيار الحقبة التاريخية
وأوضح لوكاس دونت أنّ اختيار الحرب العالمية الأولى ينبع من كونها جزءًا لا يتجزأ من الهوية والتاريخ البلجيكي، حيث دارت رحاها على أراضيهم، مشيرًا إلى أنه يمرّ أسبوعيًا برفقة شريكه أمام مقابر آلاف الشباب الذين قضوا خلالها.

وأكد أن دافعه الأساسي لصناعة الفيلم جاء بعد اكتشافه صورًا فوتوغرافية نادرة تعود إلى تلك الحقبة، تُظهر جنودًا بلجيكيين يحولون صناديق الذخيرة إلى مسارح، وأكياس الرمل إلى تنانير، لتقديم عروض ترفيهية.
وعدَّ تلك الصور التجسيد الأسمى للمقاومة والتحرّر، إذ اختار هؤلاء الجنود بذور الخلق والإبداع في وقت كان يُفرض عليهم فيه التدمير الكامل.
تفكيك الصورة النمطية للذكورة
وانتقد المخرج البلجيكي ما وصفه بسياسة الذاكرة التي تفرضها المناهج والكتب، عبر التركيز فقط على الجانب العنيف والتدميري للجنود، وتجاهُل لحظات التعاطُف والتآزر الإنساني بينهم.
وأضاف دونت أنّ سينما الحروب التقليدية غالبًا ما تقيس قيمة الرجل بقدرته على الأذى والتدمير، بينما تكشف مذكرات الجنود ويومياتهم عن عالم مُغاير مليء بالرقَّة، مثل جنود يمثّلون دور الأمهات ويقبّلون رفاقهم لتهدئتهم قبل النوم.
وأكد أنّ هدفه كان تسليط الضوء على هذه الجوانب المنسيّة، ومواجهة عنف النظام الأبويّ السائد عبر تقديم نموذج ذكوري يُعبّر عن مشاعره بشكل مختلف.
الإسقاط السياسي على الواقع الأوروبي المُعاصر
وفي إجابة على سؤال حول الرسالة الخفيّة للفيلم تجاه الأوضاع الراهنة في أوروبا، ربط دونت بين أحداثه والواقع المُعاصر، مستشهدًا بلقاء تلفزيوني شاهده مؤخرًا، يسأل فيه طالبٌ بلجيكي أحدَ السياسيين عن احتمال إعادة التجنيد الإجباري إذا تصاعد التهديد الحربي في أوروبا. ليرد السياسي بسؤال وجيه جعل جميع الشباب يرفعون أيديهم، مستعدّين للتضحية بحياتهم رغم خوفهم.
وأكد المخرج البلجيكي أنّ الهدف من العودة إلى الماضي هو صياغة تساؤل استنكاري حول سبب استمرار المجتمعات، حتى اليوم، في توقُّع تضحية الشباب بأرواحهم من أجل ألعاب القوى السياسية.
التأثُّر بروّاد السينما الكلاسيكية

وأعرب لوكاس دونت عن تأثّره الكبير بعدد من المخرجين الكلاسيكيين الذين ألهموا فيلمه، موجِّهًا تحية مباشرة إلى المخرج ستانلي كوبريك عبر محاكاة المشهد الأخير من فيلم «Paths of Glory»، من خلال أغنية حبّ يؤدّيها البطل لتُعيد إلى الجنود طيف أمهاتهم وزوجاتهم.
كما أشار إلى تأثّره بفيلم كوبريك الأول «Fear and Desire»، الذي ركز على الأثر النفسي الداخلي للحرب بدلًا من الصراع ذاته.
ولفت أيضًا إلى تأثره بفيلم «The Great Illusion» للمخرج جان رينوار، وتحديدًا مشهد ارتداء الجنود لملابس النساء، مؤكدًا أنّ قراءاته التاريخية أثبتت أنّ الجنود الذين جسَّدوا أدوار النساء على الجبهة حظوا بإعجاب وتقدير هائلين من رفاقهم، ولم يتعرَّضوا لأي تنمُّر، ممّا يثبت أن الماضي كان متطورًا وحديثًا جدًا في تقبُّل الآخر.
من جانبه، تحدَّث الممثل فالنتين كامباني، الذي يجسّد دور «فرنسيس»، عن كيفية بنائه للشخصية التي تضفي لمسة من الرقَّة والطاقة الأنثوية على بيئة ذكورية خشنة، مُبينًا أنه خضع لتدريبات مكثَّفة وصارمة استمرَّت ثلاثة أشهر، شملت الرقص والغناء وتعلُّم اللغة الهولندية.
وأوضح كامباني أنّ توجيهات المخرج ركزت على منحه الثقة، إذ إنّ شخصية «فرنسيس»، عندما يرتدي أزياء العرض ويغنّي، لا تفكر في كونها «امرأة»، بل تختبر لحظة مطلقة من الحرّية والتحرُّر من ضغوط الموت المحيطة بها، معبِّرة عن نفسها بصدق ومن دون زيف.

واستعرض الممثل الشاب إيمانويل ماكيا تجربته الأولى في دور رئيسي كبير، واصفًا إياها بالتحدّي الصعب، كونه يُجسّد دور جندي ممرّض من عام 1916.
وأشار إلى أنّ الأداء اعتمد بشكل كبير على التواصل البصري وتعميق الروابط بينه وبين فالنتين كامباني خارج التصوير، إذ أمضيا وقتًا طويلًا في التعرُّف إلى تفاصيل شخصيتيهما والذهاب إلى الحفلات لبناء ثقة متبادلة انعكست على الشاشة في صورة قصة حبّ وصداقة متينة.
وأكد دونت، في هذا السياق، أنه تعمَّد الجمع بين شخصيتين متناقضتين: إيمانويل، الذي يمتلك روحًا حسّاسة ومنغلقة، وفالنتين، المنفتح والمليء بالطاقة والرقص، ليخلق هذا التباين تناغمًا تدريجيًا يعكس قيم الحبّ والصداقة الخالصة التي يستمد منها الطاقة في حياته الواقعية.